الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 130، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش تحريم طاعة المخلوق في معصية الخالق ويؤكد على وجوب كراهة المعاصي والذنوب. المسلم يجب عليه ليس فقط ترك المعاصي بل أيضًا كراهتها وبغضها في قلبه.
يشرح أهمية عدم المشاركة في المعاصي وعدم الإعانة عليها، ويستدل بآيات القرآن والأحاديث النبوية. كما يؤكد على عدم طاعة أحد في معصية الله، حتى لو كان من الوالدين أو من أحب الناس.
لا طاعة لولي الأمر إذا أمر بمعصية الله، وهذا بإجماع العلماء، واستدلوا بآية القرآن، ويفسرون أن طاعة ولي الأمر تبع لطاعة الله ورسوله، كما أن الإكراه على المعصية له شروط محددة.
يتحدث عن مسائل متعلقة بالمعاصي، مثل عدم فعلها وكراهية المعصية وعدم الإعانة عليها، ويؤكد على عدم طاعة المخلوق في معصية الخالق ويختم بالصلاة على النبي والدعاء.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن السنة أن لا تعين أحدًا على معصية الله، وفي نسخة: لا تطيع أحدًا في معصية الله. قال: ولا أولي الخير هنا. قال المعلق: في نسخة ولا الوالدين ولا الخلق أجمعين، لا طاعة لبشر في معصية الله. ولا يحب عليه أحدًا، وكره ذلك كله لله تبارك وتعالى. في هذه الفقرة ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسائل متعددة متعلقة بما يتعلق بحال المسلم مع ما حرم الله جل وعلا من المعاصي والآثام والذنوب، ونبه على عدة مسائل. ويمكن إخواني في الله أن تختصر هذه المسائل في هذه المقامات. المقام الأول أن يعرف المسلم أن الله جل وعلا حرم عليه أمورًا وحرم عليه أشياء من أقوال وأفعال، وهذا لتسمى بالمعاصي وتسمى بالذنوب وتسمى بالآثام. وهذه حقها أن تترك، بل إن الله جل وعلا توعد أصحابها أي أصحاب المعاصي بالعذاب الشديد. ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم، توعده رب جل وعلا بالعذاب الأكيد وبالعذاب الشديد، وهذا في حق من لم يتب منها. وكما قال العلماء من سلفنا الصالح في حق من أتى المعصية: أنك لا تنظر إلى حجم المعصية، ولكن انظر من عصيت وهو الله سبحانه وتعالى. فالأمر الأول إخواني في الله أن المعاصي تترك وهي تختلف في درجاتها وتختلف في قوتها، فمنها ما يتصل إلى كبائر الذنوب ومنها ما هو دون ذلك. والمسلم في هذه الدنيا يجاهد نفسه على ترك المعاصي وترك الآثام وترك الذنوب. فهذه المسألة الأولى من المسألة الذي ينبغي أن يتعلمها ويتعلمها المسلم إزاء المعاصي أنها تترك وأنها لا تقترف وأنها يبعد عنها. الأمر الثاني كذلك إخواني في الله وهي قد تخفى عند بعض الناس، ليس فقط أنك تترك المعاصي وتبتعد عنها، بل كذلك عليك أن تجعل في قلبك من الكره لها، تجعل لك حظًا من الكره لها. وهذا الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى في آخر الفقرة قال: وكره ذلك كله لله. فبعض الناس صحيح قد لا يقترف المعاصي ولا يأتي الذنوب، إلا أنه يفرح بها ويستحلي بها، ولربما يهفو إليها. فتجد بعض الناس لربما إذا دب التبرج والسفور في مجتمعه تمنى أن هذه الظاهر تنتشر، ينتشر التبرج وينتشر السفور في قريته وفي قومه وفي مدينته، يفرح بهذا. وهكذا قس في سائر الذنوب والمعاصي، فإن هذا لا يجوز التمني، بل إن هذا من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. فمحبة ظهور الفواحش ومحبة ظهور المعاصي هذا مما يعاقب عليه العبد. بل إن المسلم عليه أن يكره المعاصي، صحيح أنت لم تأتها لكن عليك أن تكرهها ولو لم تأتها. إن حدث عن الزنا، إن حدث عن الفجور، إن حدث عن سائر المعاصي والذنوب، عليك أن تشعر وتشعر نفسك وتشعر السامع والسائل أنك تمقت ذلك ولا تحب ذلك. كحال بعض من يتحسر عليهم، اخترف ذلك لا ما يمكن أنا خلاص أنا أصبحنا أصحاب المساجد، ما يمكنني أن أرجع خلاص فات القطار، لا هذا من التمني والترضي عن المعاصي. عليك أن تحمد ربك جل وعلا أن نجاك وأنك تشعر الناس بمقتك لهذه المعاصي والذنوب حتى الذي لا تأتيها. والأدلة كثيرة على هذا الباب تدل على ذلك، على أن المسلم يكره المعاصي. بقى ربنا جل وعلا ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ فالمعاصي تكره تكره في قلوب العباد، كون لا تأتيها ولا تحبها. والأدلة كذلك من ذلك ما قاله عليه الصلاة والسلام: «ألا من ولي عليه والي يأتي معصية الله فليكره الذي يأتي ولا ينزعن يدا من طاعة». قال عليه الصلاة والسلام: «فليكره الذي يأتي» أي هذا الذي يأتيه من المعاصي، فإنك تكره ذلك. فهذا إخواننا في الله مما ينبغي أن يعلم في هذا الباب أن الذنوب والمعاصي كما أنك منعت وجهدت نفسك على عدم إتيانها باقترافها، كذلك أن تشغل قلبك بكرهها وبغضها. وأنك تمقتها وأنك لا ترضاها ولا تتود أن تنشر في هذا المجتمع. بل قال عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان». أضعف الإيمان الذي ليس له بعد إيمان أنك تمقت المعاصي، ترى المنكرات ترى الرذائل ترى الخبائث موجودة وأنت قد سلمت منها ولله الحمد، لكن عليك أن تنكر هذا المنكر ولو في قلبك ولو كان في قلبك. فهذا الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى: وكره ذلك. فالمعصية كذلك حقها أن تكره وأن تبغض. كذلك من المسائل المتعلقة بالمعاصي في هذه الفقرة أن لا تعين أحدًا كذلك، كونك تبغض المعصية كونك لا تأتي المعصية، وكذلك لا تعين على ارتكاب المعاصي. بعض الناس يقول: صحيح أنا ما افتعلت معصية، هذه المعصية بعيني أنا ما فعلتها ولا اقترفتها، لكنه من وجه آخر شارك في فعلها. مثال على ما نرى من كثير مخالفات الناس في هذه الأزمنة ما يتعلق بالتعامل الربوي، التعامل الربوي كثير من الناس يساهم في الربا بإيداع هذه الأموال في هذه البنوك الربوية، فهذه إعانة على الربا. وقد قال ربنا جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ فكل ما كان فعل من أفعالك في إعانة على ارتكاب معصية أنت لم ترتكب ذات المعصية لكن شاركت ولو من طرف خفي ولو من طرف بعيد، لكن هذا الفعل الذي وقع منه كان مشاركة على ظهور هذه المعصية فأنت مشارك في المعصية. والأدلة على ذلك كثيرة، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام فيما جاء في خبره: «أنه لعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه». انظر يعني رجل الربا ما شارك بريال واحد في هذه الصفقة الربوية ما شارك، اللهم إلا أنه شهد، جاء به يا أخي هذا عقد اشهد عليه عقد ماذا؟ عقد ربًا. قالوا: يا أخواني ما يجوز. انظر أنت ما فعلت معصية ما شككت في الربا كذلك أنت لم ترضى هذا. قالوا: أخي ما في داعي هذا الصفقة، لقى أخي أنت موجود اشهد، أنا ما لعلاقة. يقول: نفسي أشهد فقط، أشهد على هذا البيع. هل هذا منك يجوز؟ هذا لا يجوز. لماذا؟ لأنك أعنت بفعلك ووجودك وشهادتك هذه أعانت على إتمام هذه الصفقة الربوية. وهكذا قسم مما جاء في السنن، نبينا «لعن في الخمر عشرة أعتصرها ومعتصرها وحاملها والمحمول إليها وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها وعاصرها ومعتصرها». كل من شارك في هذا النبت الخبيث حتى تصل إلى حد السكر فإنه يدخل في الإثم، مع أنه قد يكون هو صاحب وصاحب مزرعة ما شرب خمرًا، بل يمقت الخمر لكن بفعله أنه أعان على فعل المعصية فإنه يشارك في الإثم. يدخل في اللعن، لعن نبينا في الخمر عشرة. وهكذا قس على ذلك. فهذه المسألة يتنبه إليها بعض الناس، لربما يرى أن في باب المعاصي الذي يحاسب عليه العبد إنه إذا اقترفها بنفسه، لا إذا اقترفت أنت بذاتك تعصى أو أنك تفرح بها فإنك تحاسب، أو أنك تشارك وتعين عليها فإنك ذلك تحاسب بها. ولهذا أمر ربنا جل وعلا بعدم الإعانة ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ والآيات كثيرة إخواني في الله من الناس من يغفل عن هذا الأمر، يبيع يعني يبيع الشيء الحلال وهو يعلم أن هذا الحلال سيصل إلى فعل محرم. فمن تيقن ومن استيقن وغلب على ظنه أن هذا الشيء الحلال الذي سيصل إلى فعل المشين وإلى ما يغضب الله يغضب الله جل وعلا فلا يوكل لغيرك ولا تعطه من طلبه إذا كنت تعرف أنه سيصل إلى هذا الحال. ومن هنا حرم العلماء بيع العنب لمن يتخذه خمرًا أو بيع السلاح في أيام الفتن ليستغله في قتال المسلمين بينهم. فهذا الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: ومن السنة أن لا تعين أحدًا على معصية الله. ثم تأتي الفقرة الرابعة من هذه المسائل وهو عدم الطاعة في معصية الله. قلنا: يأتي الرجل يقول: أنا ما أرتكب معصية ويقول ثاني: أنا لا أحب المعاصي ويأتي ثاني يقول: أنا لا أعين على فعل معاصي. لكن يأتيك صنف رابع يقول: أنا مأمور، أنا مأمور بفعل المعصية، ليس هذا بحولي وليس هذا بقولي وليس هذا بإرادتي وإنما أنا ملزم، أنا ملزم بماذا؟ بفعل معصية من المعاصي. فهل يطاع هنا؟ قال مؤلف رحمه الله تعالى: ومن السنة أن لا تطيع أحدًا في معصية الله، لا يجوز. لا يجوز أنك تحتج بحجة أنك ملزم أو أنك مأمور بفعل معصية. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». فلا طاعة إذا أمرك أحد من البشر أنك تعصي الله جل وعلا، فليس هذه حجة أنك تتكع عليها في أنك تقترف الذنوب والمعاصي والمخالفات الذي حرمها ربنا جل وعلا. وأشار المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الفقرة أن الآمر كائنًا من كان، كائنًا من كان ولو كان من أحب الناس ولو كانوا من الوالدين. لو قام الوالدان أبوك وأمك وأمروك بمعصية الله جل وعلا فهل تعتذر بك أن هؤلاء لهم حق الطاعة أنك تطيعهم في معصية الله؟ فلا. لهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ فلا تجز طاعة ولو كان من أغلى الناس ومن أحب الناس أمروك بطاعة الله فلا. وهكذا ولو كان من السلطان، ولو قام السلطان ولو قام الإمام أو الوالي ومن كان بيده زمام الأمور ورقاب العباد وألزمك بفعل أمر من أمور وهذا الأمر هو فيه مخالفة لمعصية الله فلا سمع ولا طاعة. قد يبتلى بعض المجتمعات كما سمعنا ببعض الأئمة الجور الذين ربما يخرجون عن دين الله جل وعلا فيأمرون العباد بالمخالفات كما سمعنا كذلك الذي يأمر الناس بالفطر في أيام رمضان وعدم الصوم في هذا الشهر الكريم في سنة من السنوات، فهذا أمر بمعصية الله فهل يطاع بحجة أن ولي أمر؟ لا يطاع. وهذا بإجماع العلماء، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. واستدل العلماء على أن إنما طاعة الأمير وطاعة الإمام تبع لطاعة الله عز وجل، ما جاء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ نبه، شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وهذا من بعد من العلماء رحمه الله تعالى وغيرهم من علماء السلف من المفسرين على أن هذه الآية تستفاد على أن طاعة الله تكون استقلالًا وهكذا النبي استقلالًا. أما طاعة ولاة الأمور فإنها تبع، إنما تتبع تتبع طاعة الله وطاعة الرسول. فلا يمكن أن يطاع ولاة الأمور بذاتهم بذواتهم وإنما طاعتهم تبع لطاعة الله ولطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام. وهذا إخواني فيه رد على بعض الفرق الضالة ممن يلمزون أهل السنة والجماعة بأنهم أعطوا لولاة الأمور الطاعة المطلقة. الطاعة المطلقة وأنهم يسوغون لولاة الأمور أن يحرموا ما شاءوا وأن يأمروا بما شاءوا. وأنه يلمز لأهل السنة والدعوة السلفية من شيوخها ومن كبرائها أنهم يسيرون على هذا المنهاج بإعطاء ولاة الأمور الطاعة المطلقة. وهذا كذب، بل هذا القول فيه التصريح التبطين بكفر السلفيين وأنهم كفار. لأن من يقول من يعطي ولاة الأمور الطاعة المطلقة كطاعة لله والرسول فهذا كافر. وهذا كافر. ومن يعتقد هذا القول فإنه يبطن الكفر لأهل السنة، كانوا يرميهم بالكفر. وهذا لا يجوز، فهذا من فحش القول. فأهل السنة والجماعة هم من أدرى الناس ومن قرىء في كتب الاعتقاد التي استطرها أهل السنة قديمًا وحديثًا في كتب الاعتقاد. فإذا وصل إلى الأحكام السلطانية وإلى باب الإمارة والخلافة فإنهم يعرجون وينبهون على هذه المسألة: إنما الولاة يطاعون بطاعة الله، أما إن أمروا بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة. وهذا الذي فيه أراد المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: لا طاعة لبشر في معصية الله. ويخرج على هذه المسألة فقرة فقط، يعني قد يكون يعني يجوز للمسلم أن يأتي المعصية إذا كان مكرهًا في هذه الحال. نعم إذا بلغ بالمسلم حد الإكراه أن أكره من قبل ناس أكرهوه وألزموه على فعل معصية فإنه إن فعل هذه المعصية فلا إثم عليه. طبعًا الإكراه إخواني في الله ليس الدعوى دعوى يدعيها كثير من الناس، تجد بعض الناس يخرج علينا بفعل بعض المعاصي وفعل بعض الذنوب سواء كان في الأفراح أو كان في الجنائز أو كان كذلك في بعض المناسبات، فإن أنكر عليه فعل هذه المعصية يقول: أنا أكرهت. كيف تفعل هذا؟ المعصية يقول: أنا أكرهت. تسأل: ما وجه الإكراه؟ فإذا به ماذا؟ تهديدات ولا كلمات ولا نكر عليه من بعض الناس أو خاف من التشيير خاف من التعيير. إن زلق مباشرة واعتذر بالإكراه. ففعل معصية لا يا عبد الله ليس هذا إكراه. فالمسلم يصبر والمسلم يبتلى، فهذا من وجه الابتلاء. لكن الإكراه ذكر العلماء هو شروط أن يكون الإكراه شيء فوق ما تستطيع أن تتحمله النفس. أما إذا كانت سبة أو كانت شتمة أو كانت لطمة هذا ليس إكراهًا، وإنما الإكراه يصل لحد التعذيب والتنكيل والحبس الطويل أو كان القتل، التنكيل والقتل هذا الإكراه. وقد نبه العلماء وقد تفصل العلماء، وهذا ليس مقام ذكر شروط الإكراه. لكن نبه العلماء إلى أن الإكراه له شروط، له شروط. بل حتى أن بعضهم اقتصر بالقول: بل لو تبلغ فعل أنك تمس العذاب حتى تكون مكرهًا. ولكن صحيح قول جمع من العلماء: ولو قيل لك أكرهت بالقول وكان الذي أكرهك قادر على أن يوقع بك ما توعدك به. وأنت بالمقابل لا يمكنك الفرار، فأنت حينها مكره. وعلى كل الأحوال نبه العلماء على شرط أكيد في المكره: أنك إذا أكرهت على فعل معصية انتبه أن لا يكون في فعلك للمعصية رضا. يقول: مثاله لأن رجل فعل أمرًا بفعل معصية من المعاصي، فلما هو أكره بالضرب أو بالحبس هدد بالقتل ففعل معصية. فأنت أثناء فعلك للمعصية انتبه أن يصيبك شيء من الرضا من الرضا لفعل هذه المعصية. فإن بلغ بك الحال وأنت أولًا أكرهت فلما لحق في الإكراه جاء منك الرضا، وهذا أمر قلبي جاء منك الرضا والاسترواح لهذا المعصية فيحينها يحسب عليك إثم، يحسب عليك إثم كما مر. لأن أضعف الإيمان التغيير بالقلب، أضعف الإيمان التغيير بالقلب. فهذا إخواني في الله مسائل متعلقة بأمر المعاصي، منها أنها لا تفعل، وأن كذلك المعصية تكره، وأن المعصية لا يعان عليها، وأن المعصية لا تحتج عبد الله بأنك مأمور بها، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.