التعليق على الجواب الكافي 25

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم الرجاء الحقيقي وشرطه

يشرح هذا الفصل مفهوم الرجاء الحقيقي ويفصله عن التمني، ويبين شروطه وأهميتها في الإيمان. يُظهر أن الرجاء الحقيقي يتطلب محبة المرجو وخوف فواته والسعي لتحصيله.

أهمية الخوف والرجاء في العمل الصالح

يتناول هذا الفصل شرح حديث نبوي يشجع على المسارعة في الأعمال الصالحة، ويبرز أهمية جمع الخوف والرجاء مع العمل الصالح للوصول إلى الجنة والقبول عند الله.

جمع الخوف والرجاء في الإيمان وتطبيقه عند الصحابة

يشرح هذا الفصل مفهوم جمع الخوف والرجاء في الإيمان، ويبين كيف كان الصحابة يجمعون بين العمل الصالح والخوف من عدم قبول أعمالهم، مما يدل على تعلقهم برضى الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل، ومما ينبغي أن يعلم أن من رجى شيئا استلزم رجاؤه ثلاثة أمور: أحدها محبة ما يرجوه، الثاني خوفه من فواته، الثالث سعيه في تحصيله بحسب الإمكان. أن هذه الأمور في كل من رجى شيئا، أراد شيئا وتمناه ورجاه، لابد أن يكون هو يحب هذا الذي يرجوه، وأيضا يخاف أن يفوته، وكذلك يسعى في تحصيله بحسب الإمكان. وهذا أراد أن يبين أيضا أن هناك فرق بين الرجاء وبين التمني، لأن التمني غالبا لا تكون فيه هذه الشروط، أو يكون فيه بعضها مثل المحبة لما يتمناه والخوف من فواته، لكن لا يسعى في تحصيله، وهذا كالعاجز. وأما الراجي الذي حسن ظنه، فإنه يسعى في تحصيله هذا الذي يريده، وهذا الذي يريده إن كان أراد الجنة ورضا الله عز وجل، فإنما يكون بالأعمال الصالحة. قال: وأما الرجاء لا يقارنه شيء من ذلك، فهو من باب الأمني، والرجاء شيء والأمن شيء آخر. ولهذا الله عز وجل ذكر أماني اليهود، فقال: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ما عندكم برهان كيف تتمنون أن تكونوا من أهل الجنة وأنتم لا تسعون لها، بل تعادون من يسعى لها ومن يعمل لها، فهذا محاد، وهذا تمني العاجز. فقالوا: «لن تمسنا النار إلا أياما معدودة»، قل: «اتخذتم عند الله عهدا، فلن يخلف الله عهده»، أماني يهود كثيرة. فقال الله عز وجل: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّكُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. برهنوا على ذلك. فالذي يريد أن يرجو شيئا لابد أن يسعى إلى تحصيله بحسب الإمكان. أما الأمني التي تضل أهلها، فهي لا تنفع. ولهذا كل راج خائف، والرجاء يستلزم الخوف. ولهذا قال: «كل راج خائف». والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير مخافة الفوات. قالوا: في جامع الترمذي، من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة». وهذا الحديث خرجه الإمام الترمذي من طريق يزيد بن سنان عن أبي حازم عن أبي هريرة، ويزيد بن سنان هو أبو فروة الرهاوي، وهو ضعيف قد ضعفه أحمد وغيره. لكن قد جاء هذا الحديث أيضا من طريق أخرى، من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبي الطفيل عن أبي بن كعب عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة». جاءت الراجفة، وتتبعها الرادفة، جاء الموت، جاء الموت. وهذا الحديث كما قلنا من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، وعبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه. وغالبا إذا تفرد بشيء فإنه لا يأخذ به تفرده، لأنه أحيانا يضطرب فيه الحديث. فالمهم أن بعض العلماء كالشيخ الألباني رحمه الله جعل هذا الحديث يشهد له حديث طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، فقال: إن الحديث حسن معنى بطريق عبد الله بن محمد بن عقيل، وجعل ضعف يزيد بن سنان ضعفا مما يستشهد به. فإن كان كذلك فهو يستشهد بحديث يزيد بن سنان مع حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، أي حديث أبي هريرة وحديث أبي بن كعب، فيحصل من ذلك أنه حسن، الله أعلم. قال: فأراد أن يستشهد المؤلف هنا بهذا الحديث أن من خاف أدلج، أسرع، ومن أدلج بلغ المنزل. معنى الذي خاف يدلج بسرعة، ويخرج معنى يدخل في هذا الباب ويسارع. فإذا سارع ودخل فإنه لا بد أن يبلغ المنزل، وهذا المنزل هو جنة الله جل وعلا. فقال: «ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة»، أي أنها ليست بالسهلة. قال رحمه الله: وهو سبحانه كما جعل الرجاء لأهل الأعمال الصالحة، فكذلك جعل الخوف لأهل الأعمال الصالحة. فعلم أن الرجاء والخوف النافع هو ما اقترن به العمل. ولهذا العمل لا يكون عملا صحيحا إلا إذا قارنه ثلاثة أشياء: المحبة، والتعظيم، وكذلك الخوف والرجاء. فهذا يكون عملا صالحا يقبله الله عز وجل. وأما إذا صار شيء من هذه الأمور الثلاثة معدوما، ليست في العمل، فالعمل ناقص. قد يكون أيضا غير مقبول إذا لم تكن فيه محبة وتعظيم لذلك العمل، لأنه معنى يحب هذا العمل كما حبه الله. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. فهذا جمع بين الخوف والرجاء، جمعوا بين الخوف والرجاء. الخوف بأنهم يلقون الله عز وجل مشركين به، فلهذا فهم خافوا من ذلك. وكذلك رجوا أنهم يلقون الله عز وجل لا يشركون به شيئا، وأنهم راجعون إلى الله عز وجل. ولهذا سارعوا في الخيرات. «أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون»، أي رجاء رحمة الله جل وعلا. قالوا: قد روى الترمذي في جامعه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، فقلت: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ فقال: «لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أن لا يتقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات». قالوا: قد روي من حديث أبي هريرة أيضا. وهذا الحديث خرجه الإمام الترمذي من حديث عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن عائشة رضي الله عنها. وعبد الرحمن بن سعيد بن وهب مدني ثقة، إلا أن الإمام الدارقطني وغيره قالوا: إنه لم يسمع من عائشة. وحديث أبي هريرة أيضا من طريقه، رواه عمر بن قيس عن عبد الرحمن بن سعيد عن أبي حازم عن أبي هريرة، أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم. والظاهر أن عمر بن قيس خلط فيه. قال له سفيان: خلط في حديث، فجعله من حديث أبي هريرة، وإنما هو من حديث عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن عائشة رضي الله عنها. قال: والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن. ولهذا لما قرأ الحسن البصري رحمه الله هذه الآيات، قال: «السلف جمعوا بين حسن العمل والخوف»، أو قالوا: «الخشية». والمنافقون جمعوا بين إساءة العمل والأمن. «أولئك أهل الإيمان جمعوا بين حسن العمل والخوف»، حسنوا أعمالهم وعملوا الصالحات، وهم يخافون أن لا يقبل منهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، أن يؤتون ما آتوا من الأعمال الصالحة، لكن أيضا قلوبهم وجلة أن لا يتقبل منهم الله عز وجل هذه الأعمال. قالوا: من تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم، وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف. ونحن جمعنا بين التقصير بل التفريط والأمن. فهذا الصديق رضي الله عنه... فذكر بعد ذلك عدة آثار عن الصحابة رضوان الله عليهم في الخوف. ومع أنهم كانوا من أفضل الناس أعمالا لله جل وعلا، إلا أنهم أيضا جمعوا بين العمل وبين الخوف من الله جل وعلا، والخوف أن لا يتقبل منهم هذا العمل. فإن شاء الله تعالى نذكر ذلك في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.