الدرس في شرح السنة للإمام المزني 6، ألقاها
يوجب الإسلام طاعة ولي الأمر فيما يتوافق مع طاعة الله ورسوله، مع عدم الخروج عليه حتى لو جار وظلم. استدل الشارح بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية على ذلك، مشيرًا إلى أن الخروج على الحاكم يؤدي إلى مفاسد أكبر.
يشرح المقطع عقيدة أهل السنة والجماعة في طاعة ولاة الأمر وعدم الخروج عليهم، حتى وإن كانوا ظالمين. يستدل بالأحاديث النبوية والآثار عن الصحابة والتابعين، ويبين أن الخروج على الحاكم يسبب مفاسد عظيمة.
يجب مجانبة أهل البدع والأهواء وعدم مجالستهم ومخالطتهم، لأن مجالستهم قد تؤثر على الإنسان وتقوده إلى الوقوع في البدع. أجمع السلف على هجرانهم حتى يتوبوا، ويجب البراءة منهم خاصة إذا كانت بدعتهم مكفرة.
يُشرع مجادلة أهل الأهواء إذا حصل موقف معهم وكان هناك مصلحة واستطاعة لذلك. يُبين ذلك ضوابط التعامل مع أهل الأهواء، وأنه لا ينبغي البحث عن مجادلتهم بشكل متعمد.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام إسماعيل بن يحيى المزني رحمه الله في استهلال شرح السنة: «وطاعة لأولي الأمر فيما كان عند الله عز وجل مرضيا، واجتناب ما كان عند الله مسخطا، وترك الخروج عند تعديهم وجورهم، والتوبة إلى الله عز وجل كيما يعطف بهم على رعيتهم». ذكر رحمه الله في هذا المقطع وجوب الطاعة لأولي الأمر فيما كان من طاعة الله سبحانه وتعالى. وطاعة أولي الأمر في غير معصية الله وعدم الخروج عليهم أصل من أصول أهل السنة والجماعة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمي رحمه الله: «الصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة». والدليل على وجوب طاعتهم قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾. فأمر الله جل وعلا بطاعته وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، ثم عطف بطاعة ولي الأمر على طاعة الله ورسوله. ومعنى ذلك أن طاعة ولي الأمر تكون واجبة فيما كان طاعة لله ولرسوله. وأما إذا أمر بمعصية وأمر بأمر يخالف دين الله جل وعلا، فلا يطاع في ذلك، ولا يعني ذلك نزع يد الطاعة؛ يعني لا يطيع في هذه المعصية، وفي نفس الوقت لا يخرج عليه. قال: «وترك الخروج عند تعديهم وجورهم والتوبة إلى الله كيما يعطف بهم على رعيتهم». وقد وردت الأحاديث الكثيرة الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام في وجوب طاعة أولي الأمر. ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني». وقال عليه الصلاة والسلام كذلك، كما في حديث ابن عباس وغيره: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر عليهم وعدم الخروج عليهم وإن ظلموا وجاروا، كما في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك». وقال عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أم سلمة: «سيكون عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، لكن من رضي وتابع». قالوا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة». والحديث في الصحيحين، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الخروج عليهم مع وجود ما ينكر عليهم مما يأتون من المنكر. فذكر الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام هل نقاتلهم، ننابذهم بالسيف وننازعهم في إمارتهم؟ فقال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة»، يعني ما لم يمنعوكم من الصلاة فلا تخرجوا عليهم ولا تنازعوهم. وهكذا أيضا في قوله عليه الصلاة والسلام: «سيكون عليكم أمراء»، قال عليه الصلاة والسلام: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتدعون لهم ويدعون لكم، وشر أئمتكم الذين تلعنونهم ويلعنونكم». قالوا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة». وأظنه من حديث عمر بن الخطاب أو عبد الرحمن بن عوف، وهو أيضا في الصحيح، قال: «نعم، خير أئمتكم الذين تصلون عليهم ويصلون عليكم»، يعني تدعون لهم ويدعون لكم، «وشر أئمتكم الذين تلعنونهم ويلعنونكم». الحديث. وهكذا أيضا في حديث عبادة بن الصامت، كذلك في الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان». فأخبر عبادة رضي الله عنه أنهم بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، يعني أن البيعة قائمة في حال العسر، أي الشدة، وفي حال اليسر، أي الرخاء، وفي حال المنشط، عند وجود النشاط وعدم الكراهية لما يأتي به ولي الأمر، وعند المكره، ما يكرهه الإنسان ولا يحبه. قال: «وعلى أثرة علينا»، يعني ما وجد الأثرة. ومعنى ذلك أن ولي الأمر يؤثر نفسه وأقاربه وأصحابه بكثير من متاع الدنيا وأمور الدنيا على غيره. مع وجود هذه الأثرة ألا ننازع الأمر أهله، الأمر يعني الحكم والرئاسة، أهله أي من وصل إلى هذا الأمر من الأمراء والحكام. قال: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان». كفرا ويكون بواحا ظاهرا بينا، وفيه حجة ودليل واضح من الكتاب والسنة على أن هذا كفر. وبعض أهل العلم فسر هذا الكفر بترك الصلاة ومنع الصلاة، كما في حديث أم سلمة. في قول عليه الصلاة والسلام: «لا ما أقام فيكم الصلاة». قالوا: إذن الكفر المراد به في هذا الحديث هو منع الصلاة. وأحاديث كثيرة في هذا الباب تدل على هذا الأصل، وجوب طاعة ولي الأمر والسلام والطاعة لهم في طاعة الله. فإن أتوا بمعصية، يكره ما أتوا به من معصية، ولا ينازع في أمرهم، ولا تنزع يد الطاعة. لا تنزع يد الطاعة. وهذا كما ذكره المؤلف رحمه الله، فهو عقيدة أهل السنة والجماعة. عقيدة أهل السنة والجماعة في وجوب طاعة ولي الأمر، وكل من وصل إلى الحكم والولاية، سواء كان ذلك عن طريق أهل الحل والعقد أو طريق الشورى، أو كان كذلك عن طريق القتل والقتال، فإنه إذا استتب له الأمر وجبت له الطاعة والبيعة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة». يجب على المسلم أن يطيع. فإن جاروا وظلموا، فجورهم وظلمهم على أنفسهم. والخروج عليهم مفسدته تتعدى إلى غيرهم، تسفك الدماء، وتُنتَهك الأعراض، ويزعزع الأمن، ويترتب على ذلك مفاسد عظيمة. ولذلك جاءت الشريعة بالنهي عن الخروج على أولي الأمر، ولأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. وإذا اجتمعت مفسدتان، فيرتكب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما. فكون الحاكم عنده ظلم وفسق، هذه مفسدة لا شك، لكن هذه المفسدة أدنى من مفسدة الخروج عليهم وما يترتب عليها من الظلم والشر والفساد العظيم. وجاء في حديث صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن ظلم هؤلاء الأئمة، قال عليه الصلاة والسلام: «أدوا الحق الذي عليكم، وسلوا الله الذي لكم». أدوا الحق الذي عليكم من السمع والطاعة، وسلوا الله الذي لكم، إن كان لكم حقوق لم يعطكم إياها، فسلوا الله جل وعلا ما لكم من الحق. قال الإمام النووي رحمه الله في هذا الحديث: «فيه الحث على السمع والطاعة وإن كان المتولي ظالما، وإن كان المتولي ظالما عسوفا، فيعطى حقه من الطاعة، ولا يخرج عليه ولا يخلع، بل يتضرع إلى الله في كشف أذاه ودفع شره وإصلاحه». انتهى كلامه رحمه الله. وأخرج ابن أبي عاصم في السنة، وهكذا الخلال بسند جيد، أن عمر قال: يا أبا أمية، لا أدري لعلي لا ألقاك بعد عام هذا، فإن أمر عليك عبد حبشي مجدع الأطراف، فاسمع له وأطع، وإن ضربك فاصبر، وإن حرمك فاصبر، وإن أراد أمرا ينقص دينك، فقل: سمع وطاعة، دمي دون ديني. يعني لا أطيعك في معصية الله، ولو أردت قتلي. فدمي أهون من ذهاب ديني. قال: «ولا تنزع يدا من طاعة»، يعني لا تخرج عليه، ولا تثور الناس عليه. وإن حصل أن فعل بك ذلك من أخذ حق لك، بل تعدى الأمر إلى ضرب، فعليك أن تصبر، فتحمل ولو قتلت، ولو قتلت، ولا تطيعه في معصية الله، ولا تنزع ولا تنزع يد الطاعة. وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله الحكمة من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعة أولي الأمر وإن ظلموا وجاروا، قال رحمه الله: «الحكمة من الأمر بطاعتهم المحافظة على اتفاق الكلمة، لما في الافتراق من الشر والفساد. وفي مخالفتهم والخروج عليهم شر عظيم». وانظر إلى كثير من البلاد التي نازع فيها ولاة الأمر، كيف وصل بها الحد من سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وتدمير البلاد والمنشآت، وتسلط أعداء هذا الدين على بلاد الإسلام. كل هذا من مفاسد الخروج على ولاة الأمر. ولا يبعد عنا ما يحصل، وما حصل ويحصل إلى الآن في سوريا من مفاسد هذا الخروج. نسأل الله جل وعلا أن يرفع عنهم ما أصابهم من البلاء. وهكذا أيضا جاء في صحيح مسلم أن سلمة بن يزيد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أرأيت إن قام علينا أمراء يسألون حقهم ويمنعون حقنا؟» فأعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام، فسأله فأعرض عنه ثلاثا، يسأل ويعرض النبي عليه الصلاة والسلام. فجذبه الأشعث بن قيس، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم». يعني أن عليك السمع والطاعة التي عليك في ذمتك، هذا الذي حملت به في طاعة الله. وهو المسؤول على ما حمل به، وسيحاسب على أعماله. ومع ذلك ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وإنما أخرجوا عليهم وخذوا حقكم بالقوة»، لا، أبدا. بل أمر بالصبر والسمع والطاعة. وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له». «ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». قال الحافظ ابن أبي جمرة: «المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير، ولو بأدنى شيء، فكنا عنها بمقدار الشبر، لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق». انتهى كلامه رحمه الله. يقول: «المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير»، يعني من مات مفارقا للأمير بمعنى سعى في حل هذه البيعة التي حصلت للأمير، ولو بأدنى شيء، ولو بمقدار شبر. هذا من باب التمثيل، لماذا؟ لما يترتب على ذلك من مفاسد عظيمة، من أعظمها سفك الدماء. وفي مصنف ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «إن هذا السلطان قد ابتليتم به، فإن عدل فله الأجر ولكم الشكر، وإن جار كان عليه الوزر وعليكم الصبر». يقول المسعود رضي الله عنه: «إن هذا السلطان قد ابتليتم به»، جعله الله سبحانه وتعالى ابتلاء للعباد. فإن عدل في حكمه في سلطانه، فله الأجر، وأنتم عليكم الشكر، تشكرون الله على هذه النعمة. وإن جار وظلم، قال: «فله كان عليه الوزر»، أي الإثم والمؤاخذة، «وعليكم الصبر». فهذه الآثار والأحاديث تبين لنا عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب. وأن أهل السنة والجماعة إذا أمروا بطاعة ولاة الأمر والصبر عليهم وعدم الخروج عليهم، ليس تزلفا للحكام، ولا مداهنة في دين الله سبحانه وتعالى. وإنما يقولون ذلك طاعة لله ولرسوله، لأن الله عز وجل أمر بذلك، ورسول عليه الصلاة والسلام. وهذا الذي عليه الصحابة رضي الله عنهم، ومن بعدهم من السلف، كانوا على هذا الأصل العظيم. وكما قيل: كما تكونوا يولى عليكم. فظلم هذا السلطان وجوره هو بسبب ظلم العباد. لما ظلموا وجاروا، سلط الله عليهم من هو مثلهم. وإذا استقام الناس وعدلوا وصالحوا، يسر الله لهم من يكون مثلهم. وبقاء الناس مع حاكم ظالم خير لهم من أن يبقوا ليلة بلا حاكم. وكما قيل: حاكم ظلوم ولا فتنة تدهم. حاكم ظلوم يكون الحاكم ظالما فاسقا، فبقاء وجوده خير من الخروج عليه، وبقاء الرعية بلا راع، فتقع فتنة، الله أعلم متى تنتهي وترفع. قال رحمه الله: «والإمساك عن تكفير أهل القبلة، والبراءة منهم فيما أحدث ما لم يبتدع ضلالا». فمن ابتدع منهم ضلالا، كان على أهل القبلة خارجا، ومن الدين مارقا، ويتقرب إلى الله عز وجل بالبراءة منه، ويهجر ويحتقر، وتجتنب غدته. غدته «أعدى من غدة الجرب». أشاء رحمه الله في هذا المقطع إلى مسألتين: المسألة الأولى الإمساك عن تكفير أهل الذنوب والمعاصي ممن هم من أهل الإسلام. والأمر الثاني البراءة من أهل البدع والضلال. فرحمه الله: «الإمساك عن تكفير أهل القبلة والبراءة منهم فيما أحدث ما لم يبتدع ضلالا». فمن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحدا من أهل الإسلام، هو المراد بقوله: «عن تكفير أهل القبلة»، أي من يصلي إلى قبلة أهل الإسلام. فإنهم لا يكفرون إذا وقع في ذنب لا يوجب الكفر، بل هو عاص، مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته، خلافا للخوارج والمعتزلة الذين يكفرون صاحب الكبيرة. كما مر معنا الكلام على هذه المسألة فيما مضى. مع البراءة فيما أحدث، يعني من ذنوب ومعاصي. فنحن لا نكفرهم، وفي نفس الوقت نتبرأ من أفعالهم وذنوبهم ومعاصيهم. وليس معنى عدم تكفيرهم الرضا بما يفعلون، لا. نحو نكره ونبغض ما يفعلون من الذنوب والمعاصي، لكن لا نكفرهم، ولا نخرجهم من دائرة الإسلام، ما دام أن هذا الذنب لا يصل إلى حد الكفر. ثم قال: «ما لم يبتدعوا ضلالا». فمن ابتدع منهم ضلالا، كان على أهل القبلة خارجا، ومن الدين مارقا. وهذا إذا كانت البدعة بدعة كفرية، كبدعة الجهمية وبدعة الرافضة، فهؤلاء بلا شك أنهم خارجون عن الملة ومارقون عن الدين، ويتقرب إلى الله بالبراءة منهم، لأن بدعهم مكفرة. وأما إن كانت بدعته دون الكفر، كبدعة المعتزلة والأشاعرة، وكذلك أيضا بعض المتصوفة، غير غلاة الصوفية. وغلاة الصوفية كذلك من بدعتهم الكفرية، فهؤلاء يتبرأ مما وقعوا فيه من هذه البدع. وهكذا أيضا يهجر أصحابها والدعاة إليها. وكذلك تهجر مجالسهم، لأجل السلامة من الوقوع في هذه البدعة والتأثر بها. وكما قال رحمه الله: «وتجتنب غدته، فهي أعدى من غدة الجرب». يعني أن مجالسة أهل الأهواء قد تؤثر على الإنسان فيقع في هذه البدعة، ويتأثر بها، كما يتأثر الحيوان أو الإنسان السليم من الجرب ممن به جرب، فينتقل إليه. وأما الأدلة على هجران أهل البدع والأهواء، فمن الكتاب قول الله جل وعلا: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾. فأمر الله عز وجل في هذه الآية بعدم الجلوس مع من يخوض في آيات الله، أي بالباطل. وأمر بالإعراض عنهم. قال الإمام الطبري رحمه الله: «هذه الآية في هذه الآية دلالة واضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع، من المبتدعة والفسقة عند خوضهم في باطلهم». وصح عن ابن سيرين رحمه الله أنه قال في هذه الآية: «نزلت في أصحاب الأهواء». وهكذا أيضا في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، لما تلى النبي عليه الصلاة والسلام قول الله عز وجل: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتن وابتغاء تأويله﴾. قال: «أولئك إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم». هكذا النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالحذر منهم. هذا شأن أهل الأهواء والبدع الذين يتبعون المتشابه ويتركون المحكم. وكذلك في قصة كعب بن مالك وصاحبيه، حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجرهم. قال الإمام الطبري رحمه الله: «هذه القصة أصل في هجران المعاصي أو العاصي». وقال البغوي رحمه الله في شرح السنة معلقا: «فيه دليل أن هجران أهل البدع على التأبيد»، يعني حتى يتوبوا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هجرهم وأمر بهجرهم حتى نزل توبتهم. وعلى هذا مضى السلف رضوان الله عليهم ورحمهم الله في هجران أهل البدع والأهواء. اتفقوا وأجمعوا على هجران أهل البدع وعدم مجالستهم وعدم مصاحبتهم، سلامة للقلوب. وهكذا أيضا زجرا لهم عما وقعوا فيه من البدع. وقول رحمه الله: «ويتقرب إلى الله بالبراءة منهم». لأن الحب في الله والبغض في الله هذا من أوثق عرى الإيمان، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله». فأنت تحب المرء لله إذا كان صالحا مستقيما على خير أحببته لله. وإن كان عنده ذنوب ومعاصي وبدع، أبغضته لله. فهذا من أوثق عرى الإيمان. ولهذا كان السلف عندما هجروا من هجروا من أهل البدع، هجروهم لأجل الدين. هجروهم لأجل الدين، ليس لأشياء في نفوسهم. قال الإمام الأوزاعي رحمه الله لثور: «يا ثور، لما أراد أن يصافحه: لو كانت الدنيا لكانت المقاربة، ولكنه الدين». لو كانت الدنيا سهل نصافحك ونتقارب، ولكن الأمر من أجل الدين. وفي الحلية لأبي نعيم أن الثوري رحمه الله قال: «إن الرجل إذا أحببته لله ثم أحدث حدثا، فلم تبغضه في الله، فاعلم أنك لم تحبه في الله». إن الرجل إذا أحببته في الله ثم أحدث حدثا وقع في بدعة، فلم تبغضه بسبب هذه البدعة أو هذه المعصية التي وقع فيها، قال: «فاعلم أنك لم تحبه في الله». لو كان حبك فعلا لله لابغضته لله، كما أحببته لله. أما إذا سكت ولم تنكر عليه، فهذا دليل لأنك لم تحبه في الله، وإنما لمصلحة تريدها. روى الإمام الدارمي رحمه الله في سننه، وهكذا الإمام أحمد في السنة، أن أبا أيوب قال لأبي قلابة، أو عبد الله بن زيد الجرمي: «أي أبو قلابة، لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالاتهم، وأن يلبسوا عليكم ما كنتم تعلمون». ينهى رحمه الله عن مجالسة أهل الأهواء: «لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم». ولو كان لا نجلِس معهم للمجادلة، لا تجلس معهم للجدال. لماذا؟ قال: «فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالاتهم». يلبسوا عليكم بشبههم وما عندهم من زيغ وضلال، فيزيغ القلب. وكما قال الإمام الذهبي رحمه الله: «القلوب ضعيفة، والشبه خطافة». فكم من أناس جالسوا أهل الأهواء، تساهلوا في ذلك، وخالفوا هذا الأصل نصوص أهل السنة. وما تدري إلا وقد صار معهم، ينافح عنهم، وعن ضلالاتهم وبدعهم. فسلامة القلب لا يعدلها سلامة. طيب، هذا ما يتعلق بهذا المقطع في مجانبة أهل البدع والأهواء، وعدم مجالستهم ومخالطتهم، إلا من كان مغررا به، وعرفت مثلا أنه يريد معاونة الحق، فنصحته وبينت له، فلا بأس. أما أن تذهب إلى أهل الأهواء وتجادلهم وتطالب بنقاشهم، وكذا ليس هذا من أصول أهل السنة والجماعة. وإنما تحصل مجادلتهم عند الضرورة إذا اضطر الإنسان لذلك، وعنده استطاعة. كان يطلب ولي الأمر من العالم السني أن يجادل بعض أهل الأهواء، وعنده استطاعة لذلك، فلا بأس. كما حصل لكثير من الأئمة، كالإمام أحمد وغيره من أئمة أهل السنة والجماعة. أو حصل يعني موقفا مع بعض أهل الأهواء، فأراد أن يجادله، ورأى في ذلك مصلحة، وعنده استطاعة لذلك، فأمر حسن. أما أن يذهب ويتقصد مجادلتهم والبحث عن ذلك، فليس هذا من طريق وسبيل أهل السنة والجماعة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.