الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 5، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يواصل الشيخ شرح كتاب «الداء والدواء» لابن القيم مركزًا على الدعاء كدواء نافع وشروط قبوله وأوقاته وآدابه. يفصل في مسألة الاسم الأعظم لله تعالى والاختلاف فيه بين «الله» و«الحي القيوم» مع سوق الأحاديث الواردة وبيان درجات صحتها.
يتناول شرح حديث «ألظوا بياذ الجلال والإكرام» وبيان معناه بالمداومة على الدعاء، ثم يستعرض أحاديث «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» مع تفصيل ضعفها وحسنها. يذكر حديث اسم الله الأعظم في ثلاث سور وأنه «الحي القيوم» ويختم بحديث دعوة ذي النون وثبوت استجابتها.
يشرح دعاء ذي النون (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) مبينًا تضمنه التوسل بالتوحيد وتنزيه الله والاعتراف بالظلم. يستعرض الأحاديث الواردة في فضله عند الكرب ويناقش أسانيدها وتصحيح العلماء لها مع ذكر أدعية مأثورة أخرى.
يورد حديث ابن مسعود عن دعاء «اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك» الذي يذهب الله به الهم والحزن ويبدله فرحًا مع بيان تصحيحه. يؤكد وجوب تعلمه ويذكر أثرًا ضعيفًا عن الأنبياء بالاستغاثة بالتسبيح ثم يشرع في قصة الصحابي أبي معلق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا. أما بعد: فمرَّةً معنا في الدرس الماضي ضمن الكلام حول هذا الكتاب القيم، وهذه الرسالة النافعة لشيخ الإسلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، الموسومة بـ «الداء والدواء»، وكما سبق لها اسم آخر ألا وهو «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي». وكم لهذا الكتاب من فائدة عظيمة، وهكذا من العلم النافع الذي يحتاجه الخاصة، وهكذا أيضًا عامة المسلمين. فقد أجاد وأفاد رحمه الله تعالى في وضع الدواء على الداء، وهكذا بيّن رحمه الله تعالى العلاجات النافعة التي يحصل بسببها الشفاء بإذن الله عز وجل. ولا زال رحمه الله تعالى يستطرد في الكلام حول دواء يعتبر من أنفع الأدوية، ألا وهو الدعاء. وقد مر معنا في الدرس الماضي فصل في شروط قبول الدعاء، وهكذا أيضًا ذكر رحمه الله تعالى بعض الأوقات التي هي مظنة إجابة الدعاء. فإذا جمع مع الدعاء حضور القلب وجماعته بكليته على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات إجابة الدعاء، كان ذلك مظنة استجابة هذا الدعاء. وهكذا ذكر رحمه الله تعالى بعض الآداب المتعلقة بالدعاء: كرفع اليدين عند الدعاء، وهكذا استقبال القبلة، وهكذا الطهارة، وهكذا أيضًا أن يبدأ في دعائه بحمد الله تعالى والثناء عليه، ثم بالصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم. وهكذا لربما قدم بين يدي دعائه التوبة والاستغفار، وألح على الله عز وجل في الدعاء، وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدم بين يدي دعائه صدقة. وليس هناك دليل على تقديم الصدقة خاصة بين يدي الدعاء، لكنها من الأعمال الصالحة التي لربما تكون سببًا في قبول الدعاء. فالصدقة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم تطفئ غضب الرب تبارك وتعالى. فمثل هذا الدعاء كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى قال: «لا يكاد يرد أبدًا، لا يكاد يرد أبدًا». ولا سيما إن صادف الأدعية المأثورة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم، أي الاسم الأعظم لله تبارك وتعالى الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. واختلف العلماء في الاسم الأعظم لله تبارك وتعالى، واختار كثير من أهل العلم أن الاسم الأعظم هو لفظ الجلالة «الله». قالوا: إن جميع الأسماء ترجع إلى هذا الاسم لإضافة الأسماء إلى هذا الاسم، كما في قوله عز وجل: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فاختار بعضهم أن لفظ الجلالة «الله» هو الاسم الأعظم الذي ورد ذكره في أحاديث فيها أن من دعا الله عز وجل به استجيب دعاؤه، كما سيأتي معنا إن شاء الله عز وجل في الكلام حول بعض الأدعية التي وردت وأنها مظنة الإجابة. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الاسم الأعظم هو «الحي القيوم». قالوا: «الحي القيوم» هذا هو الاسم الأعظم، وهذا الذي ذكره الإمام ابن القيم في كتابه «زاد المعاد». وهذان القولان يعتبران من أقوى ما ورد في هذه المسألة. ومن أهل العلم من ذكر أن الاسم الأعظم لا يختص باسم معين، وإنما أسماء الله عز وجل كلها حسنة، وكلها كذلك أيضًا عظيمة، كلها عظيمة. قال رحمه الله تعالى: «فمنها» أي من هذه الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي أخبر أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم، قال: «فمنها ما في السنن وصحيح ابن حبان من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فقال -أي النبي صلى الله عليه وسلم-: لقد سأل الله بالاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، وإذا دعي به أجاب». قال: «وفي لفظ: لقد سألت الله باسمه الأعظم». والحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «صحيح الترغيب والترهيب» وغيرها من كتبه. قال رحمه الله تعالى: «قال: وفي السنن وصحيح ابن حبان أيضًا من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا ورجل يصلي، ثم دعا -أي الرجل- ثم دعا فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى». قال: «وأخرج الحديثين الإمام أحمد في مسنده». وهذا الحديث الآخر حديث أنس عند أصحاب السنن: عند أبي داود والترمذي وابن ماجه، وهكذا أخرجه أحمد كذلك. صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. فالأول من حديث بريدة، والآخر من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما. قال: «وفي جامع الترمذي» -وكتاب الترمذي يسمى بالجامع، جامع الترمذي، وهكذا أيضًا يسمى بسنن الترمذي، وإطلاق اسم السنن على كتاب الترمذي هو الأشهر وهو الأكثر، فهو أحد السنن الأربع إضافة إلى أبي داود والنسائي وابن ماجه، ولهذا يقال: أخرجه الأربعة، ويعنى بذلك أصحاب السنن هؤلاء-. قال: «وفي جامع الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ﴾، وفاتحة آل عمران، أي أول آل عمران: ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح». قال: «قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح». وهذا الحديث جاء من طريق عبيد الله بن أبي زياد عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإسناده ضعيف لضعف عبيد الله بن أبي زياد، وهكذا لضعف شهر بن حوشب، فكلاهما ضعيف. لكن الحديث له شواهد صححه بها بعض أهل العلم كابن الطحاوي، صحح الحديث، وهكذا حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، حسنه لغيره. وما هو الحسن لغيره؟ ما هو الحسن لغيره يا أبا الفاروق؟ أحسن: الحديث الضعيف الذي ضعفه ليس بشديد، إذا جاء من طريق أخرى أو من طرق أخرى يقال: حسن لغيره. قال رحمه الله تعالى: «قال: وفي مسند الإمام أحمد وصحيح الحاكم» -ماذا يسمى صحيح الحاكم يا صالح؟ اسمه ماذا على الصحيحين؟ كتاب الحاكم الذي يعبر عنه ابن القيم وغيره بالصحيح، اسمه ماذا؟ نعم: «المستدرك على الصحيحين». ذهب إلى أحاديث ويرى أنها صحيحة ولم يخرجها البخاري ولا مسلم، فيأتي بالحديث ويقول في آخره: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وغيرها من عباراته. فصحيح الحاكم المقصود به «المستدرك على الصحيحين»-. قال: «وفي مسند الإمام أحمد وصحيح الحاكم من حديث أبي هريرة وأنس وأنس بن مالك وربيعة بن عامر رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ألظوا بياذ الجلال والإكرام». يعني ما معنى «ألظوا»؟ قال: يعني تعلقوا بها والزموها وداوموا عليها، وداوموا عليها. وهذا الحديث كما ذكر في مسند أحمد، وهكذا عند الحاكم، وهكذا أيضًا أخرجه النسائي في سننه الكبرى. وقد صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «صحيح الجامع»، كما في «صحيح الجامع». ومعنى قوله: «ألظوا بياذ الجلال والإكرام» يعني: اجعلوها في دعائكم. ليس معناه أن الواحد يبقى يقول: يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الجلال والإكرام، لا، وإنما اجعلها في دعائك، تقول مثلًا: يا ذا الجلال والإكرام اغفر لي، أو اغفر لي يا ذا الجلال والإكرام، فتجعلها في دعائك، وتلازمها وتحافظ عليها لأنها دعوة عظيمة. فقوله «ألظوا» هذا يا إخوان يفيد ماذا؟ العناية بهذا الدعاء والاهتمام به، والاهتمام به. قلنا: أن يجعلها وسيلة بين يدي دعائه وحاجته وسؤاله لربه عز وجل. قال: «وفي جامع الترمذي» -ما اسم الترمذي؟ ما اسم الترمذي يا أبا البربهاري؟ ما اسم الترمذي؟ أبو عيسى، واسمه من؟ أبوه عيسى، واسمه من؟ نعم: محمد بن عيسى، أبو عيسى الترمذي. وكم يا إخوان تتردد معنا هذه النسب: الترمذي والنسائي والبخاري والنيسابوري مسلم، وهكذا السجستاني وغيرهم؟ ومعظم هؤلاء هم يعتبرون من العجم وليس من العرب، وليس من العرب. وبهذا نعلم يا إخوان أن العلم يسخر الله له من شاء من خلقه وعبيده، من شاء من خلقه وعبيده. قد يحرمه العربي ويرزقه الأعجمي، قد يناله البعيد ويحرمه القريب. لاحظوا قصة سلمان الخير، سلمان الفارسي، أتى من بلاد فارس وقصته معروفة، وصل إلى الشام ومصر وتنقل حتى وصل إلى جزيرة العرب عبدًا مملوكًا مظلوما، وجعل يعمل عند بعض الناس في المدينة حتى سمع بمجيء النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقصته معروفة، بين ماء ناس في مكة وبين ظهراني النبي صلى الله عليه وسلم فآذوه وأخرجوه وحاربوه. انظر إلى الحرمان الذي وقع لبعض هؤلاء على قربهم، على قربهم. وهكذا غيرها من النماذج. قال: «وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أهمه الأمر» -ومعنى أهمه: أي إذا شق عليه الأمر، وكذلك أيضًا إذا شق عليه الأمر- «قال: كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء فقال: سبحان الله العظيم، فقال: سبحان الله العظيم. قال: وإذا اجتهد في الدعاء قال: يا حي يا قيوم، قال: يا حي يا قيوم». وهذا الحديث لا يصح، ففي إسناده إبراهيم بن الفضل المخزومي، إبراهيم بن الفضل المخزومي وهو متروك، ومتروك تعتبر من صيغ الجرح الشديدة، يقال: متروك، وماذا؟ ضعيف، يعتبر شديدًا. ولهذا ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء على الأمة»، على الأمة. قال: «وفيه أيضًا» -وقوله «وفيه» الضمير يعود إلى من؟ إلى جامع الترمذي، أحسنت- «إلى جامع الترمذي. قال: وفيه أيضًا من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمر، إذا كربه أمر -أي إذا أهمه أمر وشق عليه- قال: إذا كربه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث». وهذا الحديث كما ذكر فقد أخرجه الترمذي وغيره، والحديث في إسناده رجل يقال له يزيد الرقاشي، في إسناده يزيد الرقاشي، هذا يزيد الرقاشي قالوا فيه: واه، واه، أي أن ضعفه شديد جدًا، واه. وجاء عند النسائي الكبرى، وهكذا الطبراني والبيهقي وغيرهم، بسند صححه جماعة من أهل العلم، وله شاهد كذلك أيضًا من حديث ابن مسعود، من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم عن أبيه عن ابن مسعود، واختلف العلماء في ذكر والد القاسم. وعلى كل، الحديث يصلح للتحسين، يصلح للتحسين. ولهذا حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «سلسلة الأحاديث الصحيحة»، وهكذا أيضًا في تخريجه لـ «الكلم الطيب»، وهكذا غيرها من كتبه. فالحديث حسن. قال رحمه الله تعالى: «وقوله: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمر، أي أهمه، وهكذا شق عليه أمر، فإنه ماذا يفعل؟ قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث». وهذا فيه توسل، هذا فيه توسل إلى الله عز وجل بهذين الاسمين: بالحي والقيوم، بالحي والقيوم. وماذا؟ هما يعتبران من الأسماء الجوامع للصفات الكثيرة والعظيمة والنعوت الجليلة لله تبارك وتعالى: الحي، وهكذا أيضًا القيوم، وهكذا القيوم. ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ما في «الصحيحين»: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، طرفة عين». قال رحمه الله تعالى: «قال: وفي صحيح الحاكم من حديث أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن: البقرة وآل عمران وطه. قال القاسم: فالتمستها، قال: فإذا هي آية الحي القيوم، قال القاسم: فالتمستها فإذا هي آية الحي القيوم». وهذا الحديث حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «سلسلة الأحاديث الصحيحة»، أخرجه الحاكم، وهكذا أيضًا ابن ماجه وغيرهما، وغيرهما. وهذا من الأحاديث التي استدل بها من ذهب إلى أن الاسم الأعظم هو الحي القيوم، كما سبق، كما سبق. قال رحمه الله تعالى: «قال: وفي جامع الترمذي» -وهذا اللفظ: الحي القيوم، أو أن هذين الاسمين تكرر في هذه السور الثلاث: البقرة في أول -أو في آية الكرسي-، وهكذا أول سورة آل عمران، وهكذا في آخر سورة طه-. قال: «وفي جامع الترمذي وصحيح الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. إنه لم يدعو بها مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له. قال الترمذي: حديث صحيح. قال الترمذي: حديث صحيح». وقوله رحمه الله تعالى ههنا: «دعوة ذي النون»، من هو ذو النون يا أبا طاهر؟ من هو ذو النون؟ نبي الله يونس، أحسنت. وما معنى «ذي النون»؟ وما معنى «ذي النون» يا أبا حنيفة؟ ذو النون، نعم، نعم، صاحب الحوت. ذو النون: أي صاحب الحوت، فالمقصود بالنون ههنا أي الحوت. ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. قال الله عز وجل: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: «دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت». وهذا توحيد يا إخوان، ولهذا هذه الدعوة العظيمة تضمنت أمورًا ثلاثة: فيها توسل إلى الله عز وجل. الأمر الأول: في قوله «لا إله إلا أنت»، فتوسل إلى الله عز وجل بالتوحيد. وهكذا الأمر الثاني: في قوله «سبحانك»، ما معنى «سبحانك» يا سبحان؟ ما معنى «سبحانك»؟ ما هو التسبيح؟ ما هو التسبيح؟ لما نقول «سبحان الله» أو «سبحان الله وبحمده»؟ معرفة معاني الأذكار يا إخوان تعين على التدبر واستشعار عظمة المذكور وهو الله تبارك وتعالى. نعم، لما تقول «سبحان الله» لاحظ أن الله إذا ذكر في القرآن ما افتراه الكافرون من نسبة الشريك، يقول الله: «سبحانه»، أو نسبة الزوجة أو الولد إلى الله عز وجل، فيقول الله مثلًا: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾. ما هو التسبيح؟ ولك أن تحيل على غيرك، ومن أحال فإنه يحيل على ملي. تفضل يا أبا مريم، أجب أو أحل، والحوالة مشروعة، يعني الأقربون. تفضل، أجب أو أحل على أبي الفاروق. هاتي، أبي الفاروق، أحسن: التسبيح هو تنزيه الله عز وجل عن كل نقص وعيب، عن كل نقص وعيب. فننفي عن الله عز وجل النقائص والعيوب، النقائص والعيوب. إذن الأمر الثاني الذي حصل التوسل به إلى الله عز وجل هو تنزيهه سبحانه عن كل ما لا يليق بجلاله وعظمته وكماله سبحانه. الأمر الثالث: «إني كنت من الظالمين». وهذا يا إخوان فيه اعتراف بالتقصير، وهكذا أيضًا اعتراف بالفقر والضعف والحاجة إلى الله تبارك وتعالى، والحاجة إلى الله تبارك وتعالى. قال: «قال: إنه لم يدعو بها مسلم في شيء قط»، وهذا عام يا إخوان، قال: «إلا استجاب الله له، إلا استجاب الله له». والحديث كما سبق صحيح، صححه جماعة من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وقوله ههنا: «قال الترمذي: حديث صحيح». ذكر بعض العلماء أنه لم يعز ذلك إلى الترمذي غير ابن القيم في هذا الكتاب، في هذا الكتاب، وأن هذا لا يوجد في كتاب الترمذي، ولم ينقله عنه أحد، فذكره ابن القيم ههنا، ولعله ذكره من حفظه رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «قال: وفي صحيح الحاكم أيضًا من حديث سعد» -أي ابن أبي وقاص الذي ذكر في الحديث الذي قبله- «قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم كرب أو بلاء من بلايا الدنيا فدعى به يفرج الله عنه؟ إذا نزل برجل منكم كرب» -والكرب أي ماذا؟ أي المصيبة العظيمة- «أو بلاء من بلايا الدنيا فدعى به يفرج، يفرج عنه» -أي تزول عنه تلك الكربة والمصيبة- «قالوا: بلى يا رسول الله. قال: دعاء ذي النون، دعاء ذي النون» -يعني ما سبق: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين-. وهذا الحديث رواه الترمذي، وهكذا الحاكم، وهو من طريق عبيد المحاربي، وهو ضعيف، عبيد المحاربي ضعيف، لكن يشهد له ما قبله، يشهد له ما قبله. ولهذا صححه جماعة من أهل العلم، منهم العلامة الألباني رحمه الله كما في «السلسلة الصحيحة». قال رحمه الله تعالى: «قال: وفي صحيحه أيضًا» -والضمير يعود إلى من؟ وفي صحيحه أيضًا يا أبا أحمد، الحاكم في المستدرك- «قال عنه وعنه» -أي عن سعد بن أبي وقاص-. وسعد يا إخوان إذا ذكر، ذكر آه، ماذا؟ ذكر رجل عظيم، أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، وأحد العشر المبشرين بالجنة. ذكر رجل عظيم له بطولات ومواقف عظيمة مع النبي صلى الله عليه وسلم، أول من رمى بسهم في سبيل الله، وجمع له النبي صلى الله عليه وسلم أبويه، قال: «ارم سعد فداك أبي وأمي»، إلى غيرها من مناقب سعد رضي الله تعالى عنه. قال: «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هل أدلكم على اسم الله الأعظم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: دعاء يونس. فقال رجل: يا رسول الله، هل كانت ليونس خاصة؟ فقال -أي النبي صلى الله عليه وسلم-: ألا تسمع قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: فأيما مسلم دعا بها في مرضه أربعين مرة، فمات في مرضه ذلك أعطي أجر شهيد، وإن برأ برأ مغفورًا له» -يعني: إن مات فيعطى أجر شهيد، وإن برأ أي شُفي، فإنه يشفى مغفورًا له ذنبه، مغفورًا له ذنبه-. وهذا الحديث رواه الحاكم من طريق أحمد بن عمر السكسكي عن أبيه عن محمد بن زيد عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص. الحديث وهذا الإسناد يا إخوان ضعيف جدًا، وذلك أن أحمد بن عمر السكسكي هذا مجهول، وأبوه عمر السكسكي منكر الحديث، أي ضعفه شديد، وأخطأ أبوه فقال: عن محمد بن زيد، صوابه: علي بن زيد، صوابه: علي بن زيد، وهو ابن جدعان، وهو ضعيف، علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. وجاء هذا الحديث عند الإمام ابن جرير الطبري بسند حسنه جماعة من أهل العلم، حسنه جماعة من أهل العلم، والعلامة الألباني رحمه الله تعالى، العلامة الألباني رحمه الله تعالى صحح هذا الحديث بشواهده. فالحديث يصلح للتحسين أو التصحيح، فالعلامة الألباني رحمه الله تعالى ممن صححه، ممن صححه. قال: «وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنه أو عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم». وهذا كما ذكر في الصحيحين. وهذا يا إخوان يعتبر من الأذكار العظيمة التي يؤتى بها عند الكرب، عند المصيبة، إذا أصاب الإنسان حزن شديد فيؤتى بهذا. قال: «وفي مسند الإمام أحمد من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل بي كرب أن أقول: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله وتبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين». وهذا الحديث يا إخوان في إسناده، في إسناده مقال، أي في إسناده ضعف، في إسناده ضعف. فأخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهكذا الترمذي، وهكذا الترمذي، وهو عند الحاكم والبيهقي وابن حبان والطبراني والبزار وغيرهم، وغيرهم. وقد ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «ضعيف الجامع». وجاء نحوه من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، لكن الحديث لا يصح. قلنا: الحديث آه، ماذا؟ آه، ضعيف، وقد ضعفه العلامة الألباني رحمه الله. قال: «وفي مسنده» -أي الإمام أحمد أيضًا- «من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك» -والأنثى يقال لها: أمة، يقال: عبد الله وأمة الله- «قال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك» -والناصية هي مقدم الرأس، لنسفعا بالناصية، فالناصية هنا منبت الشعر، مقدم الرأس، وهذه ماذا تسمى؟ هذه ماذا تسمى هذه؟ ناصية. وهذه أين؟ أبو الحسن، فطرة، أين هو موجود؟ نعم، مختبئ. هذه ناصية. وهذا ماذا يسمى؟ أحسن: هذه تسمى جبهة، هذه تسمى جبهة-. «ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضائك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك». وقوله: «أو استأثرت به في علم الغيب عندك» دليل على أن أسماء الله عز وجل كثيرة وليست محصورة في تسعة وتسعين اسمًا. «أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي». قال: «إلا أذهب الله عز وجل همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا، وأبدله مكانه فرحًا» -في بعض النسخ: «وأبدله مكانه فرجًا، فرجًا» يعني ومخرجًا من هذا الهم والحزن، وفي بعضها: «فرحًا»-. «قال: فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ قال: بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها». وهذا الحديث حديث صححه جماعة من أهل العلم، منهم الإمام ابن القيم كما في بعض كتبه الأخرى كـ «الصواعق المرسلة» وغيرها، وهكذا العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «السلسلة الصحيحة»، كما في «السلسلة الصحيحة». وهذا يا إخوان إن دل على شيء دل على أهمية هذا الذكر وهذا الدعاء، وما أكثر حاجتنا إليه. قال: «وقال ابن مسعود: ما قرب نبي من الأنبياء» -أي ما أصاب نبيًا منهم كربًا- «قال: إلا استغاث بالتسبيح، إلا استغاث بالتسبيح». وهذا الأثر عن ابن مسعود، هذا الأثر عن ابن مسعود إسناده ضعيف، جاء من طريق أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه ابن مسعود، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لم يسمع من أبيه، وهو موقوف عن ابن مسعود، وليس مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليس، وليس مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: «قال: وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب «المجابين في الدعاء» عن الحسن» -أي الحسن بن أبي الحسن البصري، سيد التابعين- «قال: كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار يكنى أبا معلق، أبا معلق. قال: وكان تاجرًا يتجر بمال له ولغيره، قال: يضرب به في الآفاق، سافر. قال: وكان ناسكًا ورعًا، ناسكًا أي عابدًا ورعًا. قال: فخرج مرة فلقيه لص، أي سارق، فلقيه لص مقنع في السلاح، فقال له: ضع ما معك، فإني قاتلك. قال