الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 142، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع درسين من قصة الثلاثة الذين خلفوا: أولهما أن توبة الله على العبد هي أجل الآيات وأعلى النهايات لأنها تطهره من المعاصي وتوصله إلى الجنة. ثانيهما لطف الله بتثبيتهم على الإيمان والصبر رغم شدة الكرب، مخالفين حال الجهال الذين يواجهون الشدائد بالمظاهرات والخروج على الولاة.
يؤكد المقطع وجوب ثبات المؤمن وتمسكه بالسنة مهما اشتدت الفتن، مستشهداً بوصية أنس بن مالك بالصبر على ولاة الأمر حتى الممات. كما يوضح فضل العبادة ذات المشقة الكبيرة كغزوة تبوك، وأن الأجر على قدر المشقة، ويختتم بشرح حال التائبين الثلاثة وكيف أن صدق الندم والبكاء دليل على قبول التوبة.
يشترط المقطع في التوبة الصحيحة الندم القلبي الصادق لا مجرد اللفظ، ويبين أن الفرج يأتي بتعلق القلب بالله وحده. ويفسر قوله تعالى "خُلِّفُوا" بأنه دلالة على لطف الله بهم إما بترك المؤمنين لهم أو بإرجاء الحكم عليهم، مؤكداً أن صدقهم كان سبب نجاتهم وأمر الله بالاقتداء بهم.
يشير المتحدث إلى الفوائد التي أوردها الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي والمؤلف، مبيناً أن الحافظ تناولها أيضاً في شرحه. ويعلن أنه سيستعرض جانباً من هذه الفوائد في الدرس المقبل لأهميتها الكبيرة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول العلامة المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في ختام قصة الثلاثة الذين خلفوا: قال: "وفي هذه الآيات دليل...". أي: بدأ يذكر المؤلف رحمه الله الفوائد والعبر من هذه القصة. قال: "وفي هذه الآيات دليل على أن توبة الله على العبد أجل الآيات وأعلى النهايات". وأعلى النهايات: لماذا؟ إذا تاب الله عز وجل عن العبد، بمعنى أنه يشد إلى الله وهو طاهر نقي من المعاصي، من المعاصي والآثام، وما جزاء من هذه حاله إلا الجنة. فمن أعظم وأجل الآيات وأعلى النهايات أن يتوب الله عز وجل عن العبد. قال: "فإن الله جعلها نهاية خواص عباده، وامتن عليهم بها حين أعملوا الأعمال التي يحبها ويرضاها". وهذا في قوله في هذه الآيات: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾. وهذا في معرض الامتنان، في معرض الامتنان أن الله عز وجل امتن عليهم بهذه التوبة. قال: "ومنها" -أي من هذه الفوائد- "لطف الله بهم وتثبيتهم في إيمانهم عند الشدائد والنوازل المزعجة". فمن لطف الله، فمن لطف الله عز وجل على عبده أن يثبته عند الفتن والمحن والشدائد والنوازل، أن يكون العبد في هذه الحال على استقامة وعلى طاعة وعلى ثبات من أمره، لا ينفذ صبره، ولا يخالف شرع ربه بسبب هذه الشدائد والمحن. انظر الآن إلى حال الناس الجهال من عامة هذه الأمة: إذا نقصت عليهم الأرزاق، أو كثر عليهم ظلم الولاة، أو كذلك نزلت عليهم النوازل المزعجة، تجدهم يحكمون العاطفة، ويحكمون كذلك العقل، ويجعلون الشرع في جانب آخر. فما نراه اليوم من هذه المظاهرات، وهذه الاعتصامات، وهذه الإضرابات، وهذه التخريبات، وهذه الثورات، وهذه كذلك الخروج على الولاة، كل ذلك من عدم التثبيت على الإيمان وعلى النهج القويم الذي جاء به الرسول الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم. فانظر إلى حال هؤلاء الثلاثة: شدة وكربة عظيمة، حتى وصفهم الله عز وجل بهذا الوصف في كتابه: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ﴾. أي: على سعتها ورحبها، وضاقت عليهم أنفسهم التي هي أحب إليهم من كل شيء. فضاق عليهم الفضاء الواسع والمحبوب، الذي لم تجرِ العادة بالضيق منه. من يضيق من هذا؟ ألا الهوى. ومن هذه الأرض، ومن سعة هذه الأرض، لكن لا يكون ذلك إلا من أمر مزعج بلغ من الشدة والمشقة ما لا يمكن التعبير عنه، ما يمكن، ما لا يمكن التعبير عنهم. فانظر إلى ما وصف الله عز وجل من هذه الشدة العظيمة التي وقعوا فيها، ومع هذا تأتيهم الإغراءات، ويأتيهم من يريد أن يثنيهم عن الصبر وعن الثبات. يأتي إلى كعب بن مالك رضي الله عنه فيقول: "ما يضرك أن تقول مثل ما قال من قبلك؟" أي: تكذب. ويأتي آخر ويقول له: "لماذا لا تكلم النبي صلى الله عليه وسلم؟ من يبغي عندك أهلك كما كل ما فيه لال ابن يومية". وهكذا يأتيه كتاب من ملك غسان: "أما بعد، فإن الله... أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد قلاك، وأن الله لم يجعلك بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك". مع هذا الضيق، ومع هذه الشدة، هل انصاع إلى هذه الفتن؟ هل غير وبدل؟ أبداً. ثبات وكذلك إيمان راسخ لا يتزعزع ولا يتزلزل، مهما هبت رياح الفتن، ومهما عظمت هذه الرياح واشتدت، فهو كالجبل الشامخ، الجبل الصامد الثابت في أعماق الأرض، لا يتزعزع ولا يتحرك. فهكذا ينبغي أن يكون المؤمن. بعض الناس اليوم يقول: "أنتم يا أهل السنة تقولون: الصبر، الصبر على ولاة الأمر، إلى متى الصبر؟". سبحان الله! هذه وصية نبيك عليه الصلاة والسلام. لما جاء الصحابة إلى أنس بن مالك يشكون له ظلم الحجاج، قال: "لا يأتي زمان... إنكم ستجدون بعدي أثرة، وأنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض". اصبروا حتى تلقوني على الحوض، حتى تموتوا. لا يعني يلزم أن يأتي الفرج وأنت على قيد الحياة، لا، قد يطول، تطول الشدة، لكن عليك بالصبر والالتزام بالشرع، لا تخالف. وما وقع بالأمة من ترد في الأوضاع، ومن تسلط للأعداء، إلا بسبب عدم الصبر، ومخالفة الهدي النبوي في طاعة الولاة والصبر عليهم، في الحكمة، وفي الرفق، وفي اللين، وفي عدم اتخاذ الأنظمة الكافرة: من المظاهرات، ومن الاعتصامات، ونحو ذلك. فلطف الله بعباده أن يثبتهم على السنة، وأن يثبتهم على دينه، وأن لا يغيروا ولا يبدلوا. قال: "ومنها: أن العبادة الشاقة على النفس لها فضل ومزية ليست لغيرها، وكلما عظمت المشقة عظم الأجر". ويريد بهذا ما في هذه الغزوة، غزو تبوك، من المشقة العظيمة على النفس. وكما علمنا في هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم تعمد التصريح بوجهته في هذه الغزوة لأمور: لأن الشقة بعيدة، المسافة بعيدة، ويريد غزو الروم. ثم كانت هذه الغزوة في حر شديد، وحين طابت الثمار وحان قطافها. كل هذه من الشدة التي ربما النفوس الضعيفة، كنفوس أهل النفاق، تؤثر هذه الدعة وهذه الراحة على هذه العبادة العظيمة، وهي عبادة الجهاد في سبيل الله. فكلما كانت العبادة فيها من المشقة، قيل لها: فضل ومزية ليست لغيرها، ليست لغيرها. فكلما عظمت المشقة عظم الأجر، وأجر العبد على قدر مشقته. قال: "ومنها: أن توبة الله على عبده بحسب ندمه وأسفه الشديد، وأن من لا يبالي بالذنب لا يحرج إذا فعله، فإن توبته مدخولة، وإن زعم أنها مقبولة". بمعنى أن هؤلاء الثلاثة ندموا على تخلفهم، ومما يدل على ندمهم صدقهم. ومما يدل على ندمهم بكاؤهم. مر معنا أن زوجة هلال قالت لما أخبرت أن تبتعد عنه: "قالت: وما به من حاجة منذ أن قيل له ذلك". أي: لما هجر، وهو يبكي في بيته، يبكي في بيته ندماً على ما فعل. وهكذا لما رقى كعب بن مالك على أبي قتادة، قال: "يا أبا قتادة، تعلمني مؤمناً؟" فسكت أبو قتادة، قال: "الله أعلم". فبكى كعب بن مالك ندماً. فالعبد إذا أذنب فندم وبكى، فهذا أدعى لقبول توبته. أما أن يذنب الذنب ثم يقول بلسانه: "أنا تبت إلى الله"، ولا ندم، ولا تحسر، ولا كذلك بكى على هذا الذنب، ولا دعاء بأن يغفر الله له هذا الذنب، فهذا كما قال المؤلف: "فإن توبته مدخولة، وإن زعم أنها مقبولة". فاحرص يا أيها المسلم على أن تتوب توبة صادقة، ومن التوبة الصادقة الندم. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «الندم توبة، الندم توبة». قال: "ومنها: علامة الخير وزوال الشدة إذا تعلق القلب بالله تعالى تعلقاً تاماً، وانقطع عن المخلوقين". أي: أنه ينظر إلى الخالق، لا ينظر إلى المخلوقين. فعلامة الخير وزوال الشدة إنما تدل عليها إذا تعلق القلب بالله تعالى تعلقاً تاماً، فيعمل لله، ويتوب لله، ويقول لله، ويذر لله، ويعمل لله، لا لأحد من الخلق. كما فعل هؤلاء الثلاثة: صدقوا لأنهم علقوا قلوبهم بالله، فهم يرجون الفرج من الله، لا يرجونه من مخلوق، لا يرجونه من أحد، إنما يرجون الفرج من الله لأنهم تعلقت قلوبهم به تعلقاً تاماً. قال: "ومنها: أن من لطف الله بالثلاثة أن وسمهم بوسم ليس بعار عليهم". أي: وصفهم بوصف ليس بعار عليهم. ومعنى "ليس بعار عليهم": أي ليس متلبساً بهم، ليس متلبساً بهم. ثم بين فقال: "فقال: خُلِّفُوا، ما قال: تَخَلَّفُوا". قال: "خُلِّفُوا هنا". قال: "إشارة إلى أن المؤمنين خلفوهم". هذا على تفسير "خُلِّفُوا": أي أن تخلفهم كان من قبل المؤمنين، يعني كأن هذا التخلف ليس من ذات أنفسهم، وإنما من غيرهم. فوصف التخلف ووسم التخلف كأنه لم يكن منهم، وإنما من غيرهم. فأتى بهذا الفعل الذي يدل على تغير الصيغة: "خُلِّفُوا". تغير الصيغة فهو يحتاج إلى نائب الفاعل، وأما الفاعل فحذف لهذا المعنى البلاغي. فكأن التخلف لم يكن منهم، وإنما من غيرهم. هذا قول. قال: "أو خُلِّفُوا عن من بت في قبول عذرهم أو في رده، وأنهم لم يكن تخلفهم ريباً عن الخير". ومعنى "أو خُلِّفُوا على من بت في قبول عذرهم": أي من حكم في قبول عذرهم. الذين جاءوا وحلفوا عند النبي عليه الصلاة والسلام من المنافقين، قبل النبي صلى الله عليه وسلم عذرهم، ووكل سرائرهم إلى الله. أما هؤلاء، فخَلَفَ النبي صلى الله عليه وسلم الحكم عليهم، خَلَفَ الحكم عليهم. فمعنى "خُلِّفُوا": أي عن الحكم عليهم، فلم يحكم عليهم لا بنفاق، ولا بفسق، ولا بإيمان، وإنما خُلِّفُوا: أي أرجئ أمرهم،أخر أمرهم. "خُلِّفُوا" يعني:أخر أمرهم. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجرهم، فجاءهم الفرج من الله، ونزلت توبتهم من السماء. فهذا من لطف الله عز وجل بهؤلاء الثلاثة. قال: "ومنها: أن الله تعالى من عليهم بالصدق، ولهذا أمر بالاقتداء بهم في قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾". من هم الصادقون؟ هؤلاء الثلاثة. لأن الآية جاءت بعد ذكر قصتهم، بعد ذكر قصتهم. فأمر الله عز وجل المؤمنين بالاقتداء بهم، وأن المؤمن يصدق في أقواله، وفي أفعاله، وفي إيمانه، وفي جميع حركاته وسكناته. فقال عز وجل: ﴿ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾. وأن الصدق سبب للنجاة من الشدائد والمحن. فمن صدق الله صدقه الله. من صدق الله صدقه الله سبحانه وتعالى، وكان الله عز وجل معه. هذه الفوائد التي ذكرها الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تحت هذه القصة. والمؤلف ذكر بعد بعض الفوائد، وكثير منها ذكرها الحافظ أيضاً عند شرحه لهذا الحديث. فلعلنا في الدرس القادم نأخذ شيئاً من هذه الفوائد لأهميتها ولعظيم نفعها، بإذن الله عز وجل. إلى هنا، والله تعالى أعلم.