الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 644، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي الحديث أن ابن الزبير صلى العيد أول النهار حين وافق العيد يوم جمعة، ثم لم يخرج لصلاة الجمعة، فأقر ابن عباس ذلك بأنه سنة. ويذكر السياق التاريخي لخلافة ابن الزبير وأحداث الحرة.
يذكر الأثر أن ابن الزبير لم يخرج لصلاة الجمعة حين وافق العيد، وصلى الناس الظهر فرادى، وأقر ابن عباس ذلك وقال: أصاب السنة. ويستدل بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لمن صلى العيد في ترك الجمعة، وهو مذهب أحمد والصحيح عند المصنف.
يبيّن المقطع أن صلاة العيد تغني عن صلاة الجمعة لتحقق المقصود وهو الاجتماع، مستدلاً برخصة عثمان لأهل البوادي. وأن أهل المدينة مخيرون بين الحضور والترخص، والأحوط صلاة الجمعة في وقتها.
عند اجتماع صلاة العيد وصلاة الجمعة في يوم واحد، يُكتفى بإحداهما؛ فيجوز للمصلي أن يصلي العيد ويسقط عنه الجمعة، أو يصلي الجمعة ويسقط عنه العيد. وهذا هو الراجح في السنة عند تعارضهما.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولا مبعد. قال شيخنا مقلب النهاد الوعد رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن طريف البجري وهو أتفقه، قال: أخبرنا أسباق وهو ابن محمد صاحب الأعمش عن الأعمش عن عطاء ابن أبي رباح، قال: صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا، فصلينا وحدانا. وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال: أصاب السنة. قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. فهذا الحديث في صلاة ابن الزبير يوم العيد عند اجتماعه بالجمعة، أن اجتمع يوم عيد ويوم جمعة في خلافة ابن الزبير، لما كان خليفة على أهل الحجاز وأهل العراق ولم يبايعه أهل الشام، ثم حصل ما حصل، وكان مروان ومن معه أرادوا أن يبايعه أو يزيد بن معاوية، يزيد بن معاوية أراد أن يبايع ابن الزبير لكن حرضه بعض الناس وقال: إن الإمارة لكم وكذا، فأرسل جيشًا بقيادة الحجاج بن يوسف الحاكم الظالم والمبير، فحصل ما حصل في المدينة، حصلت وقعة الحرة في سنة أربعين وستين، وقتل فيها أناس من الصحابة ومن صالحي التابعين، وانتهكت حرمة المدينة، والنبي عليه الصلاة والسلام قد قال: «المدينة حرام بين عير وثور، من أحدث فيها حدثًا أو آوى فيها محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، صرف الفريضة والعدل والنافلة». فاجتمع في خلافة ابن الزبير يوم عيد ويوم جمعة، فصلى أول النهار، أي يوم العيد، فصلى العيد أول النهار، خرج أول النهار وصلى بهم العيد، قال: ثم رحنا الجمعة فلم يخرج إلينا. يقول عطاء: لما ذهبنا إلى الجمعة لم يخرج ابن الزبير وبقي في بيته، وهل صلى في بيته؟ الله أعلم، ظاهر أنه صلى، فأكثر أهل العلم يقولون: إنه يصلي ولا يترك الصلاة، يصلي ظهرًا لكن لا يجمع. فالمقصود هو الترخيص في التجميع يوم الجمعة حتى لا يأتي الناس مرتين، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في السنن في حديث أبي هريرة لما صلى العيد: «إنا قد صلينا العيد، وإنا لم يجمعون، فمن شاء أن يجمع فليأت، ومن شاء أن لا يجمع فلا يأتي» أو «لا يجمع، إنهم مجمعون». يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إننا سنصلي الجمعة، لكن من شاء أن يريد أن يأتي إلى الجمعة جاء، ومن لا يريد أن يأتي له أن لا يأتي. وفي هذا الحديث وفي هذا الأثر أن ابن الزبير لم يصل الجمعة، حتى قال عطاء: صلينا وحدانا، أي صلوا الظهر، صلوا كل واحد صلى بنفسه الظهر. قال: وكان ابن عباس بالطائف، فلما جاء قدم، أي قدم إلى المدينة، فقال: أصاب السنة، قال: أصاب السنة وأصاب السنة، أي فعل مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يدل على أن هذا سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيه دليل لمذهب أحمد وغيره من ذهب إلى هذا المذهب، على أن الجمعة تسقط، على أن الجمعة يرخص فيها من صلى العيد، رخص له في الجمعة، وهذا المذهب الصحيح في هذا. واختار بعض العلم كالشافعي ومالك وغيره أنه يصلى الجمعة أيضًا، لكن الصحيح هذا وهو موافق للسنة، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا ما يدل عليه كما ذكرنا. وأما من قال: إن النفل لا يسقط الفرض، فهذا ليس صحيحًا، وليست هذه قاعدة يدل عليها دليل، لأن المقصود هو الاجتماع، وقد حصل في العيد، المقصود في الجمعة هو الاجتماع، وقد حصل هذا الاجتماع بالعيد. ولهذا بعض السلف كان يجيز صلاة الجمعة حتى في الضحى، كما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وعند أحمد في قول أنه يجوز أن يصلى صلاة الجمعة قبل طلوع أو قبل الزوال، يجوز أن يصلى الجمعة قبل الزوال، لأن المقصود هو الاجتماع، فإذا حصل الاجتماع فهذا المقصود. لكن أكثر العلم على أنها تصلى في وقت الظهر، وهذا أولى وأحوط. لكن إذا صلي العيد فقد اجتمع الناس، فلهذا كان عثمان رضي الله عنه لأجل هذه المشقة كما جاء في البخاري: إذا صلى العيد رخص لأهل البوادي أن لا يأتون الجمعة. وترخيص أولي البوادي ليس معناه أنه لا يرخص لأهل المدينة، وإنما قد يكون عثمان رضي الله عنه خص أهل البوادي والأعراب لأجل أنهم لا يفهموا هذا الحكم، لا يفهموا هذا الحكم، فلهذا قال لهم: من صلى معنا من أهل البوادي فإنه لا يأتي الجمعة، حتى لا يأتون ويشقون على أنفسهم، وهناك رخصة. فليس هذا الكلام يدل على أن من كان في المدينة لابد أن يأتي، فلم يذكر عثمان ذلك، لم يذكر عثمان ذلك، لم يقل: من كان في المدينة فليأت، لم يقل هذا، وإنما رخص لأهل البوادي والأعراب ألا يأتوا لأنهم لا يعرفوا هذا الحكم. أما أهل المدينة فهم يعرفون هذا الحكم، فلهذا لم يقل لهم عثمان شيئًا، ولأنهم أيضًا مختارون، إن شاءوا جاءوا إلى الجمعة وإن شاءوا ترخصوا بذلك، فالإنسان مخير، إن شاء جاء وصل الجمعة، وإن شاء ترخص بهذه الرخصة فله ذلك. فلهذا في السنة عند اجتماع العيد والجمعة أن يكتفي بأحدهما، إما يكتفي بالعيد فلا يرخص له الجمعة، أو يكتفي بالجمعة فلا يأتي العيد. وهذا ما يذكر في هذا المقام، والله تعالى أعلم.