شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 23

شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 23

الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

طبقات النقاد الثانية ومنهج مقارنة أقوالهم في الجرح والتعديل

يستعرض المؤلف الطبقة الثانية من نقاد الرجال مقارناً بين أزواج من النقاد في درجة التشدد، وينقل عن الذهبي مكانة يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي وأن جرحهما لا يندمل وتوثيقهما حجة. ثم يبين المنهج في التعامل مع تجريح المتشدد بالنظر في سببه وقبوله إن كان مفسراً غير مبالغ فيه.

اختلاف النقاد في التشدد والتوثيق وموقف أبي حاتم من الإمام مسلم

يبيّن المقطع أن التشدد في الجرح غالباً ما يكون معروف السبب، وإذا اختلف نقاد عصر واحد كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان فالمتشدد هو من يشدد في الجرح ويقل توثيقه. ويضرب مثالاً بأبي حاتم الرازي الذي وصف الإمام مسلم بـ"صدوق" فقط، مع أن مكانة مسلم وكتابه تدل على إمامته، ويُرجح أن ذلك كان بسبب الخلاف بين البخاري ومحمد بن يحيى الذهلي.

تشدد ابن حبان في الجرح والتعديل ومنهجه في النقد

يوضح المتحدث أن تشدد ابن حبان في الجرح والتعديل أوقعه في أحكام فريدة ومبالغ فيها لم يسبقه إليها الأئمة، كقوله في راوٍ: "يروي المناكير عن الأثبات فاستحق الترك"، ويرى الذهبي أن هذا تهويل. ويؤكد أن القواعد واحدة في نقد الرجال ونقد البدع، ومن فرق بينهما لم يأتِ بجديد.

التمييز بين الكلام على البدع والجرح والتعديل

ذكر المتحدث أن بعض المعاصرين زعموا أن قواعد الجرح والتعديل لا تنطبق على أهل البدع، مستدلين بأمثلة غير قاطعة، وقد رد عليهم الشيخ ربيع وغيره، ثم اختتم الدرس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله: "الطبقة الثانية: كل طبق من طبقات الرجال لا يخلو من متشدد ومتوسط. فمن الأولى: شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري، وشعبة أشدهما. ومن الثانية: يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشده من عبد الرحمن. ومن الثالثة: يحيى بن معين والإمام أحمد، ويحيى أشده من أحمد. ومن الرابعة: ابن حاتم الرازي والبخاري، وابن حاتم أشده من البخاري". والفائدة من معرفة ذلك: طلب المقارنة بين أقوال النقاد من الطبقة الواحدة في حكمهم على الراوي. قال الحافظ الذهبي: "عبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان قد انتدبا لنقد الرجال، وناهيك بهما جلالة ونبلاً وعلماً وفضلاً. فمن جرحاه لا يكاد والله يندمل جرحه، بل يكون مستمر جرحه. ومن وثقاه فهو الحجة المقبول. ومن اختلف فيه اجتهد في أمره، ونزل عن درجة الصحيح إلى الحسن، يعني يقال: إنه صدوق مثلاً. لكن إذا تبين أن قول أحدهما أقوى من الآخر وتجريحه مفسر فيقدم قوله". فالآن هذا الثاني تابع للأول. فإذا جاء متشدد خاصة، مثلاً في هذا الباب، وجاء رجل أو جاء عالم آخر ليس متوسطاً مثلاً، فالغالب أولاً ينظر بما جرحه. إن كان عرفنا سبب تجريحه فهنا نقول: إنه إن كان هذا الجرح جرحاً مثلاً مقبولاً، وكذلك ليس فيه تشدد، فهذا يقبل. لكن إن عرفنا أن هذا الجرح فيه تشدد، مثلاً كما قلنا: بسبب خطأ أو خطأين، أنك معنا لم يأخذ به، أو قال: إن أحاديثه منكرة مثلاً، فهنا مثل هذا عرفنا لماذا جرحه. فإذا لم نعرف، لم نعرف لماذا جرحه، ووجدنا العالم الآخر الذي هو في وقته ويعرفه مثله، كما مثلاً يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، فعبد الرحمن بن مهدي وثقه ويحيى ضعفه، فعرفنا من ذلك أن يحيى هنا شدد، أخذ بالشدة. وهكذا القاعدة في هؤلاء الذين ذكروا. الذي يشدد في هذا، لكن أحياناً يكون العكس، يكون العكس. لكن هذه القاعدة الظاهرة، أو القاعدة الأغلبية، القاعدة الأغلبية أنه على هذا: فالمتشدد غالباً يشدد في مسألة الجرح، ويشدد أيضاً أنه لا يوثق، بالكاد أنه يوثق. ولهذا قالوا: إن أبا حاتم قال في الإمام مسلم: "الحجاج قال: صدوق، قال: صدوق". وهل هذه الكلمة تكفي أن يقال في مثل هذا الجبل، الإمام مسلم؟ معنى كتابه يدل على معرفته بعلم الحديث، وأنه رجل قوي جداً في علم الحديث، فكيف يقال فيه: صدوق؟ قد يقال مثلاً: أبو حاتم إنما قالها لأجل ما حصل بين البخاري ومحمد بن يحيى الذهلي. وإلا فمسلم رحمه الله قد عرض كتابه على هؤلاء العلماء، على أبي حاتم، على البخاري، وأيدوه إلا في بعض الأشياء انتقدوه عليه، خاصة أبو زرعة. فالمهم: أن الإمام في مثل هذه القضية يأخذ بالمتوسط، لأنه يعلم أن هذا الآخر الذي هو مشدد فشدد في هذا الباب. لكن كما قلنا: إذا جاء بتفسير، بجرح مفسر ليس فيه تشديد، فيقبل قوله. حبان بن حبان يقول: "يروي الموقوفات، أو يروي المقطوعات، أو يروي المناكير عن الأئمة الأثبات، فاستحق الترك". فإذا قارنت هذا الكلام لكلام الأئمة الآخرين، ما تجد مثل هذا. فهل هنا أبو حاتم أو ابن حبان، هل هناك عنده شيء زائد على ما عند الأئمة؟ فإذا ذكره ذكر هذا، شيء زائد ممكن. أما أنه نفس الكلام الذي يقوله، يعني الذي يعرفه الأئمة هو يعرفه، لكن هذا استنباط بسبب تشدده في هذا الباب، يأتي مثل هذه الأشياء. لهذا دائماً يقول الذهبي رحمه الله: "وهذا تهويل من ابن حبان". فقد يكون أخطأ مثلاً في حديث أو حديثين، فعل بهم هذا، فيقول: "يروي المناكير عن الأثبات فاستحق الترك". فمثل هذه الأشياء ينظر فيها، سواء كان في علم الحديث أو في غيره، مثلاً في مجال البدع وكذا، لأنه لا فرق، لا فرق بين الكلام في الجرح والتعديل والكلام على البدع، القواعد نفسها. وأما بعض هؤلاء الذين فرقوا، فهم ما جاءوا بشيء جديد. هناك بعض من المعاصرين فرق بين الكلام على البدع والكلام على الجرح والتعديل، وأن القواعد التي في الجرح والتعديل لا تنطبق على الكلام في أهل البدع، ولم يأتِ بشيء، جاء بأمثلة ممكن احتمال يفهم منها هذا، واحتمال يفهم منها غير هذا. ولهذا رد الشيخ ربيع وغيره على مثل هؤلاء. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. شكراً.