التعليق على حلية طالب العلم 85

التعليق على حلية طالب العلم 85

الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 85، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

الحقد كناقض من نواقض حلية طالب العلم

يُعرّف الحقد بأنه إضمار الشر في النفس وانتظار الفرصة للانتقام، ويُستدل على ذمه بآية ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ وحديث عرض الأعمال الذي يستثني المتشاحنين من المغفرة. كما يُذكر النهي عن هجر المسلم لأخيه فوق ثلاث ليالٍ تأكيداً لخطورة هذه الصفة.

فضل البدء بالسلام وتطهير القلب من الغل والحسد

يُبرز المقطع فضيلة المبادرة بالسلام عند اللقاء وأن خير المتقابلين من يبدأ به، مع بيان أن القلب المخموم هو التقي النقي الخالي من الإثم والبغي والغل والحسد. وتُعد إزالة الغل من الصدور من أعظم نعم أهل الجنة.

خطر الحقد ووجوب تجنبه وآثاره على طالب العلم

يُحذر من الحقد كصفة ذميمة ضرب العرب المثل بشدة حقد الجمل، كونه داء عضال يورد صاحبه المهالك ويصرف طالب العلم عن طلبه بامتلاء الصدر بالخصومات. ويؤمر المسلم بدفع السيئة بالحسنة والصبر على ذلك.

دعاء الختام بطلب سلامة الصدر وطهارة القلب وحسن الخلق

يختتم الدرس بدعاء يسأل الله فيه سلامة الصدور وطهارة القلوب وحسن الأخلاق والآداب مع الاستعاذة من سيئها. ثم يُصلى على النبي محمد ويُختم بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة لدرسي ومجالس حلية طالب العلم للشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ونحن كما سبق على مشارف الانتهاء من هذه الحلية المباركة مع الفصل السابع والأخير، ومع آخر الآداب التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى، وهو نواقض هذه الحلية. وسبق معنا الإشارة إلى جملة من هذه النواقض التي ذكرها رحمه الله تعالى في هذه الحلية، كإفشاء السر، وهكذا نقل الكلام من قوم إلى قوم آخرين، وهكذا الصلف واللسانة، وهكذا كثرة المزاح. وآخر ما تكلمنا عنه هو الدخول في حديث بين اثنين. ذكر رحمه الله تعالى بعد هذا: قال: والحقد. قال: والحقد. والحقد يا إخوان، عرفه بعض العلماء بأنه إضمار الشر، يضمر ويخفي في نفسه الشر، ولا سيما إذا لم يتمكن من الانتقام من ذلكم الشخص، يبقي الشر في نفسه تجاه هذا الإنسان، ويتربص به الدوائر، وينتظر فيه الفرص. بسبب هذا الحقد، لو وجد فرصة للانتقام فإنه لن يتردد، فإنه لن يتردد. والحقد يعتبر من الأخلاق الذميمة التي جاء ذمها في القرآن، وهكذا أيضا في السنة، وهكذا أيضا في السنة. ففي القرآن قوله تبارك وتعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾ [البقرة: 204]. ألد الخصام، حقد موجود في القلوب. وهكذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين كذلك أيضا خطورة الاتصاف بالأحقاد. أخبر عليه الصلاة والسلام أن الأعمال تعرض على الله عز وجل يومي الاثنين والخميس، فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا. ما صفة هذا الرجل الذي قد يحرم مغفرة الله عز وجل لذنوبه؟ قال: «إلا رجلا بينه وبين أخيه شحناء». هذه الشحناء يا إخوان هي عبارة عن أحقاد موجودة، وأضغان موجودة في النفوس والقلوب. فيقول الله عز وجل: «انظروا هذين حتى يصلح، حتى يصلح». فإذا الصلح يا إخوان، عندها قد يكون ذلك الصلح سببا لمغفرة ذنوبهم. جاء في حديث أبي أيوب وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث». هذه الثلاث ماذا يا سالم؟ أيام، أشهر، سنوات؟ أيام أو ليالٍ؟ فوق ثلاث، أي أيام أو ليالٍ. قال: «يلتقيان». تخيل، قد يلتقيان في المسجد، يدخل المسجد هذا من هذا الباب وهذا من هذا الباب، فإذا رأى صاحبه صَفّ عن اليسار ذهب إلى اليمين، وإذا دخل صاحبه إلى اليمين ذهب إلى اليسار. قال: «يلتقيان». قد يلتقيان في حلقة، حلقة قرآن ودرس من الدروس العلمية، يلتقيان، قد يكون في صالة طعام، في صالة طعام يلتقيان، قد يكون في شارع، في طريق، في سوق، إلى غير ذلك. قال: «يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا». قال عليه الصلاة والسلام: «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما عند ابن ماجه وغيره، سئل عليه الصلاة والسلام، قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ أي الناس أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «كل صدوق اللسان مخموم القلب». كل صدوق اللسان مخموم القلب. قال الصحابة: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد». هذه ثلاث صفات، من اتصف بها وماذا ابتعد عن هذه الصفات المدمومة، كان قلبه مخمومًا. ومعنى مخموم: أي مكنوس ونظيف من هذه الصفات والخلال المدمومة المحرمة، ومنها الغل، وهكذا الحسد، وهكذا الحسد. وأولى الناس بهذه الصفات هم أهل العلم وطلاب العلم. وطلاب العلم هم أولى الناس بهذا، أولى أن تتسع صدورهم، وتزكو نفوسهم، وهكذا تطيب قلوبهم، تطيب قلوبهم. يقع بين الزملاء، ويقع بين الإخوة، ماذا؟ خلاف. يقع خصام. وقع بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم. لكن يا إخوان، انظروا كيف أن الشخص لا يستطيع أن يتحمل نتيجة هذه الخلافات والنزاعات والخصومات التي قد يترتب عليها حقد، شحن، بغض، غل في نفسه. ما يستطيع أن ينام، ما يستطيع أن يأكل، كيف يتلذذ بطعام وبينه وبين أخيه هذه المشاحنة؟ وهذه كذلكم أيضا، ماذا؟ الأحقاد والكراهية. تجده يسارع، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام. هنا يا إخوان يرتاح القلب وينشرح الصدر. لهذا انظروا إلى ما ذكره ربنا عز وجل من النعيم الذي يكرم به أهل الجنة. قال الله عز وجل: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ﴾ [الحجر: 47]. وهكذا في الآية الأخرى قال: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾ [الأعراف: 43] الآيات. قال العلماء: هذا من أعظم النعيم الذي يكرم الله به أهل الجنة. لماذا قالوا؟ لأن صاحب الغل يعذب بهذا الغل. كلنا لعله جرب هذا، لما ترى الذي بينك وبينه مشكلة أو عداوة، أول ما تراه ماذا يقع في نفسك؟ حَوْش، ضيق، آه، إلى غير ذلك. والجنة يا إخوان ليس فيها عذاب، وليس فيها ضيق، وإنما آه، ماذا؟ ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا ﴾ [الواقعة: 25-26]، وهي دار السلام، وهي دار السلام. والحقد يا إخوان يعتبر من الصفات التي ماذا؟ يجب على المسلم أن يتجنبها، أن يتجنبها. ولهذا العرب قديما كانت تقول: ثلاثة لا يهنى لصاحبها عيش. ثلاثة لا يهنى لصاحبها عيش: الأول الحقد، والثاني الحسد، والثالث سوء الخلق، والثالث سوء الخلق. ولهذا العرب كانت تضرب، آه، ماذا؟ تضرب المثل بشدة الحقد بحيوان، ما هو هذا الحيوان يا إخوان؟ حقود، يا وينك، لو حقد عليك ما هو هذا الحيوان؟ نعم يا خان حامد، نعم، أحسنت: البعير، الجمل. حتى أن في أمثالهم يقولون: «لا أحقد من جمل». الجمل قد يغضب على صاحبه، يضربه صاحبه أو يفعل به شيئا، يبقى يحقد، ينتظر فرصة في صاحبه، فإذا وجدها لربما فتك به وقتله، لربما فتك به وقتله. فالحقد يا إخوان هذا يعتبر داء ومرض خطير، وقد يكون عضال، قد يسبب لصاحبه النكبات، قد يجعله يقتل، وقد يجعله كذلكم يقع في عرض ذلكم، آماذا؟ الذي حقد عليه، قد يجعله يرميه ويخذفه بالفواحش والمحرمات، وهكذا غير ذلك، وهكذا غير ذلك. فليس الحقد من صفات الكرام، وليس من صفات، آماذا؟ أهل الإحسان والخير، آم. حتى أهل الجاهلية قديما كانوا يذمون الإنسان الحقود. ذكروا عن الشاعر والفارس الجاهلي، عن عنترة بن شداد العبسي، أنه كان ينشد فيقول: لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب ولا ينال العلا من طبعه الغضب ولا ينال العلا من طبعه الغضب أي سرعة الانفعال والغضب والتوتر. فقلنا: هذا من الأخلاق السيئة التي يجب على أهل الإسلام عموما، ماذا؟ البعد عنها والطهارة منها. وطلاب العلم على وجه الخصوص، طلاب العلم على وجه الخصوص، الواجب الارتعاد عن مثل هذه. وكيف سيحفظ طالب العلم، وصدره مليء بالخصومات والمنازعة؟ كيف سيستوعب الدروس ويفهم الفوائد وغيرها، وهو قد ملأ قلبه بهذه الخصومات؟ ولهذا يا إخوان، من الصوارف عن طلب العلم الإكثار من الخصومات. من الصوارف التي تجعل طالب العلم يضيق ذرعا، وهكذا يضيق صدره، فما تجده إلا وترك طلب العلم. ما هو السبب؟ قال: مشاكل، قال: مشاكل، خلافات، خصومات، إلى غير ذلك. وربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [فصلت: 34]. ادفع، هو دفع، وغالبا الدفع يكون لخير أو لشر. أبا عبد الرحمن، الدفع غالبا يكون لخير أو لشر، الدفع للشر: ادفع بالتي هي أحسن. فإذا الذي بينك وبينه عداوة، كأنه ماذا؟ في تعاملك، تعاملك معه وأسلوبك معه، كأنه ولي حميم. لكن ماذا؟ ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [فصلت: 35]. أسأل المولى عز وجل أن يرزقنا جميعا سلامة الصدور، وطهارة القلوب، وحسن الأخلاق والآداب، وأن يجنبنا سيئها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.