الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 127

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 127

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 127، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

إسلام جرير بن عبد الله البجلي وتاريخ إسلامه

يتناول المقطع إسلام جرير بن عبد الله البجلي وخلاف أهل العلم حول تاريخ إسلامه، حيث ذهب بعضهم إلى أنه أسلم في السنة العاشرة، بينما رأى آخرون أنه أسلم في السنة التاسعة. استعرض المقطع آراء العلماء المختلفة حول هذه المسألة واستدلالاتهم.

فضائل جرير بن عبد الله البجلي وبعض مواقفه مع النبي

أسلم جرير بن عبد الله البجلي في السنة العاشرة للهجرة، وقد وفد على رسول الله مع جماعة من قومه، وبايع النبي على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم، وتولى عدة مهام منها تدمير صنم ذي الخلصة. كان معروفًا بجماله وطوله.

تأثير الشرك والكفر على النبي والمسلمين ودور جرير في محاربة ذلك

كان النبي صلى الله عليه وسلم يتضايق من مظاهر الشرك والكفر، ودعا لجرير بن عبد الله بعد كسره لصنم ذي الخلصة. ينبغي للمسلم أن يتضايق من الشرك ويفرح بزوال أهل الكفر وأصنامهم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ومواصلة إخواني في الله مع هذا النظم، ومع الأرجوزة المئية، حيث يقول فيها النظم رحمه الله: كما مضى معنا «ومات إبراهيم في العام الأخير، والبجلي أسلم واسمه جرير»، ما يتعلق بالشطر الأول «ومات إبراهيم في العام الأخير»، أي إبراهيم بن الرسول عليه الصلاة والسلام، ذكرنا ما يتعلق بوفاته وما يكون من حكمة ذلك. ثم قال «والبجلي أسلم واسمه جرير»، والبجلي وهو الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي، وهو من أهل اليمن، سيد قبيلة بجيلة، وهذا الصحابي المؤلف هاهنا أشار إلى مسألة وهي متعلقة بإسلامه، قال «والبجلي أسلم واسمه جرير»، أي متى أسلم؟ أسلم في هذا العام. ومسألة إسلام جرير بن عبد الله البجلي هي محل خلاف بين أهل العلم، هو لا شك ولا ريب أنه ممن تأخر إسلامه، لكن متى؟ من الروايات من يذكر أنه أسلم قبل موت رسول الله بأربعين يومًا، من أسلم أنه قال أسلم قبل موت النبي عليه الصلاة والسلام بأربعين يومًا، إلا أن جماعة من أهل العلم غلطوا هذه الرواية، قال: وهذا وهم، كيف يقال أن جريرًا أسلم قبل موت الرسول بأربعين يومًا؟ بل كان قبل ذلك مسلمًا، بدليل قالوا أنه حضر حجة الوداع، كما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قال لجرير «استنصت لي الناس»، استنصت لي الناس، إذن حضر جرير حجة الوداع قبل موت النبي بأكثر من ثمانين يومًا، فكان جرير مسلمًا وممن خرج في حجة الوداع. لهذا خطأ العلماء من ظن أن جريرًا أسلم قبل موت النبي بأربعين يومًا، وذهب أكثر العلماء إلى أن جريرًا أسلم في السنة العاشرة، أسلم في السنة العاشرة، ومنهم الناظم، حيث قال «والبجلي أسلم واسمه جرير»، أي في هذا العام، ويتحدث عن السنة العاشرة وعن حوادثها وأحداثها، أن ذلك كان في السنة العاشرة، وهذا الذي عليه أكثر العلماء أن جريرًا أسلم في العام العاشر، وحدده الواقدي رحمه الله تعالى أن ذلك في رمضان، أن ذلك في رمضان، وقيل نحو من ذلك. وهذه الرواية مع شهرتها إلا أن جماعة من أهل العلم كذلك مرتضاها، وممن ذهب إلى رد هذه المسألة الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، ويرى أن جريرًا ما أسلم في السنة العاشرة، بل أسلم قبل العاشرة في السنة التاسعة تحديدًا، في عام الوفود، في عام الوفود، يرى الحافظ ابن حجر أن جريرًا في هذه العام في السنة التاسعة أسلم، لا في السنة العاشرة، ولا قبل موت رسول الله، بل أسلم بالأمس القريب، كما يقال. واستدل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى على أن جريرًا أسلم في هذه الفترة في السنة التاسعة، ما جاء كذلك في روايات الصحيح أن جريرًا قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد مات أخ لكم النجاشي»، ومضى معنى أن النجاشي مات في السنة التاسعة، وجرير يحكي أنه ممن حضر العزاء، حين عزي، وحينما قلنا نعى بالأصح نعى النجاشي، كان جرير حاضرًا، فقال جرير: قال لنا رسول الله «ما تأخ لكم النجاشي»، والنجاشي مات في السنة التاسعة في رجب. فإذا الروايات تدل على أن جريرًا وإن تأخر في إسلامه، لكن في هذه المدة في التاسعة أو في العاشرة قبل موته، وأقوى الأقوال في الشهرة هو السنة العاشرة، وهذا الذي ذهب إليه الناظم رحمه الله تعالى، إذن قوله «والبجلي أسلم واسمه جرير»، أي أن من حوادث السنة العاشرة على ما ذهب إليه الناظم، ما كان من إسلام الصحابي الجليل اليمني جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه. وفد جرير على رسول الله مع جماعة من قومه، أكثر من مئة رجل وفدوا على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد تجمل جرير في الدخول على رسول الله، فلما دخل كان نبينا صلى الله عليه وسلم قد بشر من في المسجد بقوله: «إنه سيدخل عليكم رجل من خيرة أهل اليمن، عليه مسحة ملك»، من خيرة أهل اليمن عليه مسحة ملك، فدخل جرير رضي الله تعالى عنه، فكان هذا من أوائل بشارات الشرع الحكيم لهذا الصحابي الجليل. فمع تأخر إسلامه إلا أنه قد حاز على الفضائل والمناقب، وقصد النبي عليه الصلاة والسلام في وصف جرير «عليه مسحة ملك»، إذ أن جريرًا رضي الله تعالى عنه يضرب به المثل في الجمال، فكان جميلًا جدًا، عليه مظاهر الحسن والبهاء، ومع هذا الجمال كان طويلًا حتى قيل أن الطول يصل إلى سنام البعير، يصل إلى سنام البعير. وكان عمر رضي الله تعالى عنه يلقب جريرًا بأنه يوسف هذه الأمة، يوسف هذه الأمة، لما أعطاه الله جل وعلا من الجمال، وأعطاه الله من الجلال، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يعتني به، وكان من أوائل ما أسلم جرير أنه كما جاء في الصحيح قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم، والنصح لكل مسلم. وكان من أمر النبي عليه الصلاة والسلام مع جرير أنه كما قال عن نفسه: ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وتبسم، ما رآني إلا وتبسم في وجهه عليه الصلاة والسلام، فكان نبينا معجبًا بهذا الرجل لما آتاه الله من الخلق والخلق والأدب والجمال، وهكذا ما كان من الطاعة لله ولرسوله. ولهذا نبينا صلى الله عليه وسلم وكل جريرًا بعدة مهام، ومن هذه المهام التي تذكر كما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم استدعى جريرًا، قال: «يا جرير ألا تريحني من ذي الخلصة»، وذو الخلصة هو صنم من أصنام الجاهلية، وهو في الحقيقة صنم لكن فيه بنيان، بنيان في قبيلة خثعم، وهذه القبيلة في جهة ناحية اليمن، في جهة ناحية اليمن. وكان أهل هذه الناحية يعظمون هذا البيت ويشيدونه، بل وكانوا يشبهونه بالكعبة، يشبهونه بالكعبة، وكانوا يقولون عن هذا البيت بأنه الكعبة اليمانية، الكعبة اليمانية، أي الكعبة التابعة لبلاد اليمن، فكانوا يفدون إليها ويزورونها ويشدون لها الرحال، وكانوا يعظمون الصنم الذي عندها كما يعظم هبل الذي عند كعبة مكة. فهذه هي ما يتعلق بذي الخلصة، نبينا صلى الله عليه وسلم استدعى جريرًا، قال: «ألا تريحني من ذي الخلصة»، فبعثه نبينا صلى الله عليه وسلم، فذهب بمئة وخمسين فارسًا، إلا أنه قبل أن ينطلق وقد أرسله نبينا على خيل، لكن من طبيعة جرير أنه ما كان يثبت على الخيل، ما كان يثبت إذا صعد سرعان ما يسقط من الخيل، فشك هذا لنبينا عليه الصلاة والسلام، فضرب نبينا على صدره، قال: «اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًا»، اللهم ثبته أي على ركوبه. فكان يقول جرير: فوالله ما أسقط بعدها عن فرس، استجاب الله لدعاء نبيه في هذا الصحابي الجليل، فما أسقط، واجعله هاديًا مهديًا، قال العلماء: هذه زيادة في الفضل بأن يكون هاديًا في نفسه مهديًا في غيره. وحين أن ذهب جرير إلى هذا المكان وكسر الصنم وأحرق البيت الذي شيد على هذا الصنم في تلكم الناحية، لما رجع سأله نبينا: كيف فعلت؟ قال: يا رسول الله والله ما تركتها حتى جعلتها كالجمل الأجرب، قال علماء: الجمل الأجرب إشارة إلى أن هذا البيت احترق حتى أصبح مسودًا ملطخًا من السواد. حينها دعا نبينا صلى الله عليه وسلم لهذا الصحابي الجليل، وقال: «اللهم بارك لأحمس ولرجالها»، دعا لهم خمس مرات يدعو له ويكرر نبينا هذا الدعاء لجرير ولأهل بلدته من أهل اليمن، وهم أحمس، أن الله عز وجل يبارك لهم. وتأمل يا عبد الله في بداية الحديث حين أن قال نبينا «يا جرير ألا تريحني من ذي الخلصة»، دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتضايق جدًا من مظاهر الشرك والكفر والوثنية والجاهلية، من وجود هذه الأصنام والأوثان، وما كان على شاكلتها مما يعبد من دون الله، لأنهن أضلن كثيرًا من الناس. فإذا كان الإنسان إذا كان النبي يتضايق، فهذا ينبغي أن يكون في حق كل مسلم أن يتضايق من الشرك ومن صوره، ولا يجد الراحة ولا يستلذ بطعام ولا بقرار وهو يرى صور الشرك تنتشر ها هنا وها هنا، فما يجد الراحة إلا إذا أزيلت، إذا علم بسقوط الأوثان وانعدامها وزوالها، حينها يستشعر بالراحة، لأن النبي قال «ألا تريحني»، تريد راحتي، اكسرها، إذا كسرت الأصنام والأوثان هذا فيه راحتي. وهكذا ينبغي أن يكون عليه كل مسلم، الراحة في استئصال الأوثان ومحاربة من براثن الجاهلية، وكما كان كذلك من أعيان الكفر في كل زمان ومكان، فكذلك المسلم يفرح بأن الله عز وجل إذا أراح البلاد والعباد بزوال أهل الكفر من دعاتها، من كبرائها ممن طغوا وبغوا في البلاد وأفسدوا في العباد بالقتل والتقتيل والتشريد، من رؤوس أهل البدع، من رؤوس أهل البدع. وقد كان أهل السنة يفرحون فرحًا شديدًا بهذا، تأسيًا برسول الله، راحتهم إذا رأوا أن أعلام الشرك من كان من الأصنام والأوثان أو من كان من حملة هذا الدين الدين المبدل المحرف إذا سقطوا، بأن الله أزهق أرواحهم وخلص العباد من شرهم، يفرح أهل السنة. فكان ذلك مثلًا ما قيل ذكره أهل السير أن ابن أبي دؤاد الذي أثار فتنة خلق القرآن التي جاءت بالويلات على أهل الإسلام، وخاصة على أهل السنة، سجن منه من سجن، وقتل منه من قتل، وعذب منه من عذب، فلما أن أصابه الله بالفالج وهو مثل شلل نصفي، فرح الناس بهذا المصاب، فرح الناس وخاصة أهل السنة بهذا، حتى قيل للإمام أحمد: الرجل يفرح بما يصاب به أصحاب بن أبي دؤاد، يفرح بما أصيبوا به؟ لأن بعد العزة أهانهم الله جل وعلا وجعلهم فيه هوان وذلة. فقيل: يا أبا عبد الله الرجل يفرح بما أصابهم من بلاء، أنأثم؟ قال: ومن لا يفرح بألم هؤلاء؟ فالاسم مسلم يفرح، يفرح. وقد ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية في ترجمة الحسن بن صافي التركي، وكان من أمراء بغداد، وكان رجلًا رافضيًا خبيثًا متعصبًا، أفسد في الأرض حتى أهلكه الله جل وعلا، ودفن في داره، علق ابن كثير رحمه الله تعالى، قال: ففرح أهل السنة فرحًا شديدًا، وشكر الله على ما كان من هذا الفعل، بل ذكر أن منهم من سجد لله شكرًا. فهذا الصنيع إخواني في الله هو مما كان يستفيد أهل السنة من صنيع نبي الأمة في قوله «ألا تريحني»، وهكذا مما سمعنا من الأخبار التي تثلج الصدور ما كان في هلاك نصر بن سيار لا رحمه الله الذي طغى وبغى وأفسد وأرعد حتى قتل ذليلًا مهينًا، وإلى الله تلتقي الخصوم، فبهذا يفرح المسلم. فالشاهد إخواني في الله في هذه الحادثة وفي هذا الشطر أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر شيئًا من حوادث السنة العاشرة، وذكر من ذلكم إسلام الصحابي الجليل اليمني وهو جرير بن عبد الله البجلي، وقال «والبجلي أسلم واسمه جرير»، نكتفي إلى هذا الحد، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.