تحذير الأمة من داء الغفلة 2

تحذير الأمة من داء الغفلة 2

الدرس في تحذير الأمة من داء الغفلة 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير من مرض الغفلة وأضراره

هذا الفصل يتناول أضرار مرض الغفلة وآثاره السلبية على الإنسان، حيث نهى الله عنها وتوعد أصحابها بالنار. الغفلة تسبب الوحشة والهم والغم والضيق والقلق في حياة الإنسان.

آثار الغفلة على الفرد والمجتمع والعبادات

الغفلة تؤدي إلى الهم والضيق وتؤثر على العبادات والطاعات، فتجعلها ناقصة بسبب عدم الخشوع والتفكر. كما تقلل من أجر العبادات، فكلما زادت الغفلة قل الأجر.

أثر الغفلة على ثواب العبادات وختام بالدعاء والصلاة على النبي

الغفلة تضعف الأجر وتقلل من ثواب العبادات، ويجب أن تكون العبادة مقرونة باليقظة والتدبر. المقطع الأخير يتضمن دعاءً بأن ينفع الله المستمعين ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كانت الإشارة والتمهيد لما سنذكره في هذه المقامات حول الإشارة إلى مرض من الأمراض التي تصيب القلوب، وأعني به مرض الغفلة. وفي هذا المقام، إخواني في الله، سنستطرد وإياكم في بياني شيء من أضرار هذا المرض وهذا الداء علينا وعلى أنفسنا وحياتنا في هذه الدار وفي الآخرة، إذ أننا من خلال النظر إلى أضرار داء الغفلة سنتعرف منه على بعض صفاته التي لربما نراها عيانًا في حياتنا، ومن خلال ذلك سنكتشف أننا مصابون بهذا المرض، لأننا قد ذكرنا أن مرض الغفلة من الأمراض الخفية التي تعترينا ولا أحد منا يعترف بها. لكن من خلال النظر إلى أضراره ومن ثم التعرف على صوره وآثاره سنعلم حينها أننا مصابون بهذا الداء، ومن خلال التعرف أيضًا على مرض الغفلة سنعلم حينها، إخواني في الله، خطورة هذا المرض، لأن من الناس من لربما نعم قد يصرح بطرف لسانه بأننا في غفلة، لكن تجده يتمادى في هذا الداء لأنه يرى من الأمور السهلة التي حقها أن تأتي وأن تغيب وأن تبقى فترة، وما درى المسكين أن الغفلة متى ما استحكمت أو بقت عليك، دينك ودنياك وأخراك. فمن خلال هذا الباب، إخواني في الله، سنذكره وإشارات سريعة إلى أهم آثار الغفلة على الأفراد وعلى الإنسان في الدنيا وفي الآخرة. مما يذكر، إخواني في الله، من أضرار الغفلة أنها من الصفات المنهية التي لا يجوز لأحد منا، رجلًا كان أو امرأة، مسلمًا أو مسلمة، أن يتصف بها وأن يتخلق بها، لقول ربنا جل وعلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْغَافِلِينَ﴾، نهانا ربنا سبحانه وتعالى أن نتصف بهذه الصفة، أن تعيش يا عبد الله في هذه الدار وأنت مصاب بالغفلة، تغفل عن الله وعن الدار الآخرة وعما ينفعك في دينك ودنياك أيضًا. إخواني في الله، من أضرار هذه الخصلة الذميمة أن أصحابها قد توعدهم ربنا جل وعلا بالنار، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فذكر ربنا جل وعلا الخصال والصفات التي استحق أصحابها أن يكونوا من أهل النار، فذكر ربنا عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾، فمن كان غافلًا عن آيات الله الشرعية أو عن آيات الله الكونية، أولئك ذكر ربنا جل وعلا أن من مصيرهم: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾، والعياذ بالله، لأن الغفلة إذا استحكمت فيك يا عبد الله فإنك تبعدك عما ينفعك. كذلكم، إخواني في الله، مما يذكر من أضرار الغفلة أنها من أعظم الأسباب التي توجب الوحشة والهم والغم والضيق والحرج والقلق. مرت معنا في دروس قريبة قديمة حول أهم الأمور التي إن فعلها الإنسان أبعد عن نفسه الهم والغم، لكننا ما أشرنا إلى ما هي الأسباب التي توجب علينا الهم والغم، من أسبابها هذا المرض، إذا كنت يا عبد الله غافلًا، فتجد أن من أثر الغفلة أنها توجب عليك الهم والضيق. ولهذا تجد، إخواني في الله، أن الإنسان إذا ابتعد عن طاعة ربه سبحانه وتعالى وضربت عليه الغفلة، تجد أنه يعيش في وحشة. ولهذا قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "والغفلة توجب الوحشة"، تأتيك بوحشة. ولهذا لا عجب عندما نرى أحوال أمم من الكفار الذين وإن أعطاهم الله ما أعطاهم من حظ الدنيا وزينتها ولذاتها، ومع ذلك يعيشون في هموم، الله أعلم بها، ومن أين جاءتهم الهموم لعظيم الغفلة. الواحد يأكل ويشرب وينكح كما شاء ومتى ما أراد، ما هناك دين يردعهم ولا شريعة تحكمهم، هم كالأنعام بل هم أضل، أضل من النعم، أضل من الحيوانات في التمتع بالملذات والشهوات، قمة في التلذذ، لكن مع هذه القمة في التلذذ عندهم قمة من الضيق والحرج لعظيم الغفلة، حتى يجد الإنسان نفسه أنه لا حياة له في هذه الدنيا، فيموت وينتحر. الواحد منه يستغرب، يقول: ماذا هؤلاء مجانين؟ عندهم كل شيء، ما هناك شيء حرام، ما عندهم في قاموسهم معصية ولا يعرفون شيء اسمه ذنوب أو موبيقات، المجال عندهم مفتوح، ومع ذلك ينتحرون، ذاك الذي يشنق نفسه، وذاك الذي يرمي نفسه أمام قطار، وذاك الذي يقفز من فوق شاهق، وذاك الذي يضرب نفسه بمسدس في رأسه أو على قلبه، يتخلصون، لماذا؟ لعظيم الغفلة، الغفلة توجب الوحشة. حتى في بين أبناء المسلمين تجد من الناس بل ربما يعيش في حالة من حالات الهستيريا، تجد أن هؤلاء قد ابتعدوا عن الله فأصابهم الله جل وعلا بالغفلة فأصيبوا بالوحشة. ولهذا قال علامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "والغفلة تبعد القلب عن الله"، فما ظنك بهذا القلب؟ الغفلة تبعد القلب عن الله، فإذا كان على مقدار غفلتك سيكون بعدك عن ربك. لكن من دنى من قرب من الله جل وعلا تجد أن نسبة الغفلة تتضاءل تتضاءل حتى تمحوه. ولهذا هؤلاء من أسعد الناس، من أسعد الناس. فالحاصل، إخواني في الله، أن من أضرار الغفلة أنها توجب الهم والضيق والحرج والقلق. كذلك، إخواني في الله، مما يذكر من أضرار الغفلة أنها تؤثر في العبادات والطاعات، تؤثر في الطاعات والعبادات. أنت لا تظن يا عبد الله بأن العبادات عبارة عن مظاهر خارجية فقط، العبادة وإن كان لها مظهر خارجي تؤديه، كذلك لها معنى باطن مبطن، وذلك بما يكون من أمر العبادة التي تؤديها، ما يحفها من الخشوع والخضوع والتفكر والتأمل والتدبر، هذه معاني لا بد أن تكون موجودة. لكن من كان مريضًا بمرض الغفلة لن يصل إلى تحقيق هذا المراد، فتكون العبادات عنده ناقصة، لأنه إن استطاع أن يقام بظاهرها ما قام بباطنها. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "ولا ريب أن الأجر ينقص بالغفلة"، إذا أردت يا عبد الله أجرًا عظيمًا على طاعاتك وعباداتك لا تكون من عباد الله الغافلين. وإذا أردت أن تحرم من الأجر الكامل هذا يكون في حق أهل الغفلة. مثاله، مثاله يا عبد الله في أمر الصلاة، الصلاة ها نحن قد صلينا ولله الحمد أن من علينا بهذه الفريضة العظيمة في بيت من بيوت الله، يبقى السؤال: هل نحن نلنا الأجر؟ سوا نعم، دخلنا مع الإمام في تكبيرة الإحرام وخرجنا معه مع التسليم، هل حركات واحدة والهيئات متساوية؟ الجواب لا، لماذا؟ بقي المضمون وهو الخشوع والخضوع والخنوع والتأمل والتدبر. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن العبد ليصلي الصلاة فيكتب له منها عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، حتى وصل إلى ربعها»، يعني ما لك من الصلاة شيء إلا على قدر ما تعقل، على قدر ما تتفطن، على قدر ما تتأمل في صلاتك. وبهذا تعلم يا عبد الله شؤم الغفلة على العبادات والطاعات، ما تجعلك تتمتع بكامل أجرك. هذا الذي يصلي الله أكبر، فإذا به يسرح، يذهب إلى الأراضي، يذهب إلى الجبال، يسير في الطيران إلى الجو، وصل إلى القارة الثانية وإلى القارات، ثم رجع، ثم ذهب إلى البحار إلى الوديان، وما شعر إلا والإمام سلم، انتبه، تهت الصلاة. أهذا مثل الذي بجنبك وهو يصلي وهو يستفتح بدعاء الاستفتاح ويقرأ الفاتحة ويستشعر بعظيم الدعاء: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، صراط الذين أنعمت عليهم، ويدعو ربه جل وعلا أن لا يجعله من الضالين، لا من اليهود ولا من النصارى ولا الضالين، آمين، اللهم استجب. ثم يقرأ ما تيسر من القرآن، ثم يركع ويعتدل في ركوعه، ثم يرفع سائلًا ربه أن يستجيب له: ﴿سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ﴾، أي الله ما استجب، بمعنى الدعاء، ثم يخر ساجدًا ويعلم أن جبهته ما انتحت وما سجدت وما ذلت وما تواطأت لأحد من خلق الله إلا لله، يستشعر بعظيمي هذه الصلاة الشعيرة العظيمة. أهذا أجرك هذا الذي سافر عبر القارات؟ الجواب لا، بماذا؟ على حسب الغفلة، فالغفلة تضعف وتنقص الأجر. وهكذا قل يا عبد الله في أمر الدعاء من العبادات الجليلة، نعم هي عبادة في الظاهر بأنك ترفع أكف الضراعة إلى الله بما يكون من تلفظ اللسان، لكن تحتاج إلى ماذا؟ إلى تمعن القلب، إلى اليقظة. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة»، الاستيقان في القلب، قال: «واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء عبد غافل»، لا يستجيب الله دعاء عبد غافل. وهذا الذي ابتلينا به، الواحد منا ربما ينظر في أدعية، يقول: كيف أنا الله دعوت الله سنوات وما استجيب لي في دعاء واحد؟ بقي كيف تدعو ربك عز وجل؟ انظر يا عبد الله فيما بينك وبين الله من التبرع والالتجاء وصدق الاعتماد وما يكون من إقبال القلب والقالب على الله. فإن العبد إذا أقبل على الله ما رده الله، «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة»، كلك يقين بأن الله سيحقق المراد اليوم أو غدًا أو بعد غد، ما عندك أدنى شك، ما عندك أدنى شك من رب غفور رحيم بيده ملكوت السماوات والأرض ولن يرد السائلين أبدًا، تدعو أنت بهذا الاستشعار ما يرد الله دعاءك. لكن تعالى إلى حالنا في سجودنا في دعائنا، ندعو وقلوبنا، حتى الواحد ينسى، بل أصبح الواحد منا الدعاء على طرف لسانه كالمسجل: رب اغفر لي ولوالدي، رب اغفر لي ولوالدي، رب اغفر لي ولوالدي، أصبح الدعاء مكرر حتى ما يدري ما الذي يتلفظ به، أصبح كالشريط يبغط ثم يأتي بدعاء ثم ينتهي، ما الذي فيه؟ الله عز وجل قد حفظ الدعاء حفظ من غير بيان ولا استشعار. فينبغي واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء عبد غافل، فالغفلة تمنع. وهكذا قل يا عبد الله في قراءة القرآن، قال ربنا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، فينبغي لمن قرأ القرآن وأراد أن يحوز على الأجر والرحمة والغفران عليه كما أن اللسان يتحرك على القلب أن كذلك يتدبر. وأما إن كانت الغفلة مضروبة علينا، نقرأ القرآن كأننا نقرأ كتاب هذي كهذ الشعر، لا نعتبر بمعانيه ولا نتأمل في مراميه، فلن ننتفع منه إلا بما كان من لفظ اللسان، أما ما يتعلق بأجر المعاني فإننا نحرم. فالحاصل، إخواني في الله، وهذه من أعظم أضرار الغفلة أننا نعاقب بعدم حصولنا على الأجر الكامل الموفى. فالحاصل، إخواني في الله، فهذه بعض ما يذكر في هذا المقام من أضرار الغفلة على الناس، وذلك علمنا بأنها من الصفات المنهية، وعلمنا أنها من صفات أهل النار، وعلمنا كذلكم أنها توجب الوحشة والهم والضيق، وأنها كذلك تمنع من استفاء الأجور. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.