الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 112، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُنبه المؤلف إلى خطورة الكلام والجدال والمراء في الدين، ويحذر من الشك والضلال الناتج عنها. يشير إلى أن الضلال له درجات متفاوتة وأن مجالسة أهل الأهواء قد تؤدي إلى القدح في القلب.
يتناول تحذير العلماء من علم الكلام والمناظرة مع المخالفين، ويوضح أن علم الكلام يخالف علم الشريعة. يشير إلى أن المناظرة قد تكون مفتاحا للشك والريب وقد نهى عنها بعض السلف.
يحدد شروط المناظرة مع المخالفين، مثل أن يكون المناظر عالما ونيته هداية المخالف. يشير إلى أن بعض العلماء يرى جواز المناظرة بضوابط معينة بينما يرى آخرون أنها تسبب أذية وتشويشًا.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإذا أردت الاستقامة على الحق وطريق أهل السنة قبلك، فاحذر الكلام وأصحاب الكلام والجدال والمراء والقياس والمناظرة في الدين، فإن استماعك منهم وإن لم تقبل منهم يقدح الشك في القلب، وكفى به قبولا فتهلك. وما كانت زندقة قط، ولا بدعة، ولا هوى، ولا ضلالة إلا من الكلام والجدال والمراء والقياس، وهي أبواب البدعة والشكوك والزندقة. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الفقرة، وإن كان بعض فقرات هذه المسألة قد مر معنا في أوائل الكتاب وأوائل الرسالة. وهذه الفقرة التي بين أيدينا، أخواني في الله، اجتمعت على مسائل من أهمها: أن من الطرق التي تؤدي إلى استقامة العبد وإلى ثباته على دين الله جل وعلا هو أن تتعرف على طرق الغواية، ومن ثم تحذر منها. الكثير ممن يريد الاستقامة على الدين يسأل عن أبواب الخير ويسأل عن أبواب الطاعة حتى يلتزمها، وهذا كذلك ما يشكر عليه هذا الجهد وعلى هذا السعي. كذلك ينبغي أن يفهم من أراد الاستقامة والاستمرار على هذا الباب وعلى هذا الخير: أنه كما سأل عن أبواب الخير، فليسأل كذلك عن أبواب الشر، وذلك حتى يشتبهها. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين﴾، أي تتضح وتبان هذه الطريقة، وهي طريقة أهل الإجرام. لماذا تستبان للناس؟ يحذر، يعرفها القاصي والداني، ومن ثم يتم الحذر منها. وهكذا كما قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فتسأل يا عبد الله وتتعرف على أبواب الشر وعلى أبواب الغواية حتى تحذر منها. وأشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى ذلك، فقال: وإذا أردت الاستقامة على الحق وطريق أهل السنة قبلك، فاحذر الكلام وأصحاب الكلام والجدال والمراء والقياس والمناظرة. أي: هذا طريق من طرق الاستقامة، أنك تسأل عن الشر وعن أبواب الشر حتى تحذر منها. سألت عن الشر لا للشر، ولكن لتوقيه. ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه. الفائدة الثانية تستفاد من هذه الفقرة: أن الضلالة يا عبد الله كل الضلالة تختلف. الضلالة عبارة عن دركات وعبارة عن درجات. فأعظم ضاءة تصب بها يا عبد الله إذا جالست من لا خلاق له ولدين. أعظم ضلالة أنك تعتنق ما هو فيه من ضلالة. هذا من أعظم صور الضلالة: أنك تتبع، وأنك تعتنق الذي ابتلي به خصمك. ولكن هناك ضلالة أقل منها، وهي أنك لربما لا تتبعه، ولا تكون من أتباعه، ولا تعتنق فكرته هذا الخصم، لكن تقع في ضلالة أخرى وهي أقل منها، وهي ماذا؟ القدح والشك الذي يطرأ على القلب. فهذا كذلك ضلالة. وبعض الناس، أخواني في الله، ربما يجالس أهل أهواء، ويجالس الخصوم، ويجالس من لا خلاق له ولدين، ويقول: أنا على حمد الله، أنا معتقد بما أنا عليه من الحق، وأنا أعرف أن هذا على ضلالة مئة في المئة. وقد يسلم له. وهذا قد يكون غرورا واتكالا على نفسه، وعجبا بطبعه. ولو سلمنا جدلا بصحة ما تقول: وأنك لن تعتنق فكرته، فلا أقل يا عبد الله أنك تصب بضلالة أخرى، وهو أن هذا وإن لم يستطع أن يسحبك إلى بدعته وإلى ما عليه من ضلالة، أنه قد يؤثر عليك، وذلك بأن يقدح في قلبك شيء من الشك، وشيء من الريب. وقد وقع ذلك عند كثير من الناس ممن تساهل في مجالسة من أمثال هؤلاء مع أصحاب الكلام وأصحاب الجدل وأصحاب الهوى. فإذ به ماذا؟ لربما اتبعهم. لكن ينقدح في قلبي شيء، كما وقع عند كثير من أولئك: جهل من صفوان وجماعة، عندما كانوا على خير. فلما جالسوا أهل أهواء ما تأثروا بهم، لكن أثر عليهم بأن طرأ الشك والقدح في قلبه. فأصبح هذا الشك والقدح يتلاعى في قلبه. له رجع إلى السنة كما كان أول، وله انضم إلى المبتدع والمخالفين. وإنما أصبح في قنطرة بين الشك والريب، حتى آل أمره إلى الضلال والهلاك. فنعلم إخواننا في الله: أن الجلوس مع المخالف لربما إن لم يكن في الدرجة، ولا تنضم، فلا أقل أنه ماذا؟ يلبس عليك. ولهذا قال من قال: أبي قلابة رحمه الله تعالى في عبارته المشهورة: لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تخالطوهم، فإني لا آمن عليكم أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو أن يلبسوا عليكم كثيرا مما تعلمون. إما هذا، وإما غمس كامل تكون من أتباعهم ومن أحد فرقتهم الضالة. وإما أنه يا عبد الله إن سلمت من ذاك، فلا تسلم من القدح والشك الذي يطرأ على القلب، فتكون ماذا؟ فيك شبهة تتلاعى في قلبك، فلا ترجع إلى ما كنت عليه من الصفاء والنقاء. فهذا الذي أراد المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: قال: فإن استماعك منهم وإن لم تقبل منهم يقدح الشك في القلب، وكفى به قبولا فتهلك. فالهلاك على صور. كذلك مما يستفاد من عبارة المؤلف رحمه الله تعالى ها هنا: التحذير من هذه الأمور التي عينها، ذكر الكلام، وذكر الجدال، وذكر المراء، وذكر القياس، وذكر المناظرة في الدين. فهذه الأشياء جعلها المؤلف رحمه الله تعالى سببا من أسباب البدعة، وأنها طريق من طرق إخراج المسلم عن دينه وعن كذلك منهاجه. فهذه الفقرات، أخواني في الله، من كان معنا قد مرت معنا في الدروس القديمة، ما يتعلق بتعاريفها، وهكذا وضع الحد لها، وما يتعلق من نقولات السلف في التحذير منها. مر معنا الكلام والجدال والمراء والقياس. ونبهنا في مثل هذه المسألة: المؤلف أكثر من التحذير من أمر القياس. وقلنا: أن القياس المقصود به هو القياس الفاسد أو القياس الباطل. فإن القياس عند العلماء على قسمين اثنين: قياس محمود، وهو القياس الشرعي الذي يعمل به والذي يحتج به. وهناك قياس مذموم، وهو القياس الباطل الفاسد، والذي له صور: إما كقياس على مصادمة النص، أو قياس على مخالفة الشرع، كما فعل إبليس عندما قاس نفسه على آدم: أنه فضل النار على التراب. فهذا قياس باطل، قياس فاسد. أو قياس كذلك بمحض العقل، أو قياس لم تتوفر فيه الأركان الأربعة: أركان القياس أربعة: أصل معلوم، فرع مجهول، علة مشتركة، حكم واحد. فإذا انتفت عن القياس، فينتقل من قياس صحيح إلى قياس باطل فاسد الاعتبار. فالمؤلف رحمه الله تعالى، وكثيرا ما كان المبتدعة يستدلون بأمر القياس الفاسد، فألغوا الأسماء، وألغوا الصفات، وطعنوا في ذات الرب جل وعلا، ونفوا الكثير، وألغوا الكثير من أحكام الشريعة، عندما أدخلوا القياس الفاسد في الدين. فهذا قياس لا يصح، ولا يعتمد، ولا يعتبر. بل هو كما قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: أن القياس بهذه الصورة باب من أبواب البدعة والزندقة. باب من أبواب البدعة والزندقة. أما إذا كان قياسا معتمدا، قياسا معتبرا، له أركانه وله ضوابطه، فهذا عمدة في الدين، وله أدلة كثيرة تدل عليه. فهذا مقصود بأمر القياس. وهكذا الكلام والجدال قد مر معنا. فإن الجدال والكلام من أمور الذي ماذا؟ تأتي بالشك. لأن علم الكلام، أخواني في الله، يخالف علم الشريعة. فعلم الشريعة يقوم أول ما يقوم على الكتاب والسنة، بخلاف الكلام، فإنه يقوم ماذا؟ على الكلام والمنطق وعلى العقل، لا يرجع إلى الشرع، ولا يعتمد على الشرع. بل ربما يعود على الشرع بالاستدراك. وهكذا طريقة علم الكلام طريقة خلاف القرآن. القرآن يبدأ بالأصول والأمور اليقينية، بخلاف علم الكلام يبدأ بالشك، يبدأ بالتساؤلات، ثم بعد ذلك يأتي بالحلول. فطريقة الكلام تختلف كل الاختلاف عن علم الكتاب والسنة. ومن هنا أجمع العلماء على تحريم تعلم علم الكلام. لا ينفع، ولو أراد صاحبه على حد زعمه أن يتعلم علم الكلام يرد على الزنادقة وعلى كذلك اليونان، فهو كذلك لا ينفع. فهو كعلم من أصله باطل فاسد، ليس له وزن في دين الله جل وعلا. فحذر العلماء من هذا العلم، وحذر العلم من أهله. ومن الطريف ما يذكر في هذا الباب: ما ذكره أئمة التاريخ، كما ذكر ذلك المقريزي رحمه الله تعالى في الخطط، وهكذا السيوطي في تاريخ الخلفاء، وجماعة من أهل العلم في شأن المأمون. المأمون كان على خير، والي المأمون العباسي كان على خير، ويحكى أنه كان على السنة في بداية أمره وخلافته. إلا عندما طرأت في رأسه أو كثر في مسألة استصحاب واستجلاب كتب اليونان. أغرى هذا الرجل والإمام بأن يأتي بالكتب التي عند النصارى: كتب الفلاسفة سقراط وأرسط وجماعة. ملئت في ذهنه أن هذه كتب علمية، كتب طيبة تنفع المجتمع، تنفع الفرد، تنفع في إحياء هذه المجتمعات. فأرسل المأمون رسالة إلى بعض ملوك النصارى يطلب منه أن يأتي إليه بخزانة كتب اليونان، خزانة موجودة عندهم. علم بها، أطلبها أن تؤتى إليه حتى يعربها بالترجمة العربية، ثم ينشرها بين أهله وبين علمائه. فلما جاء طلب عنده ملك اليونان، ملك النصارى، جمع الخواص من القادة والعلماء في زمنه. فقام هذا الأمير النصراني وأخبر خواصه بطلب المأمون: أنه يطلب كتب اليونان. الجميع عارض، قال: كيف نعطيهم هذه علومنا، وهذه ثقافتنا، وهذه إرثنا؟ لا نعطيهم فينتفعون بها. الكل عارض إلا رجلا كان من الأساقفة، كان كبيرا، كان عاقلا، رزينا. سأله: ما تقول في هذا؟ قال: أنصح أنك ترسلها. أرسلها، إرسلها إليهم. فاستقرب الجماعة: كيف ذاك؟ فقال: إن هذه الكتب ما دخلت دولة أو ما دخلت على دولة إلا فرقتها، ولا بين علمائها إلا أفسدتهم. فأرسلها. وكان المتوقع: متى تغير المأمون بعدما جاءت هذه الكتب إلى بلاد الإسلام؟ فترجمت إلى العربية، فطلع عليها مثل ما مثل هؤلاء: ليس عنده خلفية في الدين، فانغمس بها، فتأثر بفعل اليونان والفلاسفة، وتقديم العقل، وأن العقل هو مقدم على الشرع. ثم جاءت المعتزلة، وجعلت وجهة أن هذا الرجل قد ماذا؟ قد استلب بصبغة العقلانية. فأصبح معهم ماذا؟ ظاهرا وباطنا. فذكر العلماء: أن من أسباب ضلال المأمون تأثره بهذه الكتب: كتب اليونان والفلاسفة. وهي بين قوسين من علم الكلام، من علم الكلام. فصدق ذاك الأسقف: أن هذه الكتب ما دخلت على بلدة إلا أفسدتها، ولا بين علمائها إلا فرقتهم. فدبت الفرقة بين المسلمين بعد هذه الكتب. كذلك ما يتعلق من المؤلف نحذر عنه: المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بالمناظرة. قال: والمناظرة في الدين. حكم المؤلف رحمه الله أنها تفتح الشك والريب. فما يتعلق بأمر المناظرة، أخواني في الله: صحيح أن نقل عن كثير من السلف أنهم يمنعون المناظرة، المناظرة مع المخالف. سواء كان مناظرة مع من ينتسب للفرق الإسلامية، أو حتى المناظرة مع من لا ينتسب للدين، مثل العلمانيين، الليبراليين، البعثيين، اللادينيين. إذا احتاج إلى مناظرة، هل يناظر جماعة؟ وقد نقل عن سلفنا الصالح أنهم كانوا يمنعون يمنعون من فتح باب المناظرة. لا تناظر المخالف. المخالف بين أمرين: إما أنه متعنت، فهذا لا خير فيه، ولا تنفع المناظرة معه. وإما أنه مسترشد، فسيأتيك ليس من باب المناظرة، يأتيك مسترشدا، يسألك ويستفتيك عما أشكل عليه. فإما هو ها على هذا الحال من التعنت فيترك، وإما أنه سيسترشد فيأتيك. أما المناظرة فما تنفع. وقد نقل عن ذلك عن سلفنا الصالح. وذكر ابن بطة رحمه الله تعالى في الإبانة الأثار الكثيرة عن سلفنا الصالح في المنع من ذلك. وهكذا الآجري في الشريعة ذكر كذلك. حتى قال في مقولته: قال: وإن كان يريد مناظرتك ومجادرتك، فهذا الذي كره لك العلماء، فلا تناظره واحذره، نهوا عن المناظرة وعن فتح النقاش مع المخالف. بالمقابل هناك من أهل العلم من رأى جواز المناظرة. وأنا لا بأس أن تفتح المناظرة مع المخالفين. ومن قال بهذا القول كذلك سذل بما أثر عن سلفنا الصالح: كمناظرة ابن عباس رضي الله تعالى عنه مع الخوارج، وهكذا الإمام أحمد رحمه الله تعالى مع ابن أبي دؤاد ومع جماعات من المعتزلة في سجن ناظرة ذاك ناظرة وناظرة. وهكذا ما نقل عن أبي بكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى: عندما قام أحد الباطنية الإسماعيلية وأرسل إلى الأمير يريد أن يناظر، فقام الأمير في زمنه وأرسل أبا بكر الإسماعيلي أن يناظر هذا الباطني فناظره ففضحه. قد يقول قائل: أن هذه الأدلة ما تنفع لأنها أدلة إما مناظرة وقعت، وإما بإذن من الإمام أو بإلزام من الإمام. لكن ولو على هذا، فقد جاءت فتاوى صريحة كشيخ الإسلام رحمه الله تعالى. شيخ الإسلام من نظر في ترجمته: كان يناظر ويناظر بكثرة، ناظر النصارى، ناظر القبورية، ناظر الأحمدية، ناظر الروافض، ناظر جماعات من المبتدعة. بل حتى أنه كان قد عرف عنه ما ناظر أحد فانهزم أبدا. شيخ الإسلام يناظر ما ناظر أحد إن نصراني أو قبوري أو من فرق المتصوفة في زمنه ما ناظر أحد فانهزم. وإنما كان ماذا؟ يقطع الخصم، هذا مشهور معروف عنه رحمه الله تعالى. بل صرح شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بمشروعية المناظرة، بمشروعية المناظرة. حتى قال رحمه الله تعالى: قال: وأما جنس المناظرة بالحق فقد تكون واجبة تارة ومستحبة أخرى، قد تصل إلى حد الوجوب، وقد تصل إلى حد الاستحباب. لكن أخواني في الأعلى: قول من قال بالمناظرة هذا كلام بعض العلماء. من المعاصرين من أهل العمل من كبار العلماء فتح هذا الباب، ولا بأس بمناظرة السني مع المخالف. لكن ما ترك هذا الباب على مصرعيه حتى نفهم فتوى العلماء في جواز المناظرة على من قال بجوازها، وضع لذلك شروطا، وضع لذلك ضوابط ينبغي أن تكون في عين الاعتبار، لا أن تلغى من ذلك. ومن أهم الأمور من أجاز المناظرة: أن تكون من طرف عنده علم. أن يكون عندك علم حتى ترتقي إلى هذا المرتقى الصعب: تناظر وتجادل الخصوم من المخالفين، إما من دينيين أو لا دينيين. فعليك أن تكون على ملك من علم. وقد سئل إمام مالك رحمه الله تعالى من قبل رجل أراد أن يؤلف كتابا في الرد على أهل البدع وعلى أهل الأهواء، ويجعل في كتابه حتى يحذروا من المبتدعة. فقال إمام مالك رحمه الله تعالى: قال: لا يرد عليهم إلا من كان عارفا بما يقول لهم، لا يقدرون أن يعرجوا عليه. فهذا لا بأس به. إمام مالك أجاز الرد على المبتدعة بهذا الشكل: أنك ترد عليهم، تكون عارفا بما تقول، بحيث أنهم لا يمكنوا أن يعرجوا عليك، أن يعلقوا عليك. فما تأتي يا عبد الله وأنت لست بذاك في العلم الشرعي فتناظر فرقة من الفرق الضالة طبعا. ولا أحد يستهين بعض الناس محب للخير يسمع العبارات المجملة من أهل السنة: أن أهل البدع هؤلاء جهلة، وأنهم ضلال، وأنهم ليس عندهم علم، ما عندهم إلا شبه قد أتبعته أنه أتبع هوى وأتبع شهوات. من المبتدع من الروافض، من المتصوفة. فيأتي محب للخير، يسمع هذه الأمور المجملة، فيرى أن المبتدع عبارة عن أنعام، ما عندهم شيء من العلم. فيسدد سمعه بطلب مناظرة، قال: أنا سأناظر، أنا لها من هؤلاء الحمقى. فيأتي فيفاجأ بشيء آخر: أنه عندهم علم. علم، لكن العلماء عندما قالوا أنهم أهل جهل، ذكروا العلماء أن جهلهم بمناسبة لعلم. العلماء جهلهم الذي عند المبتدع، ما عندهم من علم. عند العلماء جهل، فوصفوا الذي عندهم جهل. أما بالنسبة لك: هذه شبه. النبي لما أمر معاذ أن يذهب إلى أهل الكتاب، قال: إنك تأتي قوم أهل كتاب. قال: علماء. الفائدة من ذكر هذا المسمى: حتى يحذر هذا الصحابي من هؤلاء، فيستعد لهم بإعداد عدة، وأن يعلم الشبهة التي عند القوم. فلا يأتي أحد من بعض الناس من محب الخير أو رجل داعية ليس بمحنك في العلم الشرعي، أو ما عند القوم من ضلالات، فينتصب مناظرا منافحا وهو خاوي الوفاض. فتأتي أول شبهة، ثاني شبهة، فيسقط الرجل. وطبعا بسقوطه ليس يسقط لوحده، إنه سيمثل سنة كاملة، يمثل دين. فبسقوطه يسقط ما معه من كثير من الدين، فيشكك الناس في دينهم. ولهذا ألزم العلماء: أن من أراد أن ينتصب للمناظرة والجدال مع المخالف، أن يكون على علم، على بصيرة. بحيث كما قال مالك: بحيث لا يستطيعون أن يعرجوا عليك. تأتي بأدلة، إذا أرادوا أن يردوا دليلك ما استطاعوا ماذا؟ أن يفحموا دليلك لقوة ما عندك من حجة. هذا كما قال الأمر الأول مما اشترط به العلماء: أن يكون كذلك من العلماء. أن يكون طبعا لله عز وجل نقاشك ومناظرتك لله عز وجل، حتى يبارك الله في مناظرتك. لا يكون همك في الصعود أمام الناس، وفي هذا الكرسي الكرسي المناظرة، أن يكون همك إظهار الحذاقة وإظهار الذكاء والفطنة، وأنك على علم وعلى جراية وأنك على ثقافة. ولا يكون كذلك همك من البروز والظهور، أنك تريد رياء، مدح الناس وثناء الناس، أو أنك تريد طمعا لما في الدنيا، طمعا لدنيا من رئاسة أو مناصر ونحو ذلك. فهذا يضعف أمر المناظرة، بل ربما ماذا؟ يحبط الله عملك. ومن ثم يذهب ببركة مناظرتك. كذلك جعل بعض العلماء من ضوابط المناظرة: أن تكون هذه المناظرة ترجو منها هداية لمن تناظره. يكون هذه مبتغاك: أنك ترجو منه الهداية، أنك تهديه. فلا يكون قصدك أنك فقط ماذا؟ تخرج ما في نفسك، أو أنك تشوي سمعته. لا. الأصل يا عبد الله: أنك تريد أول ما تريد من المناظرة أنك تهدي هذا الضال. وستدل ما تستدل بهذا الضال بمروية وأثر عن ابن سيرين رحمه الله تعالى يقول: إن ابن عون قال: سمعت ابن سيرين أنه ينهى عن الجدال إلا رجلا إن كلمته طمعت في هدايته. الجدال ممنوع، قال: إلا رجلا إن كلمته طمعت في هدايته. الأصل الجدال والنقاش والحوار والمناظرة ممنوع إلا مع رجل هذا الرجل تظن أنك بكلامك معه أنه سيهتدي. فهذا لا بأس، على قوله: أن المتعنت فلا تبالي به، المتعنت والعنيد فلا تبالي به. هذا الأمر وهذا الضابط خاصة من بعض العلماء من رأى ليس بلازم. ليس هذا لازم. يرى بعض أنه قد تدخل في مناظرة ولو مع متعنت. لماذا؟ قال: إن خشيت أن ترك المناظرة معه لربما في خذلان للسنة. مثل رجل ضليل يتمدح ببدعته ويتحدى أهل السنة في زمنه. وأنا أتحدى هؤلاء الغوغاء هؤلاء الحمقى، أنا أتحداهم. وأثار هذا الكلام حمية الناس. قال: أين السنة؟ لماذا لا يجادلون؟ فقال بعض العلماء: إذا وجد أن ترك المجال لهذا المبتدع المتفلسف أنه يظهر قوته، بحيث يظهر إذلال السنة، أنه ليس لهم دين، وليس لهم رأس يتكلم عنهم. وفي كذلك تشكيك للناس العامة، يقول: أين السنة؟ ما فيها صحيح؟ فأصبح تدب بالبدعة في المجتمع. قال: هنا لا يخرج، وإن كان هذا المبتدع وإن كان متعنتا واضحا متعنتا متعنتا. قال: وما عليك يلغى هذا الشرط. فينتصب له السنة لمن كان بهذا الضابط عنده قوة في الحجة. له أن ينتصب فيناظر هذا الشخص. وكذلك من الشروط قال العلماء اشترطوا: أنه يناظر من المخالف أن يكون رأسا، أن يكون رأسا في جماعة، رأس في فكر. لا تناظر من هب ودب. بعض الناس ربما يقيم مناظرة على ماذا؟ مع رجل من هذا الرجل؟ تنظر في قومه ليس بشيء، ليس بشيء، عبارة عن مقلد، عبارة عن مريد كما يسمى عند بعض الأتباع مريد. أو أنه صغير أو أنه حدث أو أنه ناشئ في فكر معين. فتقيم مناظرة مع هذا الحدث أو مع هذا الصغير أو مع هذا التافه. فما الفائدة من مناظرته؟ ما الفائدة؟ هو إذا هزمك، وإذا أثر فيك. إن هزمت وصرت ما عندك من دين ومن علم. لكن إذا أنت هزمته، أتباعه يقول: يا أخي هذا صغير، ما نبالي به، هذا نكر عندنا. إذن أضعت ضائع الجهود سدى. ومن هنا صرح كثير من العلماء في كتب الاعتقاد: أن من أراد أن يناظر فأن يناظر من كان رأسا. هذا إذا ذهب وصرع وظهر عواره يؤثر في جماعته، بل يؤثر حتى في الفكر الذي جاء به الذي جاء به. كذلك شرط أخير أنبه عليه في باب المناظرة: أن لا يكون في المناظرة ظهور للبدعة. صحيح ما ذكر سابق من الضوابط قد تجد تجد رأسا في المبتدعة وأنت عندك علم، وأنك ترجو ما عند الله. لكن مع هذا كله هذا الرجل هو رأس في بدعة ميتة في بدعة ميتة. هي بدعة موجودة، لكن ليس لها ظهور، وليس لها بروز، وليس لها شيء يذكر. فأنت لما تقيم وتحيي هؤلاء، تقول: أين الفرقة الفلانية؟ فلناظروا. فلتقم لهم الشاشات والقنوات والإذاعات وتأتوا الكتب ويؤتى الناس من كل مكان وينظروا المناظرة. فما الذي استفدت؟ ولو خصمت هذا الخصم. فإنك يكفيك شرا أنك أظهرت بدعة للمجتمع هي كانت منفية ومنسية. ومنع العلماء أن يجادل يجادل ولو كان رأسا، لكن في بدعة غير مذكورة. أخواني يذكرون ما وقع لشيخنا مقبل رحمه الله تعالى ورحمة واسعة. عندما طلب من قبل الحكومة ومن قبل الرئيس السابق أن يناظر أن يناظر أهل أهواء، وأنه سيمكن من ذلك. يعني يمكن لشيخ مقبل أن يناظر من أراد. يعني تقام لك إن أردت التلفاز، إن أردت ساحة، إن أردت حشود، نأتيك ناظر ناظر هؤلاء كلهم. فكان من فقه شيخنا مقبل رحمه الله تعالى: قال: كيف أحييهم وقد أماتهم الله؟ كيف أحييهم وقد أماتهم الله؟ جماعات ما جاءت في الأسماء، ما أحد عرف أنها حزف فلان وجماعة فلانية والفرقة فلانية والمكارمة. قد يكون فرقة ماتت، ما يعني تعرف إلا في نطاق ضيق. قد أماتهم الله. فكيف أنت تحييهم وتنعشهم أمام الناس؟ فهذا لا ليس من الفقه. وهذا من فقهه رحمه الله تعالى أن أبى أن يناظر من أمثالها أو لا. فهذا من قواعد ينبغي ماذا؟ أن تراعى هذا في حق من قال بالمناظرة من قفل أو من أقلق باب المناظرة. فقد سلم من ذلك كله، ويرى أن المناظرة ليس لها وجود في الشريعة، وأن يلغى هذا الباب من أصله. ومن تمامه لما في ذلك من تشويش على الناس، ومن ذلك من إغارة الصدور، ومن ذلك إلى غيرهم. الثمار، لكن ينبغي أن نفهم كطلبة علم: أنه ليس مجمع عليه. هناك من أغلق هذا الباب تماما، ومنه من فتح هذا الباب، لكن بضوابط. فقال حتى شيخنا من عثيمين رحمه الله تعالى: سئل بالسؤال قيل: هل يجوز أن نناظر العلمانيين؟ السؤال هكذا: حاول العلمانيين في مناطق بمناطق ظهره. هل يجوز أن نناظرهم؟ قال الشيخ رحمه الله تعالى: قال: قلت ماذا؟ يجوز، نعم. الشيخ هل يجوز؟ قال: أقول بل يجب، بل يجب أن يناظروا لمن كان متمكن، لمن كان متمكن. فهذا قول مؤثور عن سلفنا ومن عقيديما وحديثا بجواز المناظرة لمن كانت له أهلية وله بذلك شروط. طبعا أنها كم يقال بها الظوابط. فينبغي لمن قال بالمناظرة أن ينتظم بها الظوابط. أما يدخل بمناظرة دون هذه الظوابط، فإن ذا أخوان ماذا؟ أذية يتلقى المسلم في دينه. وكما سمع ببعض المناظرات التافهة الذي يأتي أصحابه ويرمز للسنة وهو ضعيف في باب العلم الشرعي. فإذا المبتدع يدخل من هذا الباب ويدخل من ذاك الباب ويجعل السنة يتبلبل. فأصبح موقف السنة هزيل من قبل هذا المناظرات. فمن كان هذا حاله ومن كان هذا شأنه فلا ماذا؟ يقحم دين الله في أشياء الدين في غنى عنها. إنما يؤتى لمتمكن. شيخ الإسلام رحمه الله كيف كان كما قال أزهر الكاني رحمه الله تعالى: قال: ما ناظر أحدا إلا قطعه. إمام أحمد كان مربوطا بالسلاسل، مربوطا بالسلاسل يأتيه القاضي من أبي دؤاد ويحج هذا ويسكت هذا ويسكت وهو مربوط بالسلاسل. سبات علم، عندك علم، يعمل. تدخل بقوة، فلك الحمد. وقد أشكر العلماء بعض هذه المناظر لما فيها من ثمار حميدة. أما من لم يكن كذلك فلا يدخل نفسه فيما لا يستطيع عليه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.