الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 146، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الدرس بباب احترام أسماء الله تعالى، مبيناً وجوب عدم إطلاق الأسماء المختصة به على المخلوقين ووجوب تغييرها، مع استعراض تقسيم ابن عثيمين لأسماء الله إلى قسمين: مختصة لا يجوز التسمي بها، وغير مختصة يجوز التسمي بها بشرط عدم ملاحظة الصفة الإلهية في المخلوق.
يفصل المقطع في آداب التسمية والكنية، مفرقاً بين التسمي مجرداً عن ملاحظة الصفة (جائز) وبين التسمي مع ملاحظة الصفة (منهي عنه)، ويسوق حديث أبي شريح الذي غيّر النبي ﷺ كنيته من أبي الحكم إلى أبي شريح لورود صفة الحكم المختصة بالله، مبيناً سنة الكنية بأكبر الأولاد.
يوضح المقطع تحريم التكني أو التسمي بأسماء أو صفات تختص بالله إذا لوحظ فيها المعنى والصفة، ووجوب تغييرها تعظيماً لأسماء الله، كما يؤكد استحباب التكني بأبي الابن الأكبر، وأن الكنية من الإكرام فلا يُكنى المشرك ولا يُنادى بكنيته.
يختتم المؤلف باب المناهي اللفظية المتعلقة بالتوحيد والعقيدة، معلناً الانتقال إلى الباب التالي الذي يتناول من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك: ومناسبة هذا الباب للباب الذي قبله: أن الباب الذي قبله في النهي عن إطلاق اللقب الذي يليق بالله على المخلوق، وهذا الباب في الأمر باحترام أسماء الله وعدم التسمي بها، فيكون الذي قبله خاصاً بالألقاب، وهذا الباب خاص بالأسماء والكنى. فكما أنه لا يجوز إطلاق اللقب الذي يليق بالله على المخلوق، فكذلك لا يجوز إطلاق الاسم الخاص بالله عز وجل على المخلوق. هذا هو المراد من هذا الباب. وخلاصة هذا الباب: وجوب احترام أسماء الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك عدم إطلاقها على المخلوقين. ومن أطلق على اسم من أسماء الله التي هي خاصة به، أو فيها معنى هذا الاسم أو صفة هذا الاسم، فيجب تغيير هذا الاسم إلى اسم آخر. هذا هو خلاصة هذا الباب. وقد قسم ابن عثيمين عليه رحمة الله أسماء الله الحسنى إلى قسمين، أي في التسمي بها، إلى قسمين: القسم الأول: مختص بالله، وهذه لا يصح إلا لله، فهذا لا يسمى به غيره، وإن سمي به وجب تغييره. مثل "الله"، هذا لا يجوز أن يتسمى به شخص. أو "الرحمن"، هذا أيضاً مما اختص به الله عز وجل، مما اختص به الله سبحانه وتعالى. كذلك "رب العالمين" لا يجوز لمخلوق أن يسمي نفسه رب العالمين. ومثله "القدوس" لا يجوز لمخلوق أن يسمي نفسه القدوس. كذلك "القيوم" أيضاً هذا مما يختص به الله. وكذلك "الأحد" لا يجوز لمخلوق أن يسمي نفسه الأحد، أو "الصمد" أيضاً هذا كذلك لا يجوز. فهذه الأسماء خاصة بالله عز وجل، لا يجوز أن يتسمى بها أحد من المخلوقين. والنوع الثاني من أنواع الأسماء: غير مختصة، غير مختصة بالله، وهي ما يصح أن يسمى به غير الله، مثل "الرحيم" و"السميع" و"البصير" و"الرؤوف" ونحو ذلك. لكن إن لوحظت الصفة مع هذا الاسم في هذا المخلوق، منع من التسمي به. أيش معنى "لوحظت الصفة"؟ يعني مثلاً: فلان سُمّي "الرحيم"، قالوا: لأنه يرحم الناس أو يرحم المساكين، فسمي بالرحيم لملاحظة هذه الصفة، فهذا لا يجوز. ويحمل الحديث الذي ذكره المؤلف في هذا الباب على هذا المعنى، في أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتغيير اسم "الحكم"، بتغيير اسم "الحكم"، لأنه لوحظ فيه هذا المعنى، وهو أن قومه إذا اختلفوا في شيء أتوا فحكم بينهم، فلوحظت هذه الصفة، فغير النبي صلى الله عليه وسلم هذا الاسم. أما إذا كان مجرد اسم منذ الصغر، سُمّي مثلاً "الرحيم"، قد يكون رحيماً وقد لا يكون رحيماً، مثل ما تسمي إنسان "صالح"، قد يكون صالحاً وقد يكون غير صالح، فما لوحظت هنا الصفة، ما لوحظت الصفة. لكن إذا لوحظت الصفة فسمي به، أو كني به، أو نحو ذلك، وهو من أسماء الله عز وجل، فهذا ينهى عنه ويغير لأجل ملاحظة هذه الصفة. نعم، فإذا كان علماً محضاً دون ملاحظة الصفة من الأسماء غير المختصة بالله، فهذا يجوز التسمي به بهذه القيود وبهذه الشروط، وهو تقسيم واضح، وبه يتبين مراد المؤلف من ذكر هذا الباب. وهذا فيه أدب مع الله عز وجل، أدب مع الله سبحانه وتعالى، إذ لا يشبه المخلوق نفسه بالخالق. نعم، قال: عن أبي شريح أنه كان يكنى أبا الحكم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو الحكم، وإليه الحكم"، يعني من أسماء الله "الحكم"، وإليه الحكم، وهو أحكم الحاكمين. قال: فقال، أي هذا الرجل: "إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أحسن هذا". وهذا الإشارة يشار بها إلى ما ذكره من كونهم إذا اختلفوا في شيء أتوا إليه فحكم بينهم فرضوا، ولا يعود إلى كنيته بأبي الحكم. يعني قوله: "ما أحسن هذا"، يعني: ما أحسن كنيتك، ما أحسن كنيتك بأبي الحكم؟ لا، وإنما ما أحسن هذا الوصف، وهو أنك تحكم بين قومك. هذا معنى قوله: "ما أحسن هذا". ثم قالوا: "فما لك من الولد؟" قال: "قلت: شريح ومسلم وعبد الله"، يعني: كم معك من الولد؟ قال: معي هؤلاء الثلاثة: شريح ومسلم وعبد الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن أكبرهم؟" من أكبر هؤلاء الأولاد؟ قال: "قلت: شريح". قال: "فأنت أبو شريح". أي: غير كنيته من أبي الحكم إلى أبي شريح، للمعنى المتقدم، لأن هذه الكنية لوحظ فيها ماذا؟ الصفة. لوحظ فيها الصفة. فكونه يحكم بين الناس كني بأبي الحكم، كني بأبي الحكم، والذي يحكم بين خلقه هو الله سبحانه وتعالى، فهو الحكم وإليه الحكم، فمن أجل ملاحظة هذا الأمر أمر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل بتغيير كنيته. وفي هذا الحديث: أن من السنة أن يكنى الشخص بأكبر أولاده، بأكبر أولاده. فإن لم يوجد له أولاد إلا البنات، قالوا: كني بأكبر بناته، كني بأكبر بناته. يعني: ما عنده أولاد، عنده بنات فقط، مثلاً ابنته تسمى مثلاً "فاطمة"، لا بأس أن يقال له: أبو فاطمة. نعم، ولا حرج في ذلك. وإن لم يوجد له من الولد، فيكنى بما يراه، أو بما يطلق عليه، إذا لم يكن فيه ملاحظة الصفة فيما يتعلق بأسماء الله سبحانه وتعالى. قال الشيخ ابن عثيمين: والحديث رواه أبو داود وغيره، وصححه الأئمة العلامة الألباني في "الإرواء"، إرواء الغليل، وفي "صحيح أبي داود" أيضاً. قال الشيخ ابن عثيمين: الكنية ما صدر بأب أو أم، أو أخ، أو عم، أو خال. والمشهور أنه ما صدر بأب أو أم: أبو فلان، أو أم فلان. وبعضهم توسع كما ذكر هنا الشيخ ابن عثيمين، فأضاف الأخ والعم والخال، كان يقال: أخو فلان، أو عم فلان، أو خال فلان، هذا أيضاً جعلوه من الكنى. نعم، قال: وهذا الاسم الذي جعل لهذا الرجل لوحظ فيه معنى الصفة، وهي الحكم، فصار بذلك مطابقاً لاسم الله، وليس لمجرد العلمية المحضة، يعني: نكني بهذا من أجل العلمية، ومن أجل كذلك التسمي المجرد دون ملاحظة الصفة. نعم، قال: بل للعلمية المتضمنة للمعنى، وبهذا يكون مشاركاً لله في ذلك، فمن احترام أسماء الله ألا يسمى الشخص بهذا الاسم التي لوحظت فيه الصفة. قال: ولهذا كناه صلى الله عليه وسلم بما ينبغي أن يكنا به، ولم يأمره بإعادة العقيقة. يعني: العقيقة صحيحة. نعم، لكن هنا تغيير الكنية فقط، تغيير الكنية فقط. قال: المسائل: الأولى: احترام صفات الله وأسمائه، ولو كلماً لم يقصد معناه، أي مما يختص بالله، وما يقصد به ملاحظة الصفة، فطالما أن هذا الاسم فيه مشاركة لله في شيء من خصائصه أو من صفاته، فمن الأدب واحترام أسماء الله ألا يسمى به المخلوق. الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك. قد إنسان يقول: والله أنا جاهل بهذا الحكم، فيقال له: غير. غير هذا. إنسان يكنى بأبي الحكم لأنه يحكم بين الناس، يقال له: غير هذا إلى كنية أخرى. الثالثة: اختيار أكبر الأبناء للكنية. الرابعة: التكني مباح، ولا يكن المشرك. يعني: لأن الكنية فيها ماذا؟ فيها إجلال للمنادى بها، بخلاف اللقب. نعم، قال الشاعر: أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوأة اللقب يعني: إذا أردت أن تكرم من تناديه، فالأفضل أن تناديه بكنيته. هذا كان إكراماً عند العرب، إكراماً للمنادى عند العرب. مثلاً: اسمه صالح، وكنيته أبو عبد الله، ولقبه مثلاً "الطيب"، على سبيل المثال. فأفضل ما تنادي به هذا الشخص: الكنية، تقول له: يا أبا عبد الله. هذا من الإكرام، ولا تقول له: يا صالح، ولا تقول له: يا طيب. فهذا عندهم من عدم الإكرام، مناداة الشخص بغير كنيته. والمشرك لا كرامة له، فلذلك لا يكنى، ولا ينادى بكنيته. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب، وبه نختم إن شاء الله، وإلى الباب الذي بعده: باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول، لأن هذه الأبواب كلها في المناهي اللفظية فيما يتعلق بباب التوحيد والعقيدة. أكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر