الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع استدلال ابن عبد البر بحديث "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله" على أن كل حامل للعلم عدل حتى يثبت جرحه، مع ذكر خلاف العلماء في صحة الحديث. كما يعرض قاعدة ابن حبان في أن الأصل في الناس العدالة، ورأي الخطيب البغدادي في تعريف العدالة، ثم يوضح ضعف رواية سماك بن حرب عن عكرمة في حديث الأعرابي الذي شهد بالهلال أمام النبي صلى الله عليه وسلم.
يبيّن المقطع أن الصحابي يُقبل خبره بلا اختبار لثبوت عدالتهم، بخلاف من بعدهم ممن فشى فيهم الكذب والوهم. لذا ذهب الجمهور إلى أن الأصل في الرواة الضعف وعدم الثقة حتى يتبين تعديلهم، وأن الدين بُني على الاحتياط في الحلال والحرام فلا يُقبل خبر إلا بعد معرفة عدالة راويه.
يناقش المقطع قول الخطيب البغدادي بأن رواية العدل عن مجهول لا تعد تعديلاً ضمنياً بالضرورة، ويستعرض خلاف العلماء في رفع الجهالة عن الراوي برواية الثقة عنه. ثم ينتقل لتحليل حديث "ليحمل هذا العلم" مبيناً أنه خبر بمعنى الأمر، أي وجوب أن يكون حامل العلم عدلاً، لا مجرد إخبار بواقع الحال، مستدلاً بلفظ "ليحمل" ووجود من يحمل العلم وهو غير عدل.
يوضح المقطع أنه إذا اعتبر الحديث خبراً على ظاهره، فيُحمل على الغالب فيمن يحمل هذا العلم، إذ غالباً ما يكون رواة العلم من العلماء والعدول لأن العلم دين، ولا يحمله إلا العدول غالباً. ويختتم المتحدث الجلسة داعياً بالفضل والصلاح.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وبعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قول ابن عبد البر: "كل حامل لهذا العلم معروف العناية به فهو عدل، محمول في أمره على العدالة حتى يتبين جرحه". وقد استدل ابن عبد البر بحديث: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله". وهذا الحديث هنا بيّن الشيخ له طرقاً، ذكر تسع طرق، والظاهر أن الحديث صحيح. وبعضهم قال: إنه ضعيف، ومعن بن رفاعة متكلم فيه، أو أنه مجهول. لكن الإمام أحمد يقول: لا بأس به، ولهذا صحح الحديث. لكن الحديث مرسل، ومن طرقه رواية إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، وإبراهيم ليس بصحابي، وإنما هو تابعي، فلذلك رأى بعض أهل العلم أن هذه الروايات يصحح بعضها بعضاً، أن يشهد بعضها لبعض. وبعضهم يرى أنها لا تعتد، لا يعتد بها، مثل ما قال العراقي رحمه الله: أن كلها ضعيفة. فالمهم أن هذا الحديث استدل به ابن عبد البر على ما قال: أن كل حامل لهذا العلم يعتبر عدلاً. قال: وجه الاستدلال أن الحديث إخبار بعدالة حملة هذا العلم من كل خلف. طيب، سيذكر بعد ذلك المؤلف الأجوبة على هذا. أنا الآن: ابن عبد البر يرى أن كل من حمل العلم فالحديث يخبر أنه عدل. لكن هل هذا مفهوم الحديث صحيح؟ هل هكذا مراد: أن كل من يحمل العلم فهو عدل؟ أنا هذا يا إخواني، الواقع يا إخواني، الواقع ليس كل من حمل العلم هو عدل، فوجد من أهل العلم من هو يكذب صراحة وهو عنده علم، ووجد من أهل العلم من يهم كثيراً، ووجد من أهل العلم من أيضاً ردئ الحفظ جداً لا يحفظ شيئاً، وهكذا. فالواقع يخالف حمل هذا الحديث على هذا، وسيأتي إن شاء الله تعالى كلام المؤلف في مسألة حمل الحديث على هذا الوجه. فالآن ابن عبد البر يرى أن كل من حمل العلم ومن عنده علم فهو عدل، فهو عدل. "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله". قال: قول ابن حبان: "أن العدل من لم يعرف فيه الجرح، إذ التجريح ضد التعديل، فمن لم يجرح فهو عدل حتى يتبين جرحه". هذه قاعدة ابن حبان، وهي التي جعلته يوثق المجاهيل. يقول: أن الأصل في الناس العدالة، فالعدل هو الذي لم يعرف فيه الجرح، على أن الأصل هو العدالة، فكل من لم يجرح فهو عدل. كل من لم يجرح فهو عدل. قال: ونحو ما نقله الخطيب البغدادي بقول: "وزعم أهل العراق أن العدالة هي إظهار الإسلام وسلامة المسلم من فسق ظاهر، فمتى كانت هذه حاله وجب أن يكون عدلاً". قال: وأدلة ذلك ما يلي: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: إني رأيت الهلال. قال: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟" قال: نعم. قال: "أتشهد أن محمداً رسول الله؟" قال: نعم. قال: "يا بلال، أذن في الناس فليصوموا غداً". وهذا الحديث كما ذكر المعلق أنه من طريق سماك بن حرب عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس، ورواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب، مضطربة، أنا مضطربة، أن يضطرب في روايته عن عكرمة، إما أنه لم يحفظ ما ذكره أو ما جاء عن عكرمة، أو ضاعت عليه الأوراق التي كان يكتبها عن عكرمة، فلذلك اضطرب في رواية عكرمة. وبعض أهل العلم صحح رواية بعض القدماء عنه، مثل: زائدة بن قدامة، ومثل شعبة، وسفيان. وأيضاً بعضهم يذكر: أبو الأحوص، أيضاً أبو الأحوص، أو لم يذكره زائدة، لكن ذكر ثلاثة كما ذكر الإمام الدارقطني في السنن، قال: فإذا روى عن سماك سفيان، أو شعبة، أو أبو الأحوص، فروايته صحيحة. أبو الأحوص هو سلام بن سليم. فقال: إذا روى أحد هؤلاء الثلاثة فروايته صحيحة، لأنهم رووا عنه قديماً. لكن كلام كثير من أهل العلم يدل على أن رواية سماك عن عكرمة مضطربة مطلقاً، أن الأصل أنه يضطرب في روايته عن عكرمة، ومعنى يضطرب: أنه لم يحفظ، لم يحفظ حديث عكرمة جيداً، فتجده يغير ويبدل فيها، ساعٍ يرسلها، ساعٍ مثلاً يوصلها، فلذلك يقولون: مضطربة. فهذا الحديث لا يصح، لأن سفيان - ومعه جماعة من العلماء - رووه عن شعبة، وعن سفيان مرسلاً، رواه سفيان الثوري عن عكرمة مرسلاً، فالصحيح فيه الإرسال، كما رجح ذلك الشيخ هنا. طيب، قال: قال وجه الدلالة من الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام قبل خبر الأعرابي من غير أن يختبر عدالته بشيء سوى ظاهر إسلامه. قال أيضاً: أن الصحابة رضي الله عنهم عملوا بأخبار النساء والعبيد، ومن تحمل الحديث طفلاً وأداه بالغاً، واعتمدوا في العمل بالأخبار على ظاهر الإسلام. لكن هذا في الصحابة رضي الله عنهم، وذاك الجيل متفق على عدالتهم، ولهذا لا يخلط هذا بهذا، لأن ما بعد القرون المفضلة قد فشى الكذب كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يفشو الكذب، فما دام أنه حصل فغالباً الكذب لا يكون بسرعة يفشو، لكن يتدرج. فالصحابة رضي الله عنهم عدول لا شك في ذلك، التابعون لأصل أن فيهم العدالة، لكن حصل فيهم الأوهام، وحصل فيهم من يكذب، وهكذا، فلذلك قبول روايتهم فيه شيء، أو فيه شك، وأما قبول رواية الصحابة لا شك فيها، فلذلك فما ذكره هنا غير وارد. أي الآن المؤلف يذكر ما ذكره. قال: جيم: أن الناس لم يكلفوا معرفة ما غاب عنهم، وإنما كلفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم. لكن هذه مسألة: جهالة الراوي وعدم معرفته، فالدين قائم على الاحتياط، هذا دين حلال وحرام، فلذلك فلا يأخذ من كل أحد، وإنما يحتاط له، ولهذا من الحيطة أننا لا نقبل، لا نقبل كلام أحد في الأحاديث إلا إذا عرفنا عدالته، إذا عرفنا ثقته، كما تقدم في كلام العلماء. ولهذا قال بعض أهل العلم: أن الأصل في الناس الضعف، أو أصل في الرواة أقصد الضعف، حتى يتبين عدالته. الأصل في الرواة الضعف، لأنه لو كان مجهولاً كان ضعيفاً، فلذلك في الأصل فيهم الضعف إلا أن يتبين تعديله، يعني يأتي تعديله من العلماء. قال: والراجح مذهب الجمهور، لأنه مقتضى الاحتياط للرواية، إذن مقصود توثيق الراوي للتعريف به فقط، ولأنه كما قلنا: أن الدين مبني على الاحتياط، لأن فيه الأمر حلال وحرام، فما دام في بعض المسائل التي يشك فيها الحلال والحرام يبقى الأصل التوقف. مثلاً الآن كما ذكر الشيخ ابن سعدي: أن مسألة الأضاحي، ومسألة اللحوم، الأصل فيها الحرمة، لماذا؟ لأن يحصل الاشتباه: هل هذا حلال أو حرام؟ مثلاً اللحوم: هل ذبح أو لم يذبح؟ معنى ذبح: أفضى ذبحاً صحيحاً أو لم يذبح ذبحاً صحيحاً على وفق الشريعة؟ مثلاً لكن بعد ذلك جاء للنبي صلى الله عليه وسلم في... إذا كان لم يعرف، لكن الأصل في الحيوانات أنها حرام. في الصيد مثلاً: الآن مثلاً في الصيد تجد أنه احتياط عظيم، النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ثعلبة: "إن وجدت كلبك الذي أرسلته على الصيد ووجدت كلباً آخر فلا تأخذه، فإنك لا تدري أكلبك الذي قتل أو غيره". وقال له أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا جئت إلى الصيد فوجدت الكلب قد أكل منه فلا تأكله، لأنه صاده لنفسه ولم يصده له". وغيرها من هذا. إذا ترد أيضاً جاء في السنن: إذا ترد الصيد ووجد في الماء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "لا تأكله". لماذا؟ لأنك لا تدري هل قتله سهمك وسلاحك، أو قتله الماء، أو قتله الترد من الجبل. وكل هذا يدل على الاحتياط، أنه لا يحل حتى يعرف أن سهمه الذي قتل، أو كلبه الذي قتل. فما دام أنه في قضية واحدة جاءت هذه الاحتمالات، فما بالك في دين الله عز وجل، وخاصة في الحلال والحرام؟ لهذا كانوا ألين من يقولون: إذا جاء الحلال والحرام كما قال أحمد: "إذا جاء الحلال والحرام شددنا، وإذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا"، أنه إذا كان في الترغيب والترهيب في السيرة تساهلون في رواية بعض الرواة، لكن في الحلال والحرام ما يتساهل، يشددون في رواية الحلال والحرام، لأن هذا شيء إما حلال وإما حرام، فلذلك قال العلماء: أن الاحتياط هو أن الأصل يقال: أن الأصل في الرواة عدم الثقة حتى تتبين ثقته، حتى تتبين ثقته. طيب، قال: الأجوبة. الأجوبة أولاً عن القول الثاني: قال الخطيب البغدادي: "ويجوز أن يكون العدل لا يعرف عدالة من روى عنه، فلا تكون روايته عنه تعديلاً ولا خبراً عن صدقه، بل يروي عنه لأغراض يقصدها". كيف؟ قد وجد جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم أحاديث، أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم مع علمهم بأنها غير مرضية، وفي بعض يشهدوا عليهم بالكذب في الرواية، وفي السداد الآراء المذاهب. هذا واقع، فقد روى من الأئمة من روى عن أناس ضعفاء. لكن ممكن مثلاً يقال: من مثلا من اعتدنا أنه لا يروي إلا عن ثقة، فهل روايته عن الشخص المجهول تعتبر رواية تعديلاً؟ لا، ممكن يقال: أنه تعديل عنده، أناس ثقة عنده، وينظر في كلام الآخرين. فما دام أن إذا قلنا: إذا صرح به بعضهم، معنى بعض العلماء صرح بأن هذا عدل، قلنا: إذا خالفه غيره لا يقبل قوله. لكن إذا كان مجهولاً فنقول: أنه ثقة عنده. فإن كان هذا الإمام من الأئمة المعتبرين الذي لا إشكال في كلامهم، فهذا يدل على أنه ثقة، يدل على أنه يؤخذ على أنه ثقة إذا كان مجهولاً. ولهذا مثلاً في قول أبي داود: "مشايخ حريز بن عثمان كلهم ثقات"، مشايخ حريز بن عثمان كلهم ثقات، فهذه القاعدة أخذ بها بعض أهل العلم ومشى عليها، فكل ما قابله من مشايخ حريز المجاهيل قال: ثقة، أنا أقول: هذا ثقة، لأن أبا داود قال: أن مشايخهم كلهم ثقات. فإذا علمنا أن الشخص لا يروي إلا عن ثقة، فممكن هذا نقول: أن روايته توثيق ضمني، توثيق ضمني، إذا لم يعارض، فلم يوجد عنده مثلاً توثيق للمجاهيل وكذا، مثل ما يذكر عن العجلي، وعن ابن حبان، وغيره. قال: أن ما حكاه الذهبي عن الجمهور قد تعقبه عليه ابن حجر، أن يرونه ثقة، هذا ليس بصحيح، عن رواية الثقة عن المجهول ترفعه إلى الثقة. ابن حزم قال: نعم ترفعه، لكن ترفعه إلى... هل ترفعه من الجهالة إلى الثقة، أو قال: تنفعه؟ هل تنفعه في معنى أنه يكون ثقة؟ قد يكون لا تنفعه، مثلاً في الاستشهاد بروايته تنفعه، كذلك في رفعه من الجهالة العين إلى جهالة الحال. ولهذا إذا روى مثلاً الإمام من هؤلاء الأئمة عن رجل من هؤلاء المجاهيل مثلاً وغيره، فهذا يرفعه لا شك، وينتفع بها، لكن هل ينتفع بها يقال: أنه ثقة؟ فهذا عند الجمهور: لا، لابد من التنصيص على ثقة، وإنما يقال: أنه يقبل في الشواهد المتابعات، ترفع جهالته إلى جهالة الحال، وهكذا. فقال: وهذا الذي نسبه الجمهور لم يصرح به أحد من أئمة النقد، لابن حبان: نعم، هو حق في حق من كان مشهوراً بطلب الحديث والانتساب إليه. نعم، هو حق في حق من كان مشهوراً بطلب الحديث والانتساب إليه. وهذا كما قلنا هو مذهب أحمد. قال: ثانياً: الأجوبة عن دليل القول الثالث: ضعف أسانيده. أنا حديث... حديث عبد الرحمن، عبد الرحمن العذري، أنه يقول: ضعف الأسانيد، أنه على فرض ثبوت فهو خبر بمعنى الأمر، ويدل على ذلك... هذا يقال: خبر بمعنى الأمر، هو خبر بمعنى الأمر، فهو النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد يخبر، مثلاً لم يرد يخبر أن من حمل العلم يكون عدلاً، لا، وإنما أراد أن يبين أن الذين يحملون العلم لابد أن يكون عدولاً، أهل صدق وأهل أمانة. ولهذا جاء في لفظ: "ليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله"، ليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، فهنا جاء خبر لكن بمعنى الأمر، أن من أراد أن يحمل هذا العلم فلا يحمله إلا من كان عدلاً، هؤلاء الذين يحملون الحديث العدول هم الذين ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. طيب، قال: وورد إحدى رواياته بلفظ: "ليحمل هذا العلم"، كما ذكر ابن الصلاح رحمه الله، وإن كانت هي من رواية مبشر بن إسماعيل، كما ذكر الشيخ، ومبشر ضعيف، بشر ضعيف. لكن حمل الحديث على هذا... أو لا، أيها الإخوة، لحمله هذا العلم أنه لا يصح أن يكون خبراً على حقيقته، لوجود من يحمل هذا العلم وهو غير عدل. لهذا قال ابن عبد البر: "حتى يتبين جرحه". قاد: إذا اعتبر الحديث خبراً على ظاهره فيمكن حمله على الغالب في من يحمل هذا العلم، لكونه مظنة للعدالة، أنه إذا اعتبرنا الخبر على ظاهره أنه خبر، الحديث إذا اعتبرنا أنه على ظاهره خبراً، قال: فيمكن حمله على الغالب في من يحمل هذا العلم، وهذا صحيح، أن غالباً من يحمل هذا العلم يكونون من العلماء أو من العدول، لأن هذا العلم هو الدين، ولهذا لا يحمله إلا العدول غالباً، إلا قد حمله غيرهم. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، وإن شاء الله لكم الفضل والصلاح.