الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 104، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُناقش أهمية السنة النبوية في الإسلام ويحذر من إهمالها أو إنكارها، موضحًا أن التمسك بها هو الفاصل بين أهل الحق وأهل البدعة. يُبيِّن أن من يرفض العمل بالأثر يُعتبر زنديقًا.
يُحَذِّرُ من مخالفة أمر الرسول ويبين أن ذلك يؤدي إلى الفتنة والعذاب، مشددًا على أهمية اتباع السنة النبوية وأنها مثل القرآن في الالتزام بها. يُشدِّد على أن مخالفة السنة تؤدي إلى عواقب وخيمة.
يتناول ردود العلماء على من يعتقد أن القرآن يكفي للاستغناء عن السنة، موضحًا أن القرآن أشار إلى السنة وأن الله حفظها بالأئمة الأثبات. يُبين أن من أنكر السنة كفر وخارج عن الإسلام.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن، فلا يشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة، فقم من عنده ودعه. هنا أخواني، قبل الدخول في هذه الفقرة، تنبيه على الفقرة السابقة في قول المؤلف رحمه الله تعالى: وإذا رأيت الرجل جالسًا عندي، هكذا بالنصب، وصواب النصب، ليس بالرفع، في بعض النسخ: وإذا رأيت الرجل يجلس، فجلس، ليس فيها أي إشكال، لكن من في طبعته جالس بالرفع، فهذا لا يستقيم ولا يصح. وقد نبّه على ذلك أخونا الفاضل بمعارب حفظه الله، لأنها إلى الرؤية على حسب إن كانت رؤية قلبية فيتنصب مفعولين، وإن كانت رؤية بصرية ويكون في محل نصب حال، فليس له وجه، فالرفع، فتُعدل من عنده جالس بالضم، صوابه جالسًا. فقرة هذا المقام في قول المؤلف رحمه الله تعالى: وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر، قلنا إن الأثر تارة يأتي بمعنى السنة المرفوعة عن رسول الله، وتارة يأتي بمعنى ما جاء عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهنا الظاهر من عبارته أنه أراد بالأثر السنة؛ لأنه قرنها مع القرآن. قال: وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن، فلا يشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة، فقم من عنده ودعه. هذه مسألة إخواني في الله، في حق من ترك السنة، ترك السنة، والسنة -رعاكم الله- والأخذ بها وبتعظيمها، تعتبر هي الفيصل، بل من أعظم الفواصل التي تميز أهل الحق من أهل البدعة والضلال. السنة بالقيام بها، وبتطبيقها، وبالعمل بها، وبالتمسك بما فيها، وما من مخالف من المخالفين إلا وله بعد عن السنة، قل هذا البعد أو كثر، وعلى حسب بعده تكون الضلالة. فمن الناس مثلًا من يقول: إنه لا زال على السنة، إلا أنه من الذي يفعله، تراه لا يقيم بالسنة وزنها، هو يقول بها، لكن لا يجعلها هي الأصل، بل يهمش من أمر السنة، فيقول: إن السنة تعتبر قشور وليست بلباب، وأن السنة إن فعلناها خير، لم يفعلها ما تضر، ويستهين بالسنة، فهذا رجل بعيد عن السنة. وآخر لربما يقول: أنا سني وعلى السنة، لكن في باب الاعتقاد، في باب الأسماء والصفات، أما في باب المنهاج والدعوة والسلوك، فلا أقول به اجتهادات عصرية، فهذا قد بعد عن السنة. ومن الناس من يقول: أنا على السنة، لكن إذا وافقت العقل، إذا السنة وافقت العقل، فأنا أقول بها، أما السنة تخالف العقل، فلا أتحاكم إليها. ومن الناس من يقول: أنا مع السنة إن كانت من قسم المتواتر، أما سنة من قسم الآحاد، فأنا لا أقول بها، وهكذا. قس ما تجد إلا أهل طائفة المنصورة هم الذين يقولون بالسنة ظاهرًا وباطنًا، يلتزمون بها، يستمسكون بها في كل أمورهم، في جميع شئونهم، في حياتهم اليومية، في عباداتهم، في اعتقاداتهم، في مسلكهم، في منهجهم، هؤلاء أهل السنة صدقًا وحقًا. لكن تجد أن المخالف يقل تمسكه بالسنة، ومن ثم تأتي الضلالات التي تتوالى على ابتعاده عن السنة. وبالمقابل تأتينا فرقة هنا، ماذا ليس عندها تفصيل في أمر السنة، بل ترى أن السنة جملة وتفصيلًا ليس لها معيار، وليس لها ثقل، وليس لها أي حجم أو اعتبار عندها، فيرى أن السنة معضلة من المعضلات، وأن الحل والواجب إزاء السنة أن نلغيها عن الدين، عن الملة، تُلغى. وهذه الفرقة ظهرت ونشأت، وهي من أقبح الفرق، وسيأتي ما يتعلق بالحكم عليها. هؤلاء ظهر لنا بهذا الدين المبتدع، وبهذا المنهج المخترع، فقالوا: إن ليس هناك شيء اسمه السنة، ليس هناك شيء اسمه السنة. نعم، هذه أقوال قد ظهرت في أيام سلفنا، لكنها أقوال شاذة، ومن بعض الناس، لكن في هذه القرون المتأخرة أصبحت لها جماعة، وأصبحت لها منهج، وأصبحت لها قراء، ولهم كتاب يكتبون ويؤلفون، ويدافعون، وينافحون عن هذه الفكرة الدسيسة، وهو إلغاء السنة. وهم يتبجحون بها، ليس هناك شيء اسمه سنة، وإنما قالوا: عندنا القرآن هو المصدر الوحيد، والتشريع الوحيد هو القرآن، لا نخرج عنه البتة، لا نخرج عنه البتة. وهذا الفرق إخواني من الفرق الضالة، وهي مخالفة لكتاب الله جل وعلا، وهذا من التناقض في هذا الفرق أنهم زعموا، تسموا بالقرآنيين، بالفرق القرآنية، وبالقرآنيين، كأن ظاهرهم أنهم يعملون بما في القرآن. وهذا من التناقض؛ لأن القرآن هو بنفسه قد أرشد إلى السنة، وقد أمر بالرجوع للسنة، فكيف تلزمون أنفسكم بالقرآن، وأنتم من أبعد الناس عن الأخذ بما في القرآن؟ مثاله الآيات التي فيها الأمر بطاعة الله وطاعة الرسول، إمام أحمد رحمه الله تعالى يقول: إن طاعة الرسول قرنت بطاعة الله في أكثر من سبعين موضع، في أكثر من سبعين موضع فيها الأمر بطاعة الله وطاعة الرسول. قل: أطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون، يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله، طاعة الله -على قول هؤلاء- تكون باتباع ما في القرآن، طب أين طاعة الرسول؟ أين ستكون؟ ستكون من السنة، لا يمكن أن تقوم بهذه الواجبات التي أمرك الله في قرآنه بطاعة رسوله إلا أن تأخذ بسنة عليه الصلاة والسلام. وهكذا قل في الآيات التي أمر ربنا بأخذ من سنته، قال جل في علاه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، إذن كيف تأخذ من رسول الله؟ وما آتاكم الرسول فخذوه، ما الذي أتى به نبينا؟ أتى بالسنة، أتى نبينا عليه الصلاة والسلام بالسنة. فكيف يأتي هذا المدعو، وهذا الدخيل على الأمة وعلى الملة، ثم يقول: أنا ما أعترف بشيء من السنة؟ إذن ربنا يخاطب من في كتابه جل وعلا، أليس فيه الأمر للأمة جميعًا بأخذ سنته عليه الصلاة والسلام؟ بل حذر ربنا جل وعلا من مخالفة أمر الرسول، فقال جل في علاه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فهذا وعيد شديد، وتهديد عظيم من رب العالمين في حق من خالف أمر الرسول. وكيف يكون العبد مخالفًا لأمر الرسول؟ لا يكون العبد مخالفًا لأمر الرسول إلا إذا خالف سنته، خالف سنته. أدلة واضحة، بينة، بل ما هو أصرح من ذلك، ما جاء في السنن أن النبي قد بيّن أنه سيأتي في آخر الزمان أناس على هذا الفهم، أنهم سيأتون، يأتي، قال النبي: يأتي رجل من أمة، متكئ على أريكته، شبعان، متكئ على أريكته، شبعان، يقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما من حلال أحللناه، وما من حرام حرمناه. قال عليه الصلاة والسلام: ألئن رسول الله قد حرم مثل ما حرم الله، ألئن رسول الله قد حرم مثل ما حرم الله، نبينا أخبر من دلائل نبوته عن وجود هذا المنظر، الرجل ماذا؟ لا مبالاة بدين الله، يتكئ على أريكته، ويقول: الحكم بيننا وبينكم القرآن فقط. فبيّن نبينا أن السنة كذلك حاكمة، فالسنة مثل القرآن في باب الالتزام بها، في باب الالتزام بها، ودلائل كثيرة جدًا، بل حتى العقل، العقل. من أراد أن نقول له: أولئك الذين ماذا؟ دسوا على الأمة هذه النبتة الخبيثة الخطيرة، من أن الكفاية في القرآن، وأن السنة لا داعي منها، نقول لهم: فبما تتعبدون الله؟ نريد واحدًا منكم أن يتعبد الله بما في القرآن. الصلاة، كيف تصلي صلوات الخمس على هذه الصورة، بمواقيتها؟ أين المواقيت المحددة بداية ونهاية؟ أين من القرآن هيئات الصلاة؟ فاتحة، ركوع، اعتدال، سجود، جلسة، سجود، قيام الثانية؟ أين هذا في القرآن؟ أما يتعلق بعدد الركعات الثنائية والرباعية والثلاثية؟ أين هذا في القرآن؟ الزكاة، الأنصبة، المقادير، ما يتعلق بالمحاصيل؟ أين هذا في القرآن؟ ما يتعلق بالحج ومناسك الحج وبترتيب أيام الحج؟ أين هذا في القرآن؟ ما يتعلق كذلك بالحدود، السارق والسارقة، يقع السارق بكم يعني؟ شعيرة؟ يقع يده أو على دينار أو ربع دينار؟ أي المقادير هذه كلها في السنة، لا يمكن لأحد أبدًا أن يتعبد الله من غير السنة، لا بد أن ترجع للسنة. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾، هذا الذي أنزل على الناس، لا يمكن أن تعرف ماهيته وحقيقته إلا بالرجوع إلى السنة. ومن هنا قال علماء في وظيفة السنة إزاء القرآن: إن على ثلاث مراتب، وظيفة السنة إزاء القرآن إن على ثلاث مراتب، إما أن السنة تأتي مقررة ومؤكدة لأحكام القرآن، تأكيد، وإما أن السنة تأتي شارحة وموضحة لما أجمل في القرآن، وإما أن السنة تأتي مزيدة لأحكام ليست في القرآن، أحكام كثيرة في باب النكاح والبيوع ليست في القرآن موجودة. فتأتي السنة فجأتها، إما هي مؤكدة مقررة، وإما أنها مبينة مفصلة، وإما أنها مزيدة، فالسنة ولهذا يقول بعض السلف: السنة قاضية على القرآن، حتى إن بعض السلف ما استحب هذه العبارة، ما أحب أن تطلق هذه العبارة. لكن أراد من أرادها أن يبين أهمية السنة، وأن القرآن يحتاج بحاجة ماسة إلى السنة، بل هذا القرآن، قال: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾، القرآن لا يمكن أن يعمل به من غير بيان من نبينا عليه الصلاة والسلام، وبيانه هي السنة التي وضحت، والتي فسرت، والتي بيّنت ما في كتاب الله جل وعلا. وهذا الفرق إخواني، فلا متأهين، ما قلنا: هي قد ظهرت في أيام سلفنا، وحكيت مناظرات، ناظر الشافعي رحمه الله تعالى بعضًا من أمثال هؤلاء، نقل عن مطرف، نعبد الله بن شخير رحمه الله تعالى، تناقش مع بعض هؤلاء، لكن أقوال عابرة. لكن في هذه الأزمان، وخاصة في البداية القرن العشرين، في أواخر القرن التاسع عشر، ظهرت كمنهج، وذكر العلماء من أهل التتبع أن أول ما ظهرت هذه المدرسة كان في أرض الهند وباكستان، كفكر، كفكر ظهرت هذه الفرقة. وتخيل شيء في دين الله يظهر في أرض العجم، في أرض العجم، في أرض الهند، وهذا الذي قام هو سمى أحمد خان، وكان متأثرًا بالفرقة الباطنية الإسماعيلية، هذا الأمر الثاني. وأن هذا الفكر ظهر في إبان الاستعمار البريطاني، تخيل إلى هذه القرائن في أرض العجم، متسوس من قبل باطنية، تحت مظلة الاستعمار. ومن هنا حكم الكثير من العلماء من المعاصرين أن هذه الفكرة عبارة عن دسيسة دسيسة استعمارية، أراد أهلها إضعاف الدين، وهذا واضح. تخيل يا عبد الله لو أن رجلًا أراد أن يتعبد الله بما في القرآن فقط، وضيع الكثير والكثير من أحكام الدين، كثير، بل هم صرحوا، لو ترجع إلى بعض الكتاب من أمثال هؤلاء، كرشاد خليفة، ولا محمود أبو رية، ولا جماعة، تجد من عباراتهم تقول: إيش أبقى من دين؟ يقول بعض المدعين -يعني الذي رد السنة- من أمثال هؤلاء يقول: طيب ما في مانع نجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، قال: وما المانع من أكل الحمر الأهلية؟ قال: لأن القياس يستسيغه، متى آتوا في هذه العبارات، تفوههم، لم ألغوا السنة؟ السنة ألغت هذا الباب، حرمت الجمع بين المرأة وعمتها، حرمت الأكل من الحمر الأهلية، هم ألغوا السنة، إذن تبقى هذه عندهم على أصل الحل، تبقى حلال، وقس على ذلك الكثير من المعاصي، ومن الشهوات، والشهوات التي ماذا؟ جاءت السنة بإلغائها. لكنهم بإلغاء السنة أباحوها لأنفسهم، وأحكام الشريعة كثيرة جدًا، ومن رجع إلى أمثال هؤلاء، كصديق، مصطفى، محمود أبو رية، رشاد خليفة، ومما كتبوه في زمن معاصري، التأليفات، يرى منهم هذه العبارات الخطيرة الخبيثة التي في إضعاف للدين. هم طبعًا استدلوا، طبعًا الواحد منهم ما يستطيع التجرأ يقول: يا أخوانا أنا ما أقول بالسنة؟ ليش؟ عبد الله يقول: مزاج أسا، يقول: مزاج، سيأتي بشبه، هم نعم، أتوا ببعض الشبه، أظنها حجج، ظنها حجج على أن يسوغ لهم عدم العمل بالسنة. ومن أعظم ما استدلوا به يقول في قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، يقول: ربنا صرح أن القرآن كفاية، وأن الدين بالقرآن يكفي، ما فرطنا في الكتاب من شيء، ونحن على هذا، الكتاب هو القرآن، نأخذ به، ويكفينا، ليس هناك بعد ذلك شيء، فهو يقع بهذا، نستغني عن السنة. رد العلماء عليهم بأن ما معنى الكتاب هنا؟ على قول كثير من المفسرين: إن الكتاب هنا اللوح المحفوظ، ليس القرآن، إنما اللوح المحفوظ، هم من قول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. بل سياق الآية يدل على ذلك، يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، أحوال الدواب، أحوال الطيور، أين هذا في القرآن؟ في اللوح المحفوظ، ما يتعلق بالخلق جميعًا، كل ذلك مسطر في اللوح المحفوظ. وعلى قول ذلك لو قيل: إن الكتاب هنا المراد به القرآن، قال علماء كذلك: ليس فيه دلالة على الاستغناء عن السنة، ففي قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، إن كانت الكتاب هنا أي القرآن، فمعناه أن القرآن جاء تبيانًا لكل شيء، إما نصًا، وإما إشارة، وإما دلالة. والقرآن قد أشار إلى السنة، القرآن أشار إلى السنة، فلن فيك أك أبدًا -عبد الله- عن السنة، كذاك يقولون من شبههم. قالوا: نحن لا نعمل بالسنة؛ لأن الله جل وعلا قد تكفل بحفظ القرآن فقط، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، قالوا: ربنا جل وعلا تكفل بحفظ القرآن؛ لأنه حجة، حتى قال بعضهم مثل رشاد خليفة: قال: ما قال ربنا أنه قد تكفل بالبخاري، يقولها متهكمًا، يقول: ما بلغنا أن الله يقول: قد حفظت البخاري، ما حفظ الله البخاري، السنة ضائعة، الله ما تكفل بها، إنما تكفل بحفظ القرآن، فنحن نعمل به. فرد العلماء عليهم قال: في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾، إن الذكر كلمة عامة تشمل كل ما أنزله الله، الكتاب والسنة، والسنة من الذكر التي أنزلها الله جل وعلا على نبينا عليه الصلاة والسلام. كذلك من شبههم يقولون: إن كثرة الأحاديث الضعيفة أبعدت السنة، كثرة الأحاديث الضعيفة والموضوعة أبعدت السنة، جعلت أن السنة ضعيفة، ليست محل للثقة، ليس محل للأمانة والأمان، فنتركها ونأخذ بالقرآن الأمة على حفظه. فرد العلماء عليهم: ومن قال بهذا؟ وهل هذا الأمر بهذه السهولة أن نقول بأن السنة أصبحت ضعيفة؟ أصبح كل من أراد أن يعبث يعبث بها؟ لا يا عبد الله، ربنا جل وعلا كما جعل لمن يحفظ القرآن في عهد الصحابة، كذلك جعل للسنة من يحفظها من الأمة. ولكم في ذلك العبر الكثير، ومن أفضل ما يذكر في هذا الباب قصة هارون الرشيد رحمه الله تعالى، عندما ألقى القبض على بعض الزنادقة ممن كان همته في الأمة أنه كان يكتب الأحاديث الموضوعة ويدسها على الأمة. فهَارُون الرَّشِيد رحمه الله تعالى أمسك به، وأراد أن يقتله، فقال هذا الزنديق: على ما تقتلني؟ قال هارون: لأريح الناس منك، قال: وكيف ذاك؟ فقد وضعت بين الناس ألف حديث، وفي رواية: أربعة آلاف حديث، كلها عن رسول الله، من وضعه، كلها عن رسول الله، أحللت فيها الحرام، وحرمت فيها الحلال، كيف تفعل؟ أنت تقتلني، هتستريح؟ لا، باقي أشرار موجود، أربعة آلاف حديث دسستها بين الناس، أقول: قال رسول الله، ما قالها، كلها فيها قلب للدين، أحللت فيها الحرام، وحرمت فيها الحلال. فقال هارون الرشيد رحمه الله تعالى: قال: أسكت يا عدو الله، فإن الله جل وعلا قد أبقى لها أبا إسحاق الفزاري، وابن المبارك، سينخلانها نخلًا، سينخلانها نخلًا، فقتله. فالسنة قد حفظها الله بالأئمة الأثبات، للجرح والتعديل، أهل المصطلح، هؤلاء الذين قد سافروا، وركبوا، وسطروا، وقعدوا، قواعد عظيمة جدًا، حتى ماذا؟ صفى الكثير من السنة من هذه الأحاديث الموضوعة، وهكذا المهتوكة. فما بقي إلا السنة الصحيحة التي ماذا؟ عليها العمل، وهي كثيرة، وكثيرة جدًا، فشاهد إخواني في الله: الحاصل أن ما يدند به القوم من هذه الترهات التي سموها حججًا أو شبهات، كلها ضلالات. والحاصل أن مآل هذه الفرقة إلى ما حكاه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: فلا يشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة. نعم، من قال بهذه المقالة، ومن صرح بأن يمكن الاستغناء عن السنة بالكلية، بالكلية، فإن العلماء قد أجمعوا على كفره، أجمعوا على ردته، وفلاو عما كثيرة في هذا الباب. من ذلكم ما قاله السيوطي رحمه الله تعالى: قال: من أنكر السنة، قال: من أنكر حديث النبي عليه الصلاة والسلام قولًا أو فعلًا، قال: من أنكر كون الحديث النبي صلى الله عليه وسلم قولًا أو فعلًا، الحجة، فقد كفر، وخرج عن دائرة الإسلام، ويحشر مع اليهود والنصارى، ومع من شاء الله من فرق الكفر. هذا من أنكر كون الحديث حجة، يقول: أنا ما أعتمد الحجة، وأن الحجة عند القرآن فقط، فهذا الذي يقول: الحجة القرآن، ولا يجعل السنة حجة، فإن السيوطي رحمه الله ذكر أقوال العلماء بأنه يكفر، بل قال: يحشر مع اليهود، ومع النصارى. وقال ابن حزم رحمه الله تعالى: قال: لو أن امرأً قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن، لكان كافرًا بإجماع الأمة، لكان كافرًا بإجماع الأمة، قال: وقائل هذا كافر، مشرك، حلال الدم والمال، حلال الدم والمال. ولهذا لما ظهرت فرقة هذا الرجل الإسماعيلي أحمد خان في أرض الهند وباكستان، وظهرت فرقته، وكان ذلك في حياة سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، أنزل فتوى بتكفيره، أنزل فتوى بتكفيره، وأنه قد ارتد عن دين الله. وهكذا لسماحته رحمه الله تعالى فتوى في تكفير أحمد رشاد خليفة؛ لأنه كان على هذا المنهاج من الاستغناء عن السنة، وكونها ليست بحجة. فأقول ما قال المؤلف رحمه الله تعالى: إن من أنكر السنة فقد احتوى على الزندقة، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.