شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 13

شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 13

الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الرد على القدرية المجوسية وبيان مفهوم الخلق

يناقش المقطع آراء القدرية المجوسية ويبين أن كل شيء يخلقه الله لحكمة. يوضح أن للإنسان إرادة يختار بها الفعل وأن الطاعة تيسر لمن أرادها.

أنواع الشرك وتصنيفاته

يشرح المقطع أنواع الشرك ويصنفه إلى شرك في الإلهية وشرك في الربوبية. يوضح أن الشرك في الإلهية هو الغالب على أهل الإشراك وأنه أصل الصراع بين الأنبياء وأقوامهم.

انتقاد الشبهات حول دعاء غير الله وتوضيح الحق

يتناول المقطع انتقاد الشبهات حول دعاء غير الله ويرد عليها باستخدام الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يبرز اتفاق الرسل على نبذ الشرك ودعوة الناس إلى عبادة الله وحده.

ختام الدرس والتأكيد على استكماله في الدرس اللاحق

يتم ختام الدرس بالتأكيد على استكماله في الدرس اللاحق بإذن الله تعالى. يشير المتحدث إلى رغبته في إكمال ما بدأوه في الدرس المقبل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال الإمام المقريزي رحمه الله: وحقيقة قول القدرية المجوسية أنه تعالى ليس ربا لأفعال الحيوان، ولا تناولها ربوبيته، إذ كيف تناول ما لم يدخل تحت قدرتي ومشياتي وخلقه. وهذا كلام بعضهم. والقدرية المجوسية هم الذين يقولون -مثل المجوس- بالعصلين: النور والظلمة، وأن النور يخلق الخير والظلمة تخلق الشر. ووجد من القدرية من يقول بهذا القول، أو بمعنى بقول يشبهه، يقولون: إن الخير يضاف إلى الله، والشر يضاف إلى غيره، أي أن الله يخلق الخير ولا يخلق الشر، وإنما الشر يخلقه الإنسان. وهذا باطل؛ فكل شيء خلقه الله، لكن الله عز وجل خلقه لحكمة. ولهذا لما نفى المبتدعة -كالمعتزلة- الحكمة، تخبطوا في هذا الباب، فلم يدروا كيف يفعلون. قالوا: كيف نثبت لله خلق الشر؟ كيف يخلق الله عز وجل الشر، ثم بعد ذلك يعذب من يفعله؟ وهذا لأنهم أيضا لم يؤمنوا بأن للعبد إرادة جعلها الله عز وجل له. فالله عز وجل جعل للعبد إرادة يفعل بها الفعل؛ معناه أن الإنسان إذا أراد أن يصلي، جعل الله عز وجل له إرادة أن يصلي، فهو الذي يختار الصلاة. وذاك الذي اختار الشر، اختار المعاصي؛ لم يجبره الله عز وجل على فعل المعاصي، بل الله عز وجل أعطاه إرادة. وهذا كل واحد يراه في نفسه؛ أنه يستطيع أن يعمل الخير أو يعمل الشر. فإن لم يقل مثلا -أو قال بعضهم، بعض المحتجين بالمعاصي- يقول: أنا ما أستطيع أن أعمل الخير، ما أعمل إلا الشر؛ معناه هذا بسببك أنت. فذاك فلان الطائع إنسان مثلك، فلماذا توجه إلى الطاعة؟ لأنه أراد الطاعة، أما أنت فأردت العصيان، فصار العصيان لك ألفا، حتى أنك تثاقلت عليك الطاعة. وهكذا من ملأ قلبه بالمعاصي، ابتعدت منه الطاعة وتثاقلت عليه. وهكذا أيضا من دخل في الذنوب، ثقلت عليه الطاعة، وتجد أن الطاعة تتسهل لمن أرادها ومن سعى إليها، حتى تصير الطاعة للعبد شيئا يسيرا جدا. ولهذا الصحابة رضي الله عنهم، وقدوتهم النبي عليه الصلاة والسلام، ومن جاء من بعدهم من الصالحين، تجد أنهم يقومون الليل أكثر، ولا يجدون في ذلك شيئا من التعب، بل يجدون الراحة العظيمة التي قد لا يجدها أحد غيرهم، يجدون المناجاة لله عز وجل. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إني أناجي من لا تناجون». فلهذا فالطاعة تيسر، وأيضا كذلك تلين؛ يلينها الله عز وجل لمن أراد أو سعى لها. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن، فأولئك كان سعيهم مشكورا. وقال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، أي من أراد أن يتيسر له هذا القرآن وهذه الطاعة فليسع لها. قال: شرك الأمم كله نوعان: شرك في الإلهية، وشرك في الربوبية. وأيضا يدخل في شرك الربوبية أيضا الشرك في الأسماء والصفات؛ لأن الشرك إما أن يكون في الأسماء الله وصفاته، وإما أن يكون في أفعاله. فإعطاء عبد من العباد صفة من صفات الله عز وجل، هذا الشرك في الصفات. لو قال إنسان مثلا: إن فلانا عليم، عنده علم كل شيء؛ فهذه صفة أثبتها لمخلوق، وهي لا تليق إلا بالخالق جل وعلا، فهذا شرك في الأسماء والصفات. لو لم يقل هذا، لم يقل أن فلانا عليما، ولم يقل أيضا أنه يعلم كل شيء، لكن دعاه في مكان بعيد، دعاه من مكان بعيد، واستغاث به من مكان بعيد؛ فهذا شرك في الربوبية. لماذا؟ لأنه أعطى فعلا هو لله، أعطاه لغير الله؛ معنى اعتقد هذا الفعل الذي هو أن الله عز وجل يعلم كل شيء، هذا من أفعال الله عز وجل، وهي صفة من صفاته. فلهذا فهو أشرك في الربوبية. والشرك في الربوبية أيضا يدل على الشرك في الأسماء والصفات؛ يعني يتضمن كما قلنا الشرك في الربوبية يتضمن الشرك في الأسماء والصفات، ويلزم أيضا الشرك في الألوهية؛ لأن التوحيد معنى مترابط، بعضه بعضا. فتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات غالبا يكونا واحدا، ولهذا جعله العلماء في توحيد واحد، فسموه توحيد القصد. ليس توحيد القصد ما معنى التوحيد؟ الإثبات والمعرفة؛ الإثبات والمعرفة فهو الأسماء والصفات وتوحيد ربوبية. وأيضا سماه أيضا ابن القيم اسما آخر: جمع بين توحيد الأسماء والصفات والربوبية والألوهية أيضا هو القصد والطلب. قال: فالشرك في الإلهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك، وكما ذكر العلماء أنه هو أصل الصراع بين الأنبياء وأقوامهم. قال: وهو الشرك: عباد الأصنام، وعباد الملائكة، وعباد الجن، وعباد المشايخ الصالحين: الأحياء والأموات. أن الذين يعبدون أهل القبور، الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾؛ فهذا «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»، يقولون: إننا ما نعبد هذه الأصنام إلا لأجل أن يشفعوا لنا عند الله، لأجل أن يشفعوا لنا عند الله. وأيضا كذلك هم يصرفون لهم كل العبادات، يصرفون لهم كل العبادات: من الدعاء والاستنصار بهم، بل وطلب الرزق والولد وغيرهم، مثل ما يفعل أيضا عباد القبور، من يعبد الأحياء والأموات. كما ذكر الشيخ: فأيضا يطلبون منهم كل ما لا يطلب إلا من الله. قال رحمه الله: «ويشفعوا لنا عنده، وينالنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة، كما هو المعهود في الدنيا من حفوة الكرامة والزلفة لمن يخدم أعوان الملك وأقاربه وخاصته». فهم يقولون: نحن لا ندعو الله، وإنما ندعو الواسطة حتى يقربنا إلى الله. نحن أهل ذنوب -هكذا يقول هؤلاء الذين يعبدون غير الله- يقولون: نحن أهل ذنوب، ونحن لا يقبلنا الله، لكن أولئك أناس صالحون، فيقبلهم الله عز وجل، فندعوهم من دون الله. وهذه الشبهة أعطاهم إياها الشيطان حتى يوقعهم في الشرك. قالوا: الكتب الإلهية كلها، من أولها إلى آخرها، تبطل هذا المذهب وترده، وتقبح أهله، وتنص على أنهم أعداء الله تعالى. وبعض أهل التصوف وعباد القبور، لأجل أن يخرج من هذا المعزق -مثل ما فعل بعض المالكية- ألف كتابا، وقال: هذه من المفاهيم يجب أن تصح. فذكر من هذه المفاهيم هذا الأمر، فقال: أن قول الله عز وجل عن كفار قريش: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾؛ ليس هذا حقيقة، أنا أنظر إلى هذا الهراء وهذا الكلام الباطل. قال: ليس هذا حقيقة، وإنما هذا استهزاء؛ معنى أن الله عز وجل ينقل استهزاءهم، ينقل استهزاءهم بذلك؛ معنى أنهم يقولون هذا ليس عن حقيقة، وإنما عن استهزاء. وهو يريد عشان يصل إلى أن هذا الأمر أصلا صحيح، أنه صحيح، وأن كفار قريش ما فعلوا هذا، وإنما استهزءوا يقولون: نحن نتقرب إليهم إلى الله، وهم لا يريدون هذا، وإنما يتقربون إلى الأصنام -هكذا يريد أن يصل إلى هذا- لماذا؟ حتى يبرر فعلهم، حتى يبرر ما يفعلونه ويدعون غير الله جل وعلا. لأن الآية لم تذكر صنما ولا شجرا ولا حجرا، وإنما عبادتهم للأصنام قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾؛ فلا فرق بين صنم وشجر، ولا بين حي وميت، كل ذلك من صرفت له العبادة وهو داخل في هذا الباب. قال: وجميع الرسل صلوات الله عليه متفقون على ذلك، من أولهم لآخرهم. وما أهلك الله تعالى من أهلك من الأمم إلا بسبب هذا الشرك، ومن أجله وأصله الشرك في المحبة لله. ثم سيتكلم في الشرك في المحبة. وهذا أراد رحمه الله أن هذا باتفاق الأديان. والله عز وجل يقول: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتِ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد، وشرائعهم شتى». فإن شاء الله وتعالى نكتب بهذا ونكمل في الدرس اللاحق.