كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 3

كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 3

الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معجزة القرآن وآية النبي محمد صلى الله عليه وسلم

يشرح المقطع حديث أبي هريرة بأن كل نبي أوتي آية، وأن آية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم، المعجزة الخالدة في بلاغتها وإعجازها التي تناسب قومًا فصحاء، وقد كانت سببًا في إيمان كثيرين من الصحابة وحتى بعض كفار قريش عند سماعهم تلاوته.

تأثير القرآن في هداية الكفار وإسلامهم

يذكر المقطع كيف أثر القرآن في الوليد بن عتبة وغيره من الكفار، وكيف أسلم كثيرون بسماعه في عهد النبي وبعده، مما يدل على عظيم تأثيره في القلوب وقدرته على الهداية.

فضل الأمة المحمدية بكثرة أتباعها يوم القيامة ودخولها الجنة

يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم أرجى أن يكون أكثر الأنبياء تابعًا يوم القيامة لأن معجزته القرآن أعظم تأثيرًا، وقد تحققت هذه الرجاء فأصبحت أمته أكثر أهل الجنة دخولًا، حيث جاء في الحديث أن أهل الجنة مئة وعشرون صفًا، ثمانون منها من هذه الأمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الله بن يوسف، وهو التونسي الدمشقي، اعتمد عليه الإمام البخاري في رواية الموطأ، والإمام مالك، ومسلم اعتمد على رواية عبد الله بن مسلمة بن قانب. قال: حدثنا الليث، الليث بن سعد أبو الحارث الفهمي المصري، إمام أهل مصر، كان رجلًا كريمًا وتاجرًا، إلا أنه لم توجب عليه الزكاة لكثرة عطائه، رحمه الله. قال: حدثنا سعيد المقبري، سعيد بن أبي سعيد، يقال أن أباه يقال له كيسان، اسمه كيسان واشتهر بكنية أبي سعيد، فهو سعيد بن أبي سعيد المقبري. وقيل له مقبري ليس أنه كان يحفر القبور، وإنما كان يسكن عند القبور، وهذا من النسبة التي على غير ظاهرها، فقال له مقبري لأنه كان يسكن بجانب المقابر. قال: حدثنا سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». هذا الحديث فيه فضيلة القرآن العظيم، وأنه الآية العظيمة التي يعطيها نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام. فإن الله عز وجل يعطي الأنبياء آيات وبراهين على رسالاتهم ما مثله آمن عليه البشر، فأعطى موسى العصا التي تنقلب حية، وكان الناس في ذلك الوقت قد انتشر بينهم السحر، فجاء الله عز وجل لموسى بشيء أعظم من السحر، حتى أن السحرة لم يستطيعوا أن يفعلوا مثله، بل عرفوا أنه ليس بسحر؛ لأنه ليس تخيلًا، والسحر غالبه تخيل. وفي وقت عيسى انتشر الطب، فأعطى الله عز وجل عيسى إحياء الموتى وغيرها من الآيات العظيمة التي يعطيها الله عز وجل لأنبيائه. ومما أعطى الله عز وجل نبيه القرآن، وأرسله الله عز وجل في قوم فصحاء أهل لغة، فجاء القرآن أعظم وأفصح مما كانوا عليه، فلذلك كانت آية النبي عليه الصلاة والسلام هو القرآن. وهذا الحديث فسره أكثر المفسرين، كما ذكر ذلك النووي الحافظ، لأنه اختلف في تفسيره، لكن المشهور من تفسير هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام يخبر أنه ما من نبي من أنبياء الله عز وجل إلا أعطاه الله عز وجل آية، وهذه الآية تميزه، ويعرف أنه مؤيد من الله، أن آية تكون خارقة، لا تكون مثلا مثل السحر، ولا مثل شيء مما يكون من أمور الدنيا، لكن يعطيه الله عز وجل شيئا يميز به، تكون له آية يخضع لها الناس ويخضع لها قومه. فأعطى الله عز وجل مثلا صالح الناقة التي كانت من أعجب العجب، وهكذا أعطى الله عز وجل لكل نبي آية، ما مثله آمن عليه البشر، مثل هذه الآيات يؤمن البشر بها لأنها ليست مما يكون بأيدي البشر. وأن النبي عليه الصلاة والسلام الآية التي يعطيها أعظم آية يعطيها هي القرآن، فهذا التفسير المشهور عند أهل العلم. وإلا فبعضهم فسر هذا الحديث بتفاسير أخرى، فقال بعضهم: المراد أن الأنبياء أعطوا على ما كان عليه أقوامهم من الآيات وغيرها، لكن أعظم ما أعطي هو نبينا صلى الله عليه وسلم، أعطي قرآنًا يتلى، وفيه الآية العظيمة وهي البلاغة والحجة على الخلق، وقيل غير ذلك. والمهم أن المراد من هذا الحديث فضيلة هذا القرآن العظيم، وأنه الآية العظمى لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكم من رجل، وكم من الناس من آمن بسماعه لهذا القرآن، سواء كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام أو بعده، تجد الرجل يسمع شيئا من كتاب الله جل وعلا فينشرح قلبه فيؤمن بالله جل وعلا. وقد جاء أيضا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام أن كثيرا من الصحابة أسلموا بسماعهم لكتاب الله جل وعلا، ومنهم من رأى عجب هذا القرآن من الكفار، حتى أنه كان أبو بكر لما بنى مسجدا صغيرا عند بيته، فكان النساء والأولاد يأتون يسمعون القرآن من أبي بكر. بل كان بعض كبار كفار قريش يأتون يسمعون القرآن عندما كان يقرأ أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وكذلك كانوا يسمعونه من النبي عليه الصلاة والسلام. ولما سمعه الأخنس بن شريق قال في مدح هذا الكتاب العظيم: «إن عليه لطلاوة، وإن لفوقه لعقد، وأنه يعلى ولا يعلى عليه»، أو كما قال. كذلك لما سمعه ربيعة، أو شيبة بن ربيعة، أو الوليد بن عتبة، الوليد بن عتبة لما سمع القرآن، فقرأ النبي عليه الصلاة والسلام عليه آيات من بداية سورة فصلت، حتى قرأ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، فقال: حسبك، فتعجب من هذا الكتاب العظيم، وقال: أي الوليد بن عتبة، قد عرفت سحرًا فليس هو بسحر، وقد عرفت شعرًا فليس هو بشعر، وغير ذلك مما يذكر. فهذا في الكفار. وأما من أسلم بسماعه لهذا الكتاب العظيم فهم كثير، سواء كان كما قلنا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام أو من بعده، بل إلى الآن بعض الناس عندما يسمع القرآن يهديه الله عز وجل ويشرح صدره، فهو آية عظيمة أعطاها الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». وهذا أيضا فسره العلماء بأن القرآن حجة عظيمة وآية عظيمة، أعطاها الله عز وجل لنبيه أكثر من الآيات التي أعطيت الرسل من قبل، فلذلك قال: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة»، لأن آيته أعظم، وأيضا القرآن تأثيره أعظم من غيره من الآيات التي قد عطيها الأنبياء. وقد يكون أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنني أعطيت آية مثل ما أعطي الأنبياء، لكن آية وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثر الأنبياء تابعا يوم القيامة. وقد حقق الله عز وجل رجاء نبيه صلى الله عليه وسلم، فكان أكثر الناس دخولا للجنة هم هذه الأمة، أتباع النبي عليه الصلاة والسلام. وقد جاء في حديث ابن عباس لما رأى الأمم قال: «فرأيت النبي ويأتي معه الرجل، والنبي يأتي معه الرجلان، والنبي يأتي وليس معه أحد، قال: فإذا رفع إلي سواد عظيم، فقلت: هذه أمتي، فقال: هذا موسى وقومه، قال: ثم رفع لي سواد عظيم قد سد الأفق، فقال: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». فلذلك أكثر أهل الجنة هم هذه الأمة. وقد سأل النبي عليه الصلاة والسلام ربه أن تكون هذه الأمة ثلث أهل الجنة، فأعطاه الله عز وجل، ثم سأله أن تكون هذه الأمة شطرًا ونصف أهل الجنة، فأعطاه الله عز وجل. بل جاء في حديث بريدة عند أحمد وأبي داود والنسائي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أهل الجنة مئة وعشرون صفا، ثمانون صفا من هذه الأمة». وهذا يدل على أن هذه الأمة قد فاقت النصف، بمعنى أنها ثلثا أهل الجنة، وهذا من فضل الله عز وجل وعطائه لهذه الأمة.