الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 125، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
في السنة التاسعة للهجرة، وفدت القبائل العربية على رسول الله صلى الله عليه وسلم نتيجة لانتصارات المسلمين. هذا العام سمي بعام الوفود لتوالي وفود القبائل عليه.
أقسم النبي صلى الله عليه وسلم ألا يدخل على نسائه نتيجة لمطالبتهن بالزيادة في النفقة. انتشر خبر هذا الامتناع في المدينة وتساءل الناس عن سببه.
نزلت آية التخيير على النبي صلى الله عليه وسلم فخير نساءه بين البقاء معه أو الطلاق. اخترن البقاء معه، فترتب على ذلك عدم تعلق النبي بنفقتهن.
المقطع الأخير يشير إلى انتهاء الحديث ويتضمن الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر احترام وتقدير للنبي وآله.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: وجاءت الوفود فيها تترى، هذا ومن نساء آل شهرا. في هذا البيت إخواني في الله، يعرج المؤلف والناظم رحمه الله تعالى إلى بعض حوادث السنة التاسعة، وها هو رحمه الله يشير إلى مسألتين اثنتين. قال وجاءت الوفود فيها تترى، هذا ومن نساه آل شهرا. بدأ بذكر رحمه الله تعالى قضية إتيان الوفود، إتيان الوفود أي من كان من المندوبين عن القرى والقبائل التي هي حول المدينة. وهذه الوفود قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة. ولهذا قال الناظم: وجاءت الوفود فيها، أي في السنة التاسعة من الهجرة. وأشار إلى الوفود العربية حيث أقبلت على رسول الله مذعنة بالإسلام. قال: وجاءت الوفود فيها تترى، تترى أي متتابعة، وفد بعد وفد، تتابع على الإتيان إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام حتى سمي هذا العام بعام الوفود. كان ذلك في السنة التاسعة، قال ابن كثير رحمه الله: وتواترت الوفود في هذه السنة وما بعدها على رسول الله صلى الله عليه وسلم مذعينة بالإسلام وداخلين في دين الله أفواجا. فعام التاسع من الهجرة اشتهر بعام الوفود وذلك لتتابعها. وإن كان حقيقة الوفود ليس فقط في السنة التاسعة، وإنما كانت قبل هذا، كانت في أواخر السنة الثامنة، وخاصة كما يقول بعض العلماء بعد فتح مكة. لما فتحت مكة وسقطت هذه القلعة، وهي التي تعتبر من أعظم معاقل الجزيرة العربية، سقطت بأيدي المسلمين، حينها علم الناس أنه لا قوام للعرب إلا بالخضوع للإسلام. بدأت الوفود تأتي قليلا قليلا إلى أن جاءت السنة التاسعة تحديدا. كما أشار بعض العلماء، بعدما وقع في غزوة تبوك، حين أن انجفل ولاذ بالفرار أهل الروم وتحاشوا أن يتلاقوا بمعسكر المسلمين، كما مضى معنا، فروا وتفرقوا في حدود بلادهم. سمع العرب هذا من الروم بما حاروا من القوة، لا يتحاشون أن يتلاقوا برسول الله. إذا هؤلاء فعلوا هذا، فما عسى نحن أن نفعل معه؟ فعلموا أنه لا قوام لأي قبيلة بعد هذا أن تقف أمام الإسلام. أضف إلى ذلك ما كان من خروجه عليه الصلاة والسلام من المدينة إلى جهة الشام. قد أشرنا إلى أن تبوك مفاوز عظيمة، تبعد ثمانمائة كيلو في القياس العصري شمالا إلى جهة الشام. فهو سيمر بهذا الجيش العظيم الذي ما تعرفه العرب، ثلاثين ألف مقاتل. العرب تعود النظام العربي القبلي، هذه قبيلة وهذه قبيلة، وهذه تحتها الفرسان الذين معهم، كم عساهم بين ألف وثلاثة والأربعة آلاف، هذا الذي يستطيعون على التجهيز له. لكن جيشا بقوام ثلاثين ألف مقاتل، فكان بمرور نبينا ذهابا وإيابا، حينها علمت العرب من كان في قلبه شك وريب من هذا الدين، أن الله عز وجل نصر أهل الإسلام على غيرهم. فهذه المظاهر حينها تتابعت الوفود، لكن بكثرة. فيمكن أن يقال: نعم، بعد فتح مكة بدأت الوفود، لكن بقلة. لكن بعد ما وقع من غزوة تبوك ومن انسحاب أهل الروم، تتابعت الوفود في العام التاسع كثرة على رسول الله حتى سمي هذا العام بعام الوفود. وقد تكلم العلماء وذكروا الروايات التي فيها متابعة لأخبار هذه الوفود، فتكلم بذلك ابن إسحاق رحمه الله تعالى، وجماعة من أهل العلم، ذكروا ما كان من حضور وفد بني حنيفة، وفد عبد قيس، وفد سعد بن بكر، وهكذا وفد بني عامر، وفد تميم وهمدان، ووفد عدي بن حاتم، ووفد كندة، ووفود كثيرة. منهم من أوصلها إلى ستين وفدا، منهم من أوصلها إلى مئة وفد، وفد بعد وفد يأتي إلى رسول الله، والكل يعرض عليه الإسلام وأنه أذعن لهذا الدين. فهذا قول الناظم رحمه الله: وجاءت الوفود فيها تترى، أي تتابعت في السنة التاسعة من الهجرة. ثم قال: هذا ومن نساه آل شهرا. نساه أراد أي من نسائه، ما الذي صار نبينا صلى الله عليه وسلم مع نسائه في السنة التاسعة؟ قال: آل شهر، آل شهر، الآل بمعنى الحلف، بمعنى الحلف واليمين والقسم. وقد عرف العلماء كالإمام الجرجاني وغير واحد من أهل الفقه والعلم، بأن الإيلاء هو أن يقسم الرجل على أنه لا يطأ زوجته. أن الرجل يقسم يعطي اليمين ويعقد الأيمان على أنه لا يطأ زوجته، هذا هو الإيلاء. وقد صار هذا مع نبينا صلى الله عليه وسلم، أنه أقسم وأعقد اليمين على أنه لا يطأ زوجاته. هذا المؤلف يقول: هذا أي في هذه السنة، ومن نساه أي من نسائه آلى أي في السنة التاسعة. وهذا الذي أشار إليه العلماء، كما قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: قال وفي سنة تسع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه، وأقسم أن لا يدخل عليهن شهرا. أن لا يدخل عليهن شهرا، وهذا الذي ذهب إليه ابن الأثير رحمه الله تعالى هو الذي ذهب إليه الناظم ابن العز الحنفي، وهكذا قبله الإمام الواقدي والقسطلاني وابن الجوزي، وجماعة من المؤرخين، ذهبوا إلى أن هذه القضية من أن النبي آلى على نفسه أن لا يطأ أهله، أي كل الزوجات مدة شهرا، هذا نعم قد صار في السنة التاسعة من الهجرة. قال: هذا ومن نساه آلة شهرا. بقي مسألة أن هذا الإيلاء وهو أنه نوع من أنواع الامتناع فقط، أنه لا يدخل عليهن ولا يقربهن، وهذا أمر محقق قد جاء ذلك في الأحاديث الكثيرة المتواترة في صحيح السنة. حتى أن هذا الأمر الذي صار في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام انتشر انتشر في المدينة، سمع به القاصي والداني. واسمع يا عبد الله إلى ما ذكره ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وهو من أحد رواة قصة الإيلاء، قال رضي الله تعالى عنه: قال أصبحنا يوما، قال ونساء النبي يبكين، أي نساؤه كل واحدة منها تبكي. قال وعند كل امرأة منهن أهلها، يعني تخيل الزوجات كل زوجة تبكي وعند كل زوجة من كان من أهلها يواسيها على هذا المصاب الجلل. على هذا الأمر العظيم أن النبي امتنع عن الدخول على هذه والله لا أدخل عليكم، لا أدخل عليكم. طبعا جاءت الظنون لما هذا الامتناع، حتى أصبح الناس يتحدثون أن هذا طلاق من رسول الله. فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: فدخلت المسجد فإذا هو ملآن بالناس، فالناس كل من سمع الخبر دخل المسجد يتحسسون الأخبار ما الذي صار ما الذي سمعتموه. قال نعم صلاة ترك الزوجة كلها وحلف أن لا يدخل عليهم، وكل واحد أصبح يتساءل عن هذا الحدث الذي وقع في بيت النبوة. إلا أن عمر رضي الله تعالى عنه ولله دره ذهب بنفسه واستأذن على رسول الله ودخل عليه، فكان من أمره قال: يا رسول الله أطلقت نساءك؟ أطلقت نساءك لأن الناس يتحدثون. فقال عليه الصلاة والسلام: لا، لا، ولكني آليت منهن شهرا. فأنا ما طلقت لكني أقسمت، أي أقسمت أني لا أدخل عليهن شهرا كاملا. شهرا كاملا، إذن هذه الحادثة التي وقعت والتي انتشر خبرها في زمنه عليه الصلاة والسلام. وما فاد أن النبي قسم وحلف وأعقد الأيمان أن لا يطأ أزواجه وأهله هذه المدة، كان هذا في السنة التاسعة. يبقى السؤال الذي يكون في الأذهان: لما ما السبب الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل هذا مع أزواجه؟ نعم من أراد أن يعرف الأسباب فعليه بالمطولات ليعرف الروايات، وخاصة من تكلم في كتب التفاسير من المفسرين أو في كتب التاريخ عند المؤرخين. نعم ذكروا سبب الأول الثاني الثالث الرابع، عندك أسباب، ومنهم من جمعها. قالوا لربما هذه الأسباب تجمعت حتى جعلت نبينا يفعل هذا. لكن السبب الشهير ولعله الأوضح والأصرح في هذا المقام هو ما كان من مطالبة النساء، أي أزواجه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبسط عليهن بالنفقة والسعة. تعرفون إخواني في الله حالة رسول الله عليه الصلاة والسلام وما خصه الله جل وعلا به من الضيق في المعيشة. كان يمر عليهم الهلال تلو الهلال ولا يوقد في بيت رسول الله نار. انظر لقلة المعيشة وشظف العيش في بيته عليه الصلاة والسلام. شدة بل ربما يأتي الرجل يأتي إلى رسول الله يطلب من رسوله أن يأويه أن يضيفه، فيدخل نبينا إلى بيته: هل عندكم من شيء نضيف به هذا الضيف؟ قال: لا والله ما عنده إلا الماء. إلا الماء وهو بيت النبوة. فالحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم هو رضي بهذه المعيشة، رضي بهذه المعيشة أنه يعيش بحالة مما يكون بها عدم التعلق بالدنيا والطمع لما في الآخرة. وأراد نبينا أن هذه الحالة كذلك تجري مع نسائه. وكان نساؤه يعلمون بهذه الفتوحات وهذه الغنائم تأتي من هنا وتأتي من هنا، وهذا يعطى له كذا وهذا يعطى له كذا، وهم ما يصل لهن شيئا. ما يأتي المال في يد رسول الله إلا وعطاه يمنى وعطاه يسره، يخرجه يمنى ويسره. هنا اجتمعنا النسوة وأردنا أن النبي يعطيهن من زينة الحياة الدنيا من الأموال، يوسع عليهن في النفقة. إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم حاول أن يبعدهن عن هذا الطلبات، وأن هذا لا ينبغي أن يقع منكم. لكن مع إلحاحهن مع إلحاحهن، حتى في بعض روايات أنهن اجتمعن على هذا. حينها رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا سيكون مفترق الطريق بينه وبينهن، فآلى والله لا أدخل عليكن شهرا، من شدة ما وجد نبينا من نفسه من عدم الإنصياع لأمره ولطالبه. فحينها حلف الذي حلف عليه، فآلى أنه لا يدخل عليهن شهرا حتى يراجع أنفسهن. حينها في هذه المدة نزلت آية التخيير، نزلت آية التخيير على رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي فيها قوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. خيرهن بهذا يا رسول الله، هذا وحي السماء أخبر النساء: تردن الدنيا تردن الزينة تعال خذوا لكن بالطلاق، أطلقكن وأعطيكن ما فيه المتعة لكن وكنوا كباقي النساء تتجدون ما تجدون من المغنم. إلى أخذ فتعالين أمتعكن وأسرحكن وهو الطلاق صراحا جميلا. وخذوا بعد ذلك ما تجدونه من متاع الدنيا. ﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وإذا ما أردتن الدنيا مع ما يكون من الطلاق، وإنما أردتن البقاء مع رسول الله، ارضينا بالحال، ارضينا بهذه الحال. ولهذا قال العلماء كما جاء في صحيح مسلم: أول ما نزلت هذه الآية أن رسول الله بدأ بها مع عائشة، بدأ بها مع عائشة رضي الله تعالى عنها، استدعاها فقال لها عليه الصلاة والسلام: يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرا فلا تعجلي عليه حتى تشاوري والديك. حتى تشاوري انتظري لا تستعجل في الجواب، استشيري فقط. ما هو يا رسول الله؟ فأخبرها بهذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾. فمنفهوم الآية: تريدن الدنيا تريدن المتاع لا ظلم ولا هضم خذوه لكن أسرحكم وارجعن معززات مكرمات. وأردت أردتن البقاء عندي فعلى هذا الحال. فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: قالت يا رسول الله أفيك أستشير والدي؟ أفيك أستشير والدي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة. رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهكذا كانت هذه الإجابة لجميع الزوجات، أنهن رضين بهذه الحال وأنهن لن يشتكين بعد ذلك. وكان من فوائد هذه الآية أن رسول الله لا يتعلق بنفقتهن، وإنما ما يسر الله كان بها ما يسر الله. وأن النبي بالخيار إن أعطاهن أعطاهن وإن منعنهن منعهن، لا يلتزم بنفقتهن كما قال المفسرون. فهذا الذي ما يتعلق بهذه الآية الذي بسببها آلى نبينا من أهله شهرا. وبعد مرور الشهر تحديدا بعد مرور تسعة وعشرين يوما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهله. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا البيت والذي أشار إليه الناظم إلى مسألتين اثنتين، إلى عام الوفود وإلى قضية الإيلاء. قال: وجاءت الوفود فيها تترى، هذا ومن نساء آل شهرا. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.