الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 21، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع أن مراعاة مناهج الأئمة وأسباب جرحهم أو تعديلهم تُعد من أهم ضوابط الترجيح عند التعارض، لأن اختلاف المناهج قد يقلب الحكم. ويضرب المثال بالإمام أحمد الذي كان يمرر أحاديث رواة جرحهم شيخه يحيى بن سعيد القطان لعلمه بتشدد الأخير، مؤكداً استمرار حاجة هذا العلم وقواعده.
يستعرض المقطع منهج المحدثين في الجرح والتعديل مبيناً أن شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان كانا متشددين في ترك حديث الراوي بالغلطة أو الغلطتين. بينما اختلف العلماء في تصنيف النسائي بين التشدد والتساهل، إذ نص على عدم ترك حديث الرجل حتى يجتمع العلماء على تركه، غير أن تطبيقه العملي أظهر تشدداً كبيراً في الجرح.
يقسم المقطع مناهج علماء الجرح والتعديل إلى ثلاثة أقسام: المتشددون كابن معين والنسائي، والمعتدلون كالأئمة أحمد والبخاري والدارقطني، والمتساهلون كابن ماجه والترمذي. ويشير إلى أن الدارقطني وافق البخاري في توثيق رجال ضعفهم النسائي دليلاً على اعتداله، موضحاً أن التشدد قد يبلغ حد التعنت بينما التساهل قد يؤدي لرواية الضعفاء والمتهمين.
يعلن المحاضر عن القسم الثالث من الموضوع وهو "المتساهل"، موضحاً أنه سيذكر تفاصيله في الجلسة القادمة إن شاء الله. ويختتم المقطع بعبارة غير مكتملة حول ما تبقى من المساعد.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد. قال: من ضوابط التعارض بين الجرح والتعديل: الأصل المعتبر عند تعارض الجرح والتعديل تقديم الجرح المفسر على التعديل، وتقديم التعديل على الجرح المبهم إذا كان التعديل مفسرًا. ولكن هذا الأصل تقيده ضوابط متعددة توجد في ثنايا كلام الأئمة عند الموازنة بين الآراء المختلفة في توثيق الراوي أو تضعيفه. معنى هذا: أن الجرح مقدم لأنه زيادة علم، لكن هناك ضوابط لا بد أن يضبط بها، وهذه الضوابط موجودة في كلام أهل العلم. قالوا: من أهم تلك الضوابط ما يلي: اعتبار مناهج الأئمة في جرحهم وتعديلهم. وهذه الضوابط قد تجعل الحكم يتخلف وينعكس الحكم؛ فبدل أن يكون جرحًا يكون تعديلًا، أو قد يكون مثلًا بدل تعديل يكون جرحًا. قال: من ذلك اعتبار مناهج الأئمة في جرحهم وتعديلهم، وهذا لا بد منه؛ معرفة لماذا هذا جرح؟ ما هي الأسباب التي تجعل هذا الإمام يجرح الراوي؟ فالآن مثلًا تجد أن أحمد بن حنبل رحمه الله هو تلميذ ليحيى بن سعيد القطان، لكن لو نظرت إلى كثير ممن تكلم عليهم يحيى بن سعيد تجد أن أحمد بن حنبل يخرج لهم. فهل معنى ذلك أنه لا يأخذ بكلام يحيى بن سعيد؟ لا، لكن هو يعرف من هجر... يعرف من هجر مثلًا على سبيل المثال: سلمة بن شبيب قد أخرج له أحمد أحاديث كثيرة جدًا، خاصة أن حديث ابن لهيعة مع أن يحيى بن سعيد كان يتكلم فيه وكان لا يأخذ بحديثه. لماذا لم يأخذه الإمام أحمد؟ لأنه عرف أن يحيى بن سعيد عنده قاعدة، قاعدة مثلًا: أن من أخطأ في حديث، ولو حديثًا واحدًا، أخطأ خطأ كبيرًا، فإنه يرد حديث الرجل كله. وهكذا أيضًا الحسن بن موسى الأشيب، أقصد: سلمة بن شبيب في رواية عبد الرزاق، وفي رواية الحسن بن موسى الأشيب الذي يروي عن ابن لهيعة لأنه مصري، فالإمام أحمد أخرج له مع أنه تكلم فيه يحيى بن سعيد. فقلنا: إن العلماء ينظرون إلى منهج هذا الشيخ، منهج هذا العالم: لماذا يضعف؟ لماذا يضعفه؟ مع أن الإمام أحمد كان من المتأثرين بيحيى بن سعيد القطان، بل حتى بمنهجه في رد التفرد أو رد حديث الرجل إذا أتى بحديث منكر ظاهر الإنكار. لكن الإمام أحمد رحمه الله كان أحيانًا مثلًا تجد أنه إذا رأى حديثه كثيرًا والخطأ خطأ في حديث، تجد أنه يمرر هذا الحديث ويمرر أحاديث هذا الرجل إلا فيما أخطأ فيه. فلذا فالنظر إلى مناهج الأئمة لا بد أن ينظر طالب العلم، وكذلك العالم ينظر إلى مناهج الأئمة حتى يرجح في الجرح والتعديل. قد يقول مثلًا قائل: إن هذا الجرح والتعديل قد انتهى، لكن الأصل أنه لم ينتهِ بعد، فل هذا العلم باقي. ومثل الترجيح: الجرح على التعديل، أو ترجيح التعديل على الجرح، هو موجود إلى الآن. كم من رجل اختلف فيه العلماء يحتاج إلى ترجيح؟ وهذه القواعد هي التي استعملها العلماء لأجل الترجيح، ويستعملها كذلك من عرف هذا العلم. قال: فإنهم على ثلاثة أقسام، أي: مناهج الأئمة العامة التي مشوا عليها. القسم الأول: من هو متعنت في الجرح، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، ويلين بذلك حديثه. ومن هؤلاء شعبة بن الحجاج. واستدل على أن هذا مذهب شعبة لما قال في عبد الملك بن أبي سليمان: «لو جاء عبد الملك بن أبي سليمان بحديث مثل حديث الشفاعة لتركته». حديث الشفاعة جعله عن عطاء، جعل حديث الشفاعة أن عطاء عن نَسٍّ... طبعًا عن سعيد بن جبير عن نَسٍّ عن سعيد بن جبير، أو أقصد ما أذكر الآن، جعله عن نَسٍّ، وصحيح أنه إنما هو عن الحسن عن سمرة، عن الحسن عن سمرة، وأخطأ فيه فجعله عن نَسٍّ، فتكلم فيه شعبة بكلام شديد. فلذا قال: «لو جاء عبد الملك بن أبي سليمان بالحديث مثل حديث الشفاعة لتركته». وفعلا ترك حديثه شعبة بعد ذلك، حتى قيل له كما ذكر سالم بن أبي أمية، أبو النضر سالم بن أبي أمية، يسأل شعبة: «لما تركت حديث عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وروايت عن عبد العزيز بن محمد العرزمي، وحديثه أحسن؟» قال: «من حسنها فررت، من حسنها فررت». فلذا فشعبة رحمه الله كان يترك حديث الرجل بالغلطة والغلطتين، أو بالغلطتين فما فوق. ويحيى بن سعيد القطان، وقد بين الحافظ ابن رجب أن يحيى بن سعيد يترك الحديث ولو بالغلطة الواحدة، لكن ليس كل غلطة؛ معنى ذلك: إذا كانت غلطة كبيرة، وهمًا كبيرًا، يترك حديثه، بل أحيانًا بالتفرد، أحيانًا بالتفرد. وما قال رحمه الله في حديث... حديث عبد الله بن دينار، حديث بيع الولاء والهبة، فقال يحيى بن سعيد: «كنت رددت حديث عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر في النهي عن بيع الولاء والهبة، قال: ثم رأيته عبد الله بن عمر يروي هذا الحديث، قال: فقبلته على هنا». فأنه رد حديث عبيد الله لماذا؟ لأنه تفرد به. لكن هذا الآن يتنزل على حديث... حديث الرجل الواحد، هو لم يرد حديث عبيد الله وإنما رد هذا الحديث، والظاهر أنه إن كان الرجل ثقة ومعروفًا بثقته فهذا لا يرد حديثه، لكن يرد حديثه الذي أخطأ فيه. قال: ويحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي، والنسائي. معنى هؤلاء: النسائي يدخل في هؤلاء ممن يتعنت في الجرح. واختلف العلماء في النسائي: هل هو من المتشددين أو من المتساهلين؟ القاعدة التي ذكرها تدل على أنه متساهل، كان يقول: «لا أترك حديث الرجل حتى يجتمع العلماء على تركه، حتى يجتمع العلماء على تركه». وهذا لو نظرت إلى هذا الكلام تجد أن فيه تساهلًا عظيمًا، توسعًا. لكن قال العلماء: لعله أراد أنه يتركه العلماء أهل... في كل عصر في طبقته مثلًا، إذا كان هذا الرجل من طبقة يحيى بن سعيد وعبد الرحمن، لا بد أن يتركه يحيى وعبد الرحمن، إذا تركه عبد الرحمن وقبله يحيى، وقبله... وإذا قبله يحيى وتركه عبد الرحمن أيضًا قبله... وكذلك أيضًا في المرتبة الثانية: أحمد ويحيى، فإذا قبله يحيى وردّه أحمد قبله... فهذا يدل على أنه عنده توسع في هذا المبنى. لكن من رأى تطبيقه العملي، تطبيقه العملي في الجرح والتعديل، يجد أنه متشدد جدًا، أنه متشدد في الجرح. في التعديل قد يصل إلى التعنت. ولهذا جمع البرقاني الصغير جمع الرجال الذين ضعفهم النسائي وأخرج لهم البخاري في صحيحه، أنا جمع له... وناس ضعفهم النسائي في مواضع ضعفهم في كتبه على الضعفاء وغيره، وأخرج لهم البخاري، بل ووثقهم البخاري. فذكر منهم مجموعة، وسأل عنهم الدارقطني، فحصلت النتيجة أن الدارقطني أيد البخاري في أكثرهم، أيد البخاري في أكثرهم. وهذا يدل على أن الدارقطني لم يكن مع النسائي في هذا التشدد، بل رأى أن البخاري كان أصوب في إخراجه لهؤلاء، إلا بعض الرجال أيد فيهم النسائي. هنا ذكر في الحاشية: تُعرف مناهج الأئمة بطريقين: بنص الأئمة، وضبط... تتبع... الذهبي وابن حجر، وعلى ذلك... وأيضًا يضاف إليهم ابن رجب، فهو لعله أوسع من ناحية التحقيق ومعرفة الجرح والتعديل والعلل، فهو أوسع علمًا واطلاعًا من الذهبي وابن حجر أيضًا. كذلك يقول: الدراسات المعاصرة لجهود الأئمة ومنهجهم في الجرح والتعديل، لأن الباحث يجمع النصوص على مثلًا جهود يحيى بن معين في الجرح والتعديل، فتجده يجمع النصوص ويخرج القواعد، وكذا فيعرف الشخص منهاج هذا الإمام وما يمشي عليه. وأما مسألة تقسيم مناهج الأئمة: متشدد ومتوسط، فهذا قد قاله جماعة من أهل العلم. فالآن الأمر الأول أو المنهج الأول: هو من يكون متعنتًا في الجرح، متثبتًا في التعديل، يغمز الراوي بغلطتين أو ثلاث. الأمر الثاني: من هو معتدل في التوثيق، منصف في الجرح. ومنهم: سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن سعد، وابن المديني، والإمام أحمد، والبخاري، وأبو زرعة الرازي، وأبو داود، وابن عدي، والدارقطني. وأحيانًا الدارقطني يتساهل، ولهذا هنا المؤلف رحمه الله ذكر الدارقطني في المتوسطين، وذكره في المتساهلين. هذا القسم الثاني: أنهم معتدلون، وليس مثلًا لما نقول: إن ذاك العالم متشدد متعنت، ليس أن هذا جرح فيه، لا، وإنما هذا شيء اتخذه لنفسه؛ لأن العلماء منهم من أخذ مذهب الورع والاحتياط، وأن هذا الأمر دين لا ينبغي أن يتساهل فيه، فشدد حتى وصل تشدده إلى التعنت. ومنهم من رأى أن الأمر لا بد فيه من التورع، لكن ليس على حساب التساهل، ليس على حساب مثلًا التشدد في الكلام على الناس؛ الأمر دين، لكن ليس معنى ذلك أننا نتكلم على الناس في... وأيضًا نرد أحاديثهم بالخطأ والقطعتين، فهذا قد يكون إجحافًا في حقهم. وأما المتساهلون: فالظاهر أنهم نظروا... نظروا إلى أن الأمر لا ينبغي أن تشدد فيه، فنظروا إلى مسألة رد حديث الناس، رد حديث الناس: كيف يرد حديثه بدون أن يكون مثلًا... بدون لم تظهر... بدون أنهم لم تظهر منهم شيء يدل على كذبهم مثلًا في الحديث؟ فكيف يرد حديثه؟ فلذا ظن كثير من هؤلاء العلماء... ظنوا حسن الظن في الناس: من جاءنا بحديث فهو عدل، الأصل فحصل فيهم التساهل، بل أحيانًا يكون تساهل كثير، فبعضهم روى عن الضعفاء كابن ماجه والترمذي، روى عن ناس قد كذبوا، وهكذا الترمذي أيضًا سقط كتابه كما قال الإمام ابن القيم وشيخ الإسلام، سقط كتابه عن منزلة الصحيحين بسبب أنه ذكر فيه رجالًا ممن أجمع الناس على ضعفه أو قول الجمهور على ضعفه. طيب، فهذا القسم الثاني، إن شاء الله تعالى. والقسم الثالث: من هو المتساهل، سنذكره غدًا إن شاء الله. ما بقي من المساعد... موال.