الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 83، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المقطع محذور كثرة المزاح من نواقض حلية طالب العلم، مبيناً أن المزاح المباح هو المباسطة والتلطف بلا أذية بينما الإكثار منه مذموم. ويضرب المثل بمزاح النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان لا يقول إلا حقاً كما في قصة العجوز التي بشّرها بدخول الجنة شابةً لا عجوزاً.
يستعرض المقطع أمثلة من مزاح النبي صلى الله عليه وسلم كقصة المرأة العجوز والرجل طالب الحمل، مبيناً أن مزاحه كان خالياً من الكذب والترويع. ثم يحذر من المزاح الذي يتضمن تخويف المسلم أو إزعاجه مؤكداً أن المزاح المشروع هو ما سلم من الكذب والترويع والإيذاء.
يبيّن المقطع أن المزاح المشروع مقيد بضوابط شرعية، وأن الإكثار منه أو الكذب فيه يورث العداوة ويقطع العلاقات بينما ترك المزاح بالكلية يُعد خلقاً سيئاً ينفر الناس. وقد شبه العلماء المزاح بالملح: إن زاد أضر، وإن نقص أذهب اللذة، وخير الهدي هدي النبي ﷺ الذي كان يمزح في حدود الحق.
يختتم المتحدث الجلسة بالاكتفاء بما ذُكر، ويصلي على النبي محمد وآله ويحمد الله رب العالمين. كما يفوض العلم لله تعالى مع شكر الحضور على حضورهم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، قال الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين في كتابه القيم النافع الماتع الموسوم بـ «حلية طالبي العلم» - الموسوم بـ «حلية طالبي العلم» - ونحن كما سبق على مشارف الانتهاء من هذه الحلية المباركة، ومع الفصل السابع فيما يتعلق بمحاذير على طالبي العلم أن يجتنبوها، أن يجتنبوها، ونحن مع آخر هذه المحاذير، ألا وهو نواقض هذه الحلية. وذكر مجموعة من هذه النواقض، سبق معنا الكلام حول إفشاء السر ونقلوا الكلام من قوم إلى آخرين، وهكذا الصلف واللسانة. ثم ذكر رحمه الله تعالى قال: «وكثرة المزاح». كثرة المزاح، كثرة المزاح، ولاحظوا ما قال: «والمزاح»؛ لأن المزاح مما يحتاج إليه، مما يحتاج إليه، لكن الذي يعاب هو الإكثار منه. وقد ذكر العلماء أن المزاح، المزاح هو مأخوذ من ماذا؟ من المباسطة والتلطف. قالوا: المباسطة إلى الغير على جهة التلطف والاستعطاف دون أذية. لاحظوا: بدون أذية. أما إذا وجدت الأذية فهنا خرج المزاح عن المعنى الذي... الذي قد يكون محموداً، قد يكون ماذا؟ محموداً لأجله. ونبيُّنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يمازح أصحابه رضي الله تعالى عنهم، لكنه كما قال: «إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً، ولا أقول إلا حقاً». أكد جاء في حديث ابن عمر عند الطبراني في المعجم الصغير، وصحح إسناده العلامة الألباني رحمه الله كما في «صحيح الجامع»، كما في «صحيح الجامع». جاءت امرأة عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم، جاءت امرأة عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وطلبت منه أن يدعو لها بدخول الجنة، فقال لها: «يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز، الجنة لا تدخلها عجوز». فذهبت المرأة تبكي، يعني أنها ليست من أهل الجنة، فبين لها النبي صلى الله عليه وسلم أن المقصود من ذلك أن المرأة إذا دخلت الجنة تدخل وهي في أحسن شبابها، ولا تدخل وهي عجوز. وهذا عده العلماء من مزاح النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك لما جاءه رجل وطلب منه أن يحمله أي على مركوب، قال: «لأحملنك على ولد الناقة». من ولد الناقة؟ تبادر إلى ذهنه أنه جمل صغير، جمل صغير، فوقع في نفس الرجل، فبين له أن الناقة تلد الناقة، والبعير... الناقة والبعير الكبيران هما من ماذا؟ من ولدي الناقة، من ولدي الناقة. إلى غير ذلكم مما جاء في مزاحه عليه الصلاة والسلام. وماذا مما يجب أن يجتنب في باب المزاح؟ الترويع. يا إخوان، تخويف، وبعدها: «أمزح»، وبعدها: «أمزح». النبي صلى الله عليه وسلم لما روع بعض الصحابة بعضاً، صحابي نائم أخذوا كنانته، يعني ما يجمع فيه السهام، خبأوها، قام من النوم فزعاً: أين؟ فماذا؟ فأظهروها له بعد ذلك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً». البعض يجد أخاه نائماً، نعم، والجوال على صدره أو الجوال بجانبه، يقول: طيب، أنا سأوريه ماذا يفعل؟ يأخذ الجوال ويخبيه، يقوم صاحبنا من النوم: أين الجوال؟ رأيت الجوال؟ هل رأيت أحداً أخذ الجوال؟ ولربما طلع الضغط عند صاحبنا، الجوال عنده مهم، أرقام وأمور في الجوال يحتاجها، فبعد أن يخيفه يقول له: ماذا؟ هذا الجوال، خذه. بعد الترويع لا، ما يجوز. قال: أمزح. لا، ما يجوز، المزاح بهذه الصورة لا يجوز، لما يحصل فيه من ماذا؟ من الترويع الذي يحصل به الإخافة، ويحصل به كذلكم أيضاً ماذا؟ الانزعاج عند المسلم. إذن المزاح منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم. المحمود الذي يكون خالياً من الكذب، ولا يكون فيه ترويع لمسلم وإخافة إلى غير ذلك. والمذموم هو ما كان فيه مثل هذه المحاذير. في حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحاً، ولو كان مازحاً». فهذا يا إخوان يعتبر ماذا؟ يعتبر من الأمور التي ينبغي أن تراعى في باب المزاح، في باب المزاح. وإذا لم تراعى وتضبط هذه الأمور في المزاح فإنه سيؤدي إلى العداوة، سيؤدي إلى حصول العداوات. ولهذا يعني من أمثال وأقوال العرب المشهورة كانوا يقولون: «لكل شيء بذر، وبذر العداوة المزاح». ما الذي يعمل عداوات ومشاحنات وغضب وزعل؟ سبب المزاح. سبب المزاح يأتي يدق البعض الآخر في جنبه، والبعض ما يستحمل، ما يستحمل، فيكون عنده جدار أو عنده شخص، فلربما يؤذي أو يتأذى، فيحصل بعد ذلكم ماذا؟ بعد ذلكم الشحنة والبغض، وماذا؟ ولربما تنقطع العلاقات وتذهب الأخوة بين الشخصي وغيره، الشخصي وغيره. وشبه العلماء المزاح بالملح. أرأيتم الملح؟ إذا زاد أضر، وإذا نقص أذهب اللذة وجودة الطعام. وهكذا المزاح، من كثر في المزاح سيضر، ويكون ذلك سبباً في ماذا؟ في عداوة، شحنة، وبغضة. والذي لا يمزح، الضحك ممنوع عنده، كله جد، جاء واحد يمازح وقال له: «انتبه، ولك بعيد هناك»، ماذا؟ من أخلاق هذا؟ هذا أخلاق سيئة يا إخوان، أخلاق سيئة. مثل هذا لا يعاشر ولا يعايش، ويكره الناس طبعه، كالطعام الذي بدون ملح، الإدام لو كان بدون ملح سيأخذ الواحد حبة الخبز ويذهب. وهكذا بالنسبة لي، من كان ليس من طبعه المرح والفرح، وقد يمزح في حدود المشروع، فأيضاً يرغب الناس عن مجالسته. إذن الإكثار من المزاح هذا مذموم، أما مجرد المزاح بحده وضوابطه فهذا شيء محمود، وقد فعله خير البرية وأزكى البشرية، صلوات ربنا وسلامه عليه وعلى آله. ونكتفي بهذا، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً