الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع العلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، حيث يستدل الله تعالى على توحيد الألوهية بإثبات الربوبية. يؤكد أن الملك هو الآمر الناهي المعطي المانع الضار النافع المثيب المعاقب.
خلق الله الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له، وإقرارهم بربوبيته لا يكفي لعبادته بل يجب أن يطيعوه ويذعنوا له. جاءت الاستعاذة في سورة الناس بالأسماء الحسنى الثلاثة: الرب والملك والإله.
يفسر المقطع معنى إله الناس بأنه المعبود المحبوب الذي تعلقه القلوب حبًا وتعظيمًا. يوضح أن الإلهية هي الغاية من خلق الناس وغاية لربوبية الناس، وأن الهدف من إثبات الربوبية هو الوصول إلى عبادة الله وحده.
السورتان المذكورتان تعتبران أعظم استعاذة في القرآن، وقد نزلتا على النبي صلى الله عليه وسلم عندما سحر، فاستعاذ بهما وترك ما سواهما.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال رحمه الله: وكلما ذكر تعالى من آياته جملة من الجمل، قال عقبها: إله مع الله، فأبان سبحانه وتعالى بذلك أن المشركين إنما كانوا يتوقفون في إثبات توحيد الإلهية للربوبية، على أن منهم من أشرك في ربوبيته كما يأتي بعد ذلك إن شاء الله تعالى، لأن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية. قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، فأمر بعبادة الله لأنه هو الذي خلقهم. وفي سورة النمل يقول سبحانه: أي لا إله مع الله، قليلًا ما تذكرون، أي لا إله مع الله بل هم قوم يعدلون. وهكذا عن كيف يعترفون بربوبية الله ويقرون بها، ثم لا يذعنون له في الطاعة والعبادة. قالوا: فالله تعالى يحتج على منكري الإلهية بإثباتهم الربوبية والملك، هو الآمر الناهي الذي لا يخلق خلقًا بمقتضى ربوبيته ويتركهم سدى معطلين لا يؤمرون ولا ينهون ولا يثابون ولا يعاقبون. فإن الملك هو الآمر الناهي المعطي المانع الضار النافع المثيب المعاقب. فهذا مما يلزم من ربوبيته جل وعلا، فهو ربنا جل وعلا لم يخلق الخلق عبثًا ولم يخلقهم سدى، وإنما خلقهم لغاية حميدة، لغاية عظيمة وهي عبادته سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. فلهذا فهو خلقهم لعبادته، فيقرون بأنه الخالق الرازق الذي ينفع ويضر، وهذه الأمور لا تكون صحيحة إلا إذا عبدوا الله وأذعنوا له وأطاعوه. فهذا يكون صحيحًا، وإلا فهم مدعون فقط، مدعون أنهم يقرون بهذه الأمور. فلهذا لا تنفعهم هذه الأمور، وإقرارهم بالربوبية لا ينفعهم ولا يخرجهم من نار جهنم. قالوا: لذلك جاءت الاستعاذة في سورة الناس وفي سورة الفلق بالأسماء الحسنى الثلاثة: الرب والملك والإله. قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس. فهذه السورة في هذه الأسماء العظيمة: الرب والملك والإله، لأن هذا أصل الأسماء، الرب والإله أصل أسماء الله عز وجل، والأسماء كلها تنتسب إليها. ولأن الرب جل وعلا له الخلق وله التدبير وله الملك، فكذلك هو الإله الذي يستحق العبادة. فلهذا ذكر ربنا جل وعلا هذه الأسماء في قوله: ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس﴾. فإنه لما قال: قل أعوذ برب الناس، كان في إثبات أنه خالقهم وفاطرهم، فبقي أن يقال: لما خلقهم هل كلفهم وأمرهم ونهاهم؟ قيل: نعم، فجاء قوله: ملك الناس، لأن المالك هو الآمر الناهي. فإذا كان ربا موجدًا وملكًا مكلفًا، فهل يحب ويرغب إليه ويكون التوجه إليه غاية الخلق والأمر؟ قيل: إله الناس، أي الذي تعلقه القلوب حبًا وتعظيمًا وعبادة، أي معبودهم ومحبوبهم الذي لا توجه العبد المخلوق المكلف العابد إلا له. فجاءت الإلهية خاتمة وغاية، وهي غاية لخلق الناس ولربوبية الناس. ولهذا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن الله عز وجل قدم الربوبية لشمولها لكل مربوب، وأخر الإلهية لخصوصها بعباده الذين عبدوه جل وعلا وحدوه. قال: فجاءت الإلهية خاتمة وغاية، وما قبلها كتوطئة لها، أن الأصل هو عبادة الله عز وجل، خلق الناس لعبادته، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. وليس إثبات الربوبية أو الاحتجاج على الخلق بالربوبية لأجل أن يثبت أن الله عز وجل هو الرب فقط، كما يفعله كثير من إخواننا المسلمين وغيرهم، يلقي محاضرة أو يخرج كتابًا لأجل أن يحتج الناس بأن الله هو الخالق. ليس هذا هو الهدف، وإنما الهدف هو الاعتماد على هذا الخالق والرغبة فيما عنده، لأن الله هو الخالق، فهو يستحق العبادة. قالوا: هاتان السورتان أعظم استعاذة في القرآن، أعظم ما يتعوذ به الإنسان، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما نزلت هاتان السورتان تعوذ بهما وترك كل ما كان يتعوذ به. ولما سحر النبي صلى الله عليه وسلم، أنزل الله عز وجل عليه هاتين السورتين، فكان يستعيذ بهما.