الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 43، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استعرض المقطع خلاف العلماء في قبول رواية مجهول الحال، حيث ذهب الجمهور إلى رد روايته لأن كثرة الرواة لا توثقه، بينما جوز الدارقطني قبولها إذا روى عنه ثقتان. ورجح إمام الحرمين وابن حجر التوقف والاحتياط بالانكفاف عن العمل بها حتى تتبين حال الراوي.
بين المقطع الفرق المنهجي بين الحافظ ابن حجر في توثيق الرواة وإمام الحرمين في العمل بالحديث، مبيناً أن الاحتجاج بالرجل غير الاحتجاج بالحديث. ثم ناقش مسألة تقوية رواية المجهول بالمتابعة، مستعرضاً اشتراط الجمهور وزوال الجهالة برواية عدلين أو أكثر.
فصل المقطع في أقوال العلماء بشأن مجهول العين، مبيناً عدم قبول روايته إلا برواية ثقات عنه أو للاستشهاد بشروط، مع الخلاف في تقويته بمتابعة مجهول مثله أو ضعيف. ونقل عن الشيخ الألباني تساهله أحياناً في تصحيح أحاديث فيها مجهول العين بمتابعة ضعيف غير مستور، مستشهداً بحديث الأذان الأول.
أوضح المقطع بطلان القول بجواز الاستشهاد بمجهول العين، معللاً ذلك بأنه لا يُحتج به في الرواية أصلاً. واختتم المتحدث البيان بالاكتفاء بهذا القدر من التفصيل في أحكام المجهولين.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ثانيًا: مجهول الحال، وهو المستور في قبول روايته. مذاهب، وهي كما قلنا: أن تفريق أهل الوصول بين المستور ومجهول الحال لا أثر له في الحديث. قال: مذهب الأكثرين من الجمهور رد رواية مجهول الحال، وتوجيهه أن رواية الراويين فأكثر عن الشيخ تعريف به لا توثيق له، ولذلك فتوثيقه غير معلوم عن رواية الأكثرين ولو كانوا أربعة فأكثر، إذا لم يوثق فإن هذا فقط يرفعه من جهالة العين إلى جهالة الحال. وهذا نسبه هنا المؤلف إلى الجمهور؛ لأنه المشهور عند أهل العلم. قال: والقول الثاني ينسب إلى بعض المحدثين كالبزار والدارقطني: قبول روايته. فقد نقل السخاوي عن الدارقطني قوله: «من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته وثبتت عدالته». وهذا قاله في «السنن»، قاله في موضع. وهذا عجيب من الإمام الدارقطني رحمه الله. معناه: قاله في بعض المواضع، أو في موضع، الظاهر في المجلد الثالث أو كذا في «السنن». فقال: «من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته وثبتت بدعته» أو «ثبتت عدالته». قال: ولعل هذا ما أشار إليه الحافظ الذهبي عند تصنيفه للحافظ الدارقطني مع من يتساهلون، مع تقييدي لذلك بقولي: في بعض الأوقات. أنا ذكر الذهبي رحمه الله في «الموقظة» أن الدارقطني ذكره من المتوسطين، وذكره كذلك من المتساهلين في بعض الأوقات، خاصة في «السنن» تجد أنه تساهل كثيرًا في «السنن». قال: قول إمام الحرمين المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني: لا نطلق رد رواية المستور ولا قبولها، بل يقال: رواية العدل مقبولة، ورواية الفاسق مردودة، ورواية المستور موقوفة إلى استبانة حالته. ولو كنا على اعتقاد في حل شيء، فروى لنا مستور تحريمه، فالذي أراه وجوب الانكفاف عما كنا نستحل إلى استتمام البحث عن حالة الراوي. معناه: كأنه يتوقف في الحكم عليه، ويكون في مسألة الشك... أي معنى يميل إلى الانكفاف لأنه أقرب إلى التقوى. قال: وقد اختار الحافظ ابن حجر القول بالتوقف كذلك، فقال: «والتحقيق أن رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يطلق القول بردها ولا بقبولها، بل هي موقوفة إلى استبانة حاله، كما جزم به إمام الحرمين». وهذا الظاهر أن كلام الحافظ أنه أراد بالتوقف أننا لا نقبلها. وهذا الذي مشى عليه الحافظ رحمه الله في كتاب «التقريب» وغيره، على أنه يطلق على من لم يوثق... أي لم يوثقه من المعتبرين، أو من مذهبه مذهب رد المجهول. فإذا كان لم يوثقه أحد من هؤلاء، تجده يقول: «مقبول». وقد ذكر في مقدمته أن المقبول هو ضعيف حتى يأتي ما يشهد له، أو قال: «هو لين» حتى يأتي ما يشهد له. أنه «لين الحديث» حتى يأتي ما يشهد له. فالمهم: أن هذا التوقف عند الحافظ ليس كالتوقف عند إمام الحرمين. لكن الحافظ لما قال: «كما جزم به إمام الحرمين»، إنما أراد: ما جزم به من التوقف. أما النتيجة: فكأن إمام الحرمين يرى أننا نأخذ بهذا الحديث... يعني: إذا كان جاء مثلاً عندنا شيء حلال، ثم جاء حديث فيه التحريم، يقول: إننا نأخذ بالتحريم، أننا نتوقف على العمل بهذا الشيء لأنه قد جاء حديث بتحريمه من باب الاحتياط. ولأن إمام الحرمين يتكلم على حجة الحديث وعدم حجته، بخلاف الحافظ ابن حجر. الحافظ ابن حجر يبحث ما يبحثه أهل الحديث: هو مسألة حجة الرجل أو لا، هل يحتج بالرجل أو لا يحتج به. وفرق هناك بين الاحتجاج بالحديث والاحتجاج بالرجل، الذي هو من أهل الحديث؛ لأنه قد لا يحتج بالرجل لكن يحتج بالحديث لأجل الشواهد التي جاءت، وقد يحتج بالرجل ولا يحتج بحديثه. طيب. قال: هل تتقوى رواية المجهول بالمتابعة؟ فالصحيح الذي مشى عليه الجمهور: أن مجهول الحال لا تقبل روايته حتى يأتي ما يؤيد، سوى كان هذا التأييد شهرته عند بعض العلماء، أو هذا التأييد مثلاً... مثلاً توثيق بعض أهل العلم، أو كذلك ما يصحب ذلك من القرائن على أن هذا الرجل معروف، أو أنه مثلاً روايته مستقيمة، وكذا من هذه الأمور. مثلاً بعض الناس... أو بعض الرواة لم يوثقوا، لكن إذا أخذت روايته وقارنتها برواية غيرهم من الثقات، رأيت أنه ليس عنده خطأ، ليس عنده خطأ. فمثل هذا ممكن أن يرفع الإنسان حديثه، لكن هذا يحتاج إلى إمام في هذا الشأن، وكذلك مجتهد في علم الحديث. قال: هل تتقوى رواية المجهول بالمتابعة؟ قال الحافظ الدارقطني وأهل العلم بالحديث: لا يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم إذا كان راويه عدلاً مشهوراً، أو رجل قد ارتفع اسم الجهالة عنه. وارتفاع اسم الجهالة عنه: أن يروي عنه رجلان فصاعدًا. فإذا كان هذا صفته ارتفع عنه اسم الجهالة، وصار حينئذ معروفًا. أما من لم يروي عنه إلا رجل واحد، فردّ بخبر، وجب التوقف عن قبول ذلك حتى يوافق غيره. والآن هذا نقله المؤلف من «السنن»، المجلد الثالث. قال: ومفهوم ذلك: أن رواية مجهول العين تتقوى بالمتابعة، لكنه غير صريح في حصول التقوية بمتابعة مجهول مثله، أو متابعة ضعيف غير مستور. وقد خص الحافظ رواية المستور مجهول الحال بالذكر فيما يتقوى من الروايات الضعيفة، دون رواية مجهول العين. وأما مجهول العين فقد اختلف العلماء فيه، وظاهر كلام العلماء أنه لا يستشهد به. ولكن كلام ابن الصلاح وغيره يدل على أنه أيضًا يستشهد به. وأما الشيخ الألباني رحمه الله عليه، لما سئل عن ذلك فقال: إذا كثر مجهول العين يستدل به، أو يستشهد به، أن إذا كثر أكثر من ثلاثة أو أربعة، فإنه يستدل به. لكن هذا مجهول العين: غالبا ما تدري ما وراءه، فقد يجعل هؤلاء مجاهيل، أو يأتي حديث كله مجاهيل، وتجد أنهم وضعوا هذا الحديث، لكن ما ذكروا أسماءهم لأجل أن لا يعرفوا، مثل ما يفعله كثير من هؤلاء الكذبة: كمحمد بن سعيد المصلوب، وغيرهم من هؤلاء. تجد أنه يذكر هذا الحديث على عدة روايات، ثم لا يذكر اسمه، أو يذكر اسمًا غير الاسم الذي يعرف به. فتجد في رواية: محمد بن قيس، في رواية: قيس، أو محمد كذا ابن سعيد، وفي رواية تجده ينسب إلى قبيلته. وهكذا، فيظن الظان أن هذا الحديث قد رواه هؤلاء الجماعة، وهو ليس كذلك. فلذا الذي عليه أكثر العلماء: أن مجهول العين... أو ظاهر من كلام العلماء: أن مجهول العين لا تقبل روايته إلا إذا كان قد روى عنه ثقات، أو إذا روى عنه ثقة معروف مشهور، فهنا ممكن أن نقبل روايته... أي في الاستشهاد. وأما ما كان روى عنه بعض المجاهيل أو بعض الضعفاء، فإن هذا لا يزيد روايته إلا ضعفًا. وأما عمل الشيخ الألباني رحمه الله عليه، فتجد الشيخ أحيانًا يتساهل في مسألة مجهول العين، فتجد حتى أنه يصحح بعض الأحاديث التي يكون فيها مجهول العين، ويشهد له مثلاً رجل مجهول حال، أو ضعيف، ضعفه ليس قويًا في الضعف. فيقوم بتحسين هذا الحديث. على سبيل المثال: حديث ابن عمر في الأذان الأول، في قول: «الصلاة خير من النوم» في الأذان الأول. هذا الحديث فيه مجهول عين، لكن جاء من طريق أخرى فيها رجل ضعيف، فحسن الشيخ الألباني بهذه الطريق، وجعله حديثًا حسنًا. وظاهر أن هذا ليس صحيحًا؛ لأن مجهول العين لا يستشهد به. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا.