شرح الأصول الثلاثة 6

شرح الأصول الثلاثة 6

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

المسائل الثلاث الأساسية في المقدمة الثانية

المؤلف يشرح ثلاث مسائل يجب تعلمها والعمل بها، ويبدأ بالتفصيل في أول مسألتين: إرسال الله للرسل وعدم رضاه بالشرك. يُوضح أن الله أرسل رسلًا إلى كل الأمم وأن نبينا محمدًا هو النبي للأمم جميعًا.

الشرك بالله وتفاصيله

يشرح المؤلف مفهوم الشرك بالله، موضحًا أنه لا يرضيه ولا يحبه، وأنواع الشرك في العبادة والربوبية والأسماء وصفات، مع التركيز على الشرك في العبادة لكونه الأكثر وقوعًا.

تحريم الشركاء مع الله في العبادة

يؤكد المؤلف على عدم جواز اتخاذ شركاء مع الله في العبادة، مستدلاً بآية قرآنية، ويشدد على رفض الشرك بأشكاله المختلفة سواء في الأقوال أو الأفعال أو النوايا.

الدعاء والصلاة على النبي ختامًا

المقطع ينتهي بدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مع التأكيد على علم الله المطلع.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لازلنا إخوانا في الله مع مقدمة المؤلف رحمه الله تعالى، وهي المقدمة الثانية، والتي بدأها بقوله رحمه الله تعالى: اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمي هذه الثلاث مسائل والعمل بهن. وذكرنا مسائل سريعة متعلقة بهذه الأسطر، ومعنى العلم والدعاء بالرحمة، وأنه يجب على كل مسلم ومسلمة، وبينا أن أحكام التشريعية الرجل والمرأة في ذلك سواء، فإن النساء شقائق الرجال كما قال عليه الصلاة والسلام. وذكرنا المسائل الثلاثة، وأولى هذه المسائل قال رحمه الله تعالى: أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملا، بل أرسل إلينا رسولا، فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار. وذكرنا كذلك المسائل المتعلقة بهذه المسألة الأولى، وكيف أن الله جل وعلا من لطفه بعباده ورحمته بخلقه أنهم لم يدعهم لأنفسهم إلا لضل السبيل، بل أعانهم الله جل وعلا بعدة إعانات، وعلى رأسها أن الله جل وعلا أرسل إليهم الرسل ليدلونه عليه سبحانه وتعالى. والآيات في هذا الباب كثيرة، كما قال جل في علاه: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا﴾، فما من أمة إلا ولها نذير جاء ليبلغها دين الله جل وعلا. وقد يقول قائل: ونحن في هذه الأزمان المتأخرة هناك دول، هناك أمم، هناك قارات، قارات بأكملها، من الذي بعث إليهم؟ نسمع عن أستراليا، أوروبا، أمريكا، هذه الدول من نبيهم إذا أنتم تقولون أن ما من أمة إلا أرسل فيها ربنا جل وعلا رسوله؟ فما النبي هؤلاء؟ الجواب هو محمد عليه الصلاة والسلام، فإن هؤلاء نبيهم محمد. لهذا ثبت في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده، ما يسمع بي يهودي ولا نصراني ولا يؤمن بي إلا كان إلا أدخله الله». كما قال عليه الصلاة والسلام: «ونبينا أرسل للناس كافة»، فكل هؤلاء الخلائق ينبغي أن ينطو تحت رسالة الإسلام الذي بعث بها نبينا عليه الصلاة والسلام. ثم قال رحمه الله تعالى: الثانية، أي المسألة الثانية التي ينبغي علينا أن نتعلمها، قال: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. والدليل قوله تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا﴾. هذه المسألة الثانية في هذه المقدمة الثانية كذلك التي أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن نتأمل فيها ونتنبه لمسائلها. قال رحمه الله تعالى: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد، وأهل السنة والجماعة يثبتون صفة الرضا لله جل وعلا، وأنه وصف قائم بالله، على خلاف أهل البدع ممن يعطل هذه الصفة أو يؤول أو يحرف. كمن يقول بأن الرضا هو الإنعام أو أن الرضا هو إرادة الإنعام، وأهل السنة والجماعة أن الرضا هو وصف قائم بالله سبحانه وتعالى. قال: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، ربنا لا يرضى بهذا، ربنا لا يرضى بالشرك، وربنا كذلك لا يرضى بالكفر، ولا يرضى لعباده الكفر، كما قال جل في علاه. فربنا لا يحبه ولا يرضاه ولا يريده الإرادة الشرعية، وإن كان هذا كائن بالإرادة الكونية، ربنا أراد الكفر كونا لحكمة أراده الله سبحانه وتعالى أن يقع بين العباد لأمر أراده الله جل وعلا، ومع ذلك هو من حيث الناحية الشرعية فإن الله لا يحبه ولا يرضى لعباده الكفر. فقال: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، وقوله: أن يشرك معه أحد، الشرك مأخوذ من التشريك، وفسر الشرك كما جاء بالسنة أن تجعل لله ندا، أن تجعل لله نظير، أن تجعل لله مثيل في ألوهيته وفي ربوبيته وفي أسمائه وصفاته، كل نوع من أنواع التشريك هذا منفي عن الله جل وعلا. فمن جعل لله نظير، من جعل لله ند فقد أشرك بالله سبحانه وتعالى. لكن يلاحظ هنا أن المؤلف رحمه الله تعالى خص الشرك بنوع من أنواع صوره، وقال: أن يشرك معه أحد في عبادته، خص الشرك في العبادة، وذلك لأهميته، وإلا سواء كان شرك في العبادة أو الشرك في الربوبية أو الشرك في الأسماء وصفات، كله ذلك شرك. لكن المؤلف رحمه الله تعالى خصص هذه الصورة في العبادة، أي في العبودية، وذلك لكثرة الوقوع فيها، وهذا الذي نرى في هذا الأزمان أن أعظم ما وقع الشرك في طاعة الله وفي عبادة الله. وعلى هذا المعنى وعلى هذا المنحى، إذا كان الشرك يكون في العبادة، إذاً سيكون الشرك في الأقوال وفي الأعمال وفي النيات والمقاصد. لأن العبادة ما هي العبادة؟ العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضى منها الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فإذا كانت هذه أنواع العبادة يدخل فيها الأقوال ويدخل فيها كذلك الأعمال الظاهرة والباطنة، فكذلك الشرك يقع في الأقوال ويقع في الأعمال الظاهرة وكذلك الأعمال الباطنة. فإذا الشرك إخواني في الله يعم هذه المسائل جميعا. فقال: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، إذن ربنا لا يحب الشرك ولا يرضى أن يكون له شريك، فإذا كان هذا في حق الله جل وعلا، فهذا الذي ينبغي أن يكون عليه أهل الإسلام، وعليه أن يكون أهل الإيمان، أننا نكره الذي يكرهه الله جل وعلا، والذي لا يرضاه الله ينبغي على أهل الإيمان أن لا يرضونه. فإذا كان الله جل وعلا لا يحب الشرك ولا يرضى به، فهكذا على أهل الإسلام أنهم لا يحبوا الشرك ولا يرضوا عن الشرك. وهذا الذي سينبع عليه المؤلف رحمه الله تعالى في الفقرة الثالثة. قال: لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، أي بغض النظر عن هذا الشريك، بعض الناس لربما في ذهنه أن الشرك إنما يحرم على حسب التعلق. فمن تعلق وجعل شريك مع الله من أصنام، من أحجار، من أشجار، يقول هذا ما يصلح، لكن إذا قيل الشريك مع الله هو نبي، لربما يسوغ هذا، وأنا هذا لا بأس به، لا يا عبد الله، المؤلف رحمه الله تعالى نفى هذه المسألة، وبين لك على أنك تشريك منفي عن الله جل وعلا، كائنا من كان هذا الشريك، ولو كان ملكا، ولو كان نبيا، ولو كان رسولا، فهذا لا يجوز، فهو الشرك يبقى شرك. والمؤلف رحمه الله تعالى، وهكذا جماع من أهل العلم، دائما يعبرون عن هذه العبارة: لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، لماذا تختار هذه المخلوقات؟ لماذا يذكرون ملك ويذكرون النبي هنا؟ فائدة ونكتة من أجلها يردون على هذه العبارة، لماذا النكتة في هذه المسألة والتمثيل بهذه الوصفين؟ التمثيل أن الله جل وعلا لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، لا ملك مقرب، ملك مقرب، الملائكة تعتبر من أشرف الكائنات السماوية، والأنبياء والرسل يعتبرون من أشرف المخلوقات الأرضية. ماذا نستفيد؟ نستفيد إذا كانت الملائكة، وهم أشرف المخلوقات السماوية، ما ينبغي أن يتخذوا شركاء مع الله، فمن دونهم من باب أولى، مثل ماذا؟ مثل النجوم والكواكب والسماوات والأفلاك، هذه كائنات سماوية، ما ينفع أن تكون شركاء، إذا كان الملائكة، وهم أشرف أشرف المخلوقات السماوية، ومع ذلك لا ينفع أن يكونوا شركاء مع الله، فما كان دونها من الأجرام السماوية كالشمس والقمر والنجوم والكواكب، هذا كذلك لا يصلح. وهكذا القصة في حق الكائنات الأرضية، إذا كان الأنبياء والرسل، وهم أشرف المخلوقات الأرضية، ومع ذلك لا ينفع أن يتخذ هؤلاء شركاء مع الله، فمن كان دونهم من باب أولى لا يصلح، من علماء، ومن سادة، ومن صالحين، ومن أولياء، كل هؤلاء لا يصلح. وهذه النكتة يا عباد الله في تكرار هذه العبارة على ألسنة العلماء: ملك مقرب، نبي مرسل، إشارة إلى أن هؤلاء، فإن كان كل شريف في محله، فمن كان دونهم لا يصلح أن يكون شريكا مع الله سبحانه وتعالى. ثم قال رحمه الله تعالى: والدليل قوله تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا﴾، هذه الدلالة وهذه الآية من أعظم الدلالات على النفي، نفي اتخاذ شريك مع الله، كائنا من كان، لأن الآية في سياق النفي، فلا تدعو، وهنا أحدا نكرة، والقاعدة الأصولية أن النكرة في سياق النهي تفيد ماذا؟ العموم. فلا ينفع، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿فلا تدعو مع الله أحدا﴾، يعم جميع من يدخل في الأحدية، لا ملك، لا رسول، لا مبعوث، لا ملك، لا حاكم، لا عالم، لا صالح، غير ذلك، كل هؤلاء لا ينفعون ماذا؟ يتخذوا شركاء مع الله فيدعون من دون الله سبحانه وتعالى. وسأتينا إن شاء الله في باب الدعاء، في قوله تعالى: ﴿فلا تدعو﴾، أن ذلك يدخل فيه دعاء المسألة ودعاء العبادة. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وأن المساجد لله﴾، يأتي معنا كذلك إن شاء الله، أن المساجد فسرت على تفسيرين اثنين، إما المساجد هي البيوت التي تتخذ لعبادة الله، كهذه البيوت، فالمساجد لله، فلا يجعل فيها إلا العبادة لله. أو تحمل المساجد مواضع السجود، مواضع السجود تسمى مساجد التي يسجد عليها، فالسجود لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى. وعلى كل قال به جماعة من العلماء، وسأتي ذلك إن شاء الله. وهذه مقدمة كذلك ما قلنا، مقدم المؤلف رحمه الله تعالى، وتمهيد لما سيأتي عن تفصيل في هذه المسائل. إذن إخواني في الله، فالصورة الثانية، المسألة الثانية، قلاصتها أن الله جل وعلا لا يحب الشرك ولا يرضى بالشرك، ولو كان ذلك في العبادة، فدل ذلك على أن الشرك الأقوال، وشرك الأعمال، وشرك النيات، كل ذلك مرفوض، وأن الدين يكون جميعا لله سبحانه وتعالى، كما أن العبادة تكون لله سبحانه وتعالى. وأن التشريك لا ينفع ما أحد كائنا كان، ولو كان ملكا مقربا، ولو كان نبيا مرسلا، فالله جل وعلا هو واحد أحد جل في علا في نفسه، وسبحانه وتعالى وكذلك في عبادته وعبوديته. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.