الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا المحور النوع الثاني من الشرك وهو الشرك في الربوبية، مستعرضاً معتقدات المجوس والمانوية الذين يقرون بخالقين للخير والشر أو للنور والظلمة، وعقيدة الفلاسفة كابن سينا القائلة بصدور العالم عن العقل الفعال، مع الرد القرآني الذي يبطل هذه المعتقدات.
يبين المحور كيف عبد اليونان الشمس والقمر على دين الصابئة ونسبوا تدبير العالم إلى العقول الفعالة، وهو إنكار لربوبية الله الحصرية، ويربط ذلك بمذهب القدرية الذين ينفون خلق الله للشر، مشيراً إلى أن الصحابة شبهوهم بالمجوس وأن هذه النسبة ثابتة عن ابن عمر وابن عباس.
يذكر المحقق ضعف حديث «القدرية مجوس هذه الأمة»، ويوضح أن القدرية ينفون خلق الله للشر أو يزعمون أن العبد يخلق فعله، وهو قول مردود، وتؤكد الآية «إياك نعبد وإياك نستعين» نفي شرك المحبة والإلهية وشرك الخلق والربوبية، مثبتة التوحيد الخالص لله في العبادة والتدبير.
يسرد المتحدث أمثلة على الشرك في الأفعال مثل السجود لغير الله والطواف بغير الكعبة، ويشير إلى أن تفصيل هذا الموضوع سيُترك للدرس القادم، مع الإشارة إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وسلم. أما بعد، قال الإمام المقريزي رحمه الله تعالى: والنوع الثاني من الشرك: الشرك به تعالى في الربوبية، كشرك من جعل معه خالقًا آخر، كالمجوس وغيرهم الذين يقولون بأن للعالم ربين: أحدهما خالق الخير، والآخر خالق الشر. فالشرك في الربوبية: معنى الشرك في أفعال الله عز وجل، أن يجعل هناك من يفعل كالله. كالمجوس، المجوس يعتقدون أن للعالم ربين أو خالقين: أحدهما خالق الخير، والآخر خالق الشر، أو يقولون: إن الله عز وجل خالق النور، والشيطان خالق الظلمة. خالق الظلمة، لهذا قال المتنبي: «وكم لظلام الليل من يد تحدث * أن المانوية تكذب». المانوية: هذه فرقة من فرق المجوس، يقولون بالنور والظلمة، فالنور إلهه الله، والظلمة إلهها الشيطان. فيقولون: إنه لا يحدث في الظلمة نعمة، فقال: «وكم لظلام الليل من يد * معنى من نعمة تحدث * أن المانوية تكذب». قالوا: كالفلاسفة ومن اتبعهم ومن تبعهم، الذين يقولون بأنه لم يصدر عنه إلا واحد بسيط، وأن مصدر المخلوقات كلها عن العقول والنفوس. فهذا أيضًا عقيدة من عقائد الفلاسفة، كابن سينا وغيره، فيقولون: بأنه لم يصدر عنه إلا واحد بسيط، وأن مصدر المخلوقات كلها عن العقول والنفوس. وهذا يبطله قول الله جل وعلا: ﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾. ما من شيء إلا وجعل ضده إلا الرب سبحانه وتعالى، فهو واحد جل وعلا. وقالوا: إن مصدر هذا العالم عن العقل الفعال، ومعنى: بعضهم يسميه العقل الفعال، وبعضهم يقول العقل المدبر، ويقصدون به القمر. وهؤلاء أخذوا عقيدتهم أصلًا من الصابئة القدماء الذين يعبدون الشمس والقمر، لكن أتوا بها على طريق الفلسفة. قال: وتجد أن كثيرًا من اليونانيين كانوا عبادًا للشمس والقمر على عقيدة الصابئة، ممن كانوا في عهد نبي الله إبراهيم. قال: فهو رب كل ما تحته ومدبره. وهذا شر من عبادة الأصنام والمجوس والنصارى، وهو أخبث شر في العالم؛ لأنهم يشركون في التدبير، ويعتقدون أن المدبر للعالم هو هذا العقل الفعال. ومنهم أيضًا من يقول: إن هذا العالم إنما حدث بعقل فياض فاض، فجعل هذه المخلوقات. وهذا كله إلحاد، إلحاد بالله جل وعلا. معنى ما يريدون أن يقولوا: إن الله عز وجل هو الخالق المدبر. فهؤلاء الملحدة من الفلاسفة. قال: وهو أخبث شر في العالم، إذ يتضمن من التعطيل وجحد الإلهية لإلهيته سبحانه وربوبيته، وإسناد الخلق إلى غيره. أن هؤلاء أسندوا الخلق إلى هذه العقول الفياضة أو العقول الفعالة. قال: وإسناد الخلق إلى غير الله لم يتضمنه شر أمة من الأمم. قال: وشرك القدرية مختصر من هذا؛ لأن القدرية الذين يقولون: إن الله خالق الخير ولم يخلق الشر، وهي فرقة من فرق القدرية. ولهذا جاء كما سيأتي في الأحاديث: «إنهم مجوس هذه الأمة». قالوا: شرك القدرية مختصر من هذا، وباب يدخل منه إليه. ولهذا شبههم الصحابة رضي الله عنهم بالمجوس. وهذا هو الصحيح: أنه من كلام الصحابة، وليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام. إنما غلط بعض من جعله من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، كان عن ابن حماد الخزاعي. وإنما هو من كلام بعض الصحابة. وهنا ما ذكروه هنا، قال: كما ثبت عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم. هنا يقول المحقق: إن ما جاء عن ابن عمر لا يصح، وقد ذكر المحقق في تعليقه على الفوائد المجموعة للشوكاني جماعة ممن جاء عنهم هذا، وهو ثابت عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يقولون: «القدرية مجوس هذه الأمة»؛ لأنها ظهرت فرقة من فرق المجوس، أو من فرق القدرية، تقول: بأن العبد... أن الله يخلق الخير ولا يخلق الشر. ومنهم من يقول: إن الله عز وجل لا يخلق شيئًا، وإنما العبد يخلق فعل نفسه، وهم القدرية المعتزلة. قالوا: قد روى أهل السنن فيهم ذلك مرفوعًا: «إنهم مجوس هذه الأمة»، وقد ضعفه جماعة من العلماء كالدارقطني، وابن القيم، والنسائي، وغيرهم من أئمة الإسلام. قالوا: كثيرًا ما يجتمع الشركان في العبد، وينفرد أحدهما عن الآخر. والقرآن الكريم، بل الكتب المنزلة من عند الله تعالى، كلها مصرحة بالرد على أهل هذا الإشراك. قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾. فإنه ينفي شرك المحبة والإلهية، وقول: «إياك نستعين» فإنه ينفي شرك الخلق والربوبية. وقلنا: إن الربوبية تستلزم الإلهية، فهو يريد: «إياك نستعين» نفيًا لشرك الخلق والربوبية؛ لأن الاستعانة هي التوكل على الله، وكذلك اعتقاد أن الله عز وجل هو الذي يعين وهو المدبر. فالذي يعتقد التدبير من غيره، فهو لم يستعن بالله، حتى لو قال في الفاتحة: «إياك نستعين»، وهو يعتقد أن التدبير... أن هناك من يدبر الكون مع الله، أو أن هناك مدبرًا للكون غير الله، فإن هذا... فالأول مشرك، والثاني ملحد، وكلاهما لا يؤمنان بأن الله عز وجل هو المعين وهو المدبر. قال: فتضمنت هذه الآية تجريد التوحيد لرب العالمين في العبادة، وأنه لا يجوز شرك غيره معه، لا في الأفعال، ولا في الألفاظ، ولا في الإرادات. فالشرك به في الأفعال: كالسجود لغيره سبحانه، والطواف بغير البيت. إن شاء الله هذا نتركه في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر