الدرس في تحذير الأمة من داء الغفلة 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث الخطيب عن الغفلة ومواطنها، مركزا على أهمية اليقظة والتفكر في خلق الله وتذكر الموت. الغفلة تشمل أمورا كثيرة منها الغفلة عن آيات الله الكونية والغفلة عن الموت.
يُنبه الخطيب إلى أهمية تذكر الموت واليوم الآخر وعدم الغفلة عنهما، ويشير إلى أن تذكر الموت يصلح أحوال الناس ويمنع الظلم والقطيعة. كما يحذر من التشبه بالكفار الذين يعلمون أمور الدنيا ويغفلون عن الآخرة.
ينبغي للمسلم أن يكون على يقظة من غفلة الحساب يوم القيامة، حيث سيحاسب الله العباد على كل شيء. يجب على المسلم أن يحرص على الأعمال الصالحة ليبتعد عن الغفلة.
المقطع يشير إلى انتهاء الدرس مع الدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ويُظهر الاعتراف بحدود العلم الإنساني مع التأكيد على العلم الإلهي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، فلازلنا في مثل هذه المقامات نتدارس وإياكم ما يتعلق بموضوع الغفلة، وقد مر معنا ما يتعلق بأضرارها وآفاتها، وما يكون من أخطارها على المرء في دينه ودنياه. وفي هذا المقام، إخواني في الله، مما يستطرد به هذا الموضوع أن نتحدث عن صور الغفلة. لا شك ولا ريب أن الإنسان يحرص على أن لا يتصف بصفة الغفلة في شيء من حياته، لا في دينه ولا في الدنيا، كما قال ربنا: ﴿ولا تكن من الغافلين﴾. فالإنسان يكون في هذه الدنيا يقظا متنبها في فعل ما ينفعه في دينه ودنياه. إلا أن الشرع ذكر لنا مواطن ينبغي للإنسان أن لا تصدر منه الغفلة عن مواطن وأماكن وأمور صرح بها شرعنا الحكيم في الكتاب والسنة. وإنني في هذا المقام، على عجالة، سأشير إخواني في الله إلى بعض المواضع الذي جاء ذكرها في القرآن والسنة من التحذير من الغفلة عنها. من هذه المواطن، مثلا، الغفلة عن آيات الله جل في علاه. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون﴾. الكثير من الناس من خلق الله من ابتلوا بالغفلة عن ماذا؟ عن آيات الله. قال العلماء: آيات الله يدخل فيها الآيات الكونية، هذه المعمورات وهذه الخلائق والكون وما جعل الله فيه من كائنات. هذه ما ينبغي أن نغفل عنها، بل لابد أن المسلم خاصة يتمعن في خلق الله. ربنا ما خلقت هذا باطلا، سبحانك. الله عز وجل جعل هذه الآيات عبرة لأن يصل بها المرء إلى تعظيم ربه سبحانه وتعالى. ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾. وإن الإنسان كلما تبصر، كلما تفكر في خلق الله وفي كونه وما جعله الله جل وعلا في خلائقه، كان هذا أبعد عن الغفلة، بل كان هذا مما يزيده في تعظيمه لربه. فالغفلة عن آيات الله، يا عبد الله، ليست من صفات أهل الإيمان. ثانيا، من المواطن التي جاء ذكرها في الشرع عدم الغفلة عن الموت. قال سبحانه: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد﴾ أي تهرب. ثم قال ربنا: ﴿فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾. لقد كنت في غفلة من هذا. غفلة عن ماذا؟ غفلة عن هذه الحقيقة، غفلة عن الموت. الكثير من إخواني في الله لربما يسرح ويمرح في هذه الدنيا وتناسى هذه الحقيقة المرة وهي المنتهى. ما هناك أحد سيعيش أبد الآبدين أو مخلد في هذه الدنيا. ستأتيك الآجال، ويا ليت الآجال تأتيك وأنت تعلم، لا تأتيك وأنت تجهل. لربما تأتيك في صباحك أو في مسائك، لربما تأتيك في صغرك أو في كبرك، أو أنت قد بلغت من العمر عتيا. الله أعلم بالآجال، هذا مما جعله الله جل وعلا من علم الغيوب، لما حتى تستعد لقاء ربك. ولهذا فإن من أعظم أماكن الغفلة التي يبتل بها الناس: ﴿لقد كنت في غفلة﴾ أي عن الموت. ولهذا مما يعين على تذكر هذا الأمر كثرة التذكر للموت. لهذا صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أكثروا من ذكر هادم اللذات». هكذا وصيته لأتباعه وأصحابه ولأمته من بعده. «أكثروا من ذكر هادم اللذات»، كفى بالموت واعظة. تذكروا، يا عبد الله، بين الفينة والأخرى هذه النهاية. وإن الناس إذا تذكروا الموت أبعدوا عن الغفلة، فصالحة أحوالهم. الذي يظلم العباد ويعلم أن لظلمه نهاية، أعد لهذا اليوم موقفا. ولقد جاء عند ابن ماجة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة جلس على مشارف قبر، ثم بكى، فالتفت إلى أصحابه وقال لهم: «يا إخواني، لمثل هذا فأعدوا». لمثل هذا ما هو؟ الموت، القبر. أعد يا عبد الله لهذا، لا تعد لدنياك فقط، بل أعد لموتك، من الذي عسى أن تلاقي ربك جل وعلا به. ولو أن الناس، إخواني، قاموا بهذه الوصية، لتغيرت أحوالنا. لما كان هناك ظلم، ما كان هناك قطيعة ولا شحناء ولا بغضاء. لعلم الناس أن هناك منتهى سينقلبون إلى رب العباد جل في علاه. الموطن الثالث كذلك من المواطن التي لا ينبغي أن نغفل عنها الغفلة عن اليوم الآخر. قال سبحانه وتعالى: ﴿يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون﴾. هذا من صفة أهل الكفر، من صفة الكفار التي نهينا عن التشبه بهم. أنهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، عندهم علم، لن يقارن، نحن نعترف بهذا في علوم الدنيا، العلم التجريبي، العلم الحديث. وصلوا إلى الفضائيات، وصلوا إلى الغواصات، وصلوا إلى قعر المحيطات، وصلوا إلى السهول والصحارى، وصلوا إلى العلم البشري ما لم يصل إليه هؤلاء الكفار. يعلمون، لكن بالمقابل، عن الآخرة غفلة، يجهلون، غافلون. لا نكن مثلهم، لا نكن مثلهم. ولو كنا عندنا غفلة عن الحياة الدنيا، الأمر سهل، لكن لا نغفل عن الآخرة. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام لعمر: «أَوَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ؟» قال: بلى، يا رسول الله. قال: «فاحمد الله». احمد الله على هذا. دع الدنيا، يأخذها أعداء الدين بما شاء، بعجرها وبجرها، لكن لهم الدنيا، هي حياتهم، يلعبون، يتمتعون. ولنا الآخرة، لا يشاركوننا فيها، ولا يزاحموننا فيها، ولو بقطرة ماء. ما عندهم نعيم، نعيمهم الدنيا. فالإنسان، إخواني في الله، لا يقع حاله كحال الكافر، يعلم الدنيا ويغفل عن الآخرة. وإنما المسلم لا يغفل عن الدار الآخرة، عن اليوم الآخر. سمي بهذا لأنه آخر أيام الدنيا. هذا اليوم الذي يوم تبدل الأرض فيه غير الأرض، والسماوات تتغير، مجريات الأكوان، يطمس الله عز وجل على الكواكب، وتسير النجوم، وتتشقق السماء، وهكذا تكون الجبال كالهباء المنبث. هذه التغيرات، إخواني في الله، ستقع في اليوم الآخر. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد. هذا اليوم ما نغفل عنه، مهما تمتعنا في الدنيا، إن شغلنا بحياتنا الخاصة، بحياتنا الشخصية، لا تزال لا يزال هذا اليوم نصب أعيننا. نعلم أن هذا اليوم سيأتي، يوم أن الله عز وجل يأمر بالنفخ في الصور، ويقع البعث والنشور. وحين يقوم الناس من قبورهم قياما، يا عبد الله، هذه الكلمة سهلة، لكن تأمل وصف ربنا جل وعلا يوم يقوم الناس لرب العالمين. قال المفسرون: القيام لله يستمر إلى ألف سنة، فقط قيام، ما هناك كلام، وإنما القلوب تصل إلى الحناجر من شدة الخوف الذي استولى على قلوب الأنام في هذا اليوم. خرجوا، اخرجوا من قبورهم، ما يعرفون ما السبب. الملاحدة، الزنادقة، اليهود، النصارى، الأمم كلها تبعث، فإذا بهم قيام ألف سنة. وكان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من طول القيام. ثم بعد ذلك يأتي فصل القضاء، ويأتي بعد ذلك أهوال القيامة التي ينبغي، إخواني في الله، أن نعد لها العدة، أن نعد له العدة، وأن نعلم أن هذا اليوم سيأتي. فطامع بالجنة، وهارب عن النار. وهكذا، إخواني في الله، أخيرا من المواقف التي ينبغي أن يعد له المسلم كذلك اليقظة وعدم الغفلة عن الحساب. قال سبحانه: ﴿اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون﴾. الغفلة عن الحساب هذا لا ينبغي، لأن الحساب قريب، قريب جدا، لأن القيامة قريبة. إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا، هكذا قال ربنا عز وجل. القيامة قريبة. يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «بعثت أنا والساعة كهاتين». بعثت أنا والساعة، أنا قريب والساعة قريبة معي كهاتين، وأشار إلى السبابة والتي تليها. يعني ما بيني وبين الساعة إلا شيء يسير. ويؤيد هذا المعنى ما جاء من حديث أبي سعيد الخدري قال عليه الصلاة والسلام: «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه الصور؟» وهو الذي ينفخ، الملك الموكل بالنفخ. قال: «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه؟» أي وضعه في فيه. قال: «والتقمه وأصغى سمعه ينتظر» وماذا؟ «ومتى يؤمر». تخيل هذا المنظر، نبينا صلى الله عليه وسلم يشير إلى الملك الذي إذا نفخ قامت الساعة. قال: «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه، قد وضع الصور في فمه؟» زد على ذلك «أصغى سمعه»، أخذ ينصت، منتظر الأمر. قال: «وحنى جبهته»، أي سينفخ بشدة، لأن السماوات ومن فيها والأرض ومن فيها ستهلك. قال: «ينتظر متى يؤمر». فلما علم الصحابة بعظم هذا الأمر، قالوا: «فماذا نقول يا رسول الله؟» قال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل». هذا المنظر، إخواني في الله، الإنسان يتفطن لما سيأتي يوم القيامة من الحساب. كل ما مضى من حياتنا يتعلق بهذه المرحلة، مرحلة الحساب. سيحاسب الله عز وجل العباد على الأقوال والأفعال والأحوال، على كل شيء. وانتبه لقولي: على كل شيء. حتى يقول القائل يوم القيامة: «ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها». كل ما تفعله، يا عبد الله، في هذه الدنيا مسجل، مسطر. وهذا، إخواني في الله، من أعظم الدواعي على أن لا تكون غافلا في هذه الحياة الدنيا. كل حركة، كل سكنة، كل خطوة محسوب عليك. ما هناك شيء يضيع عند الله عز وجل. وستجد هذا في كتابك: «اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا». الحساب هو كائن لا محالة. والله، يا عبد الله، لربما ما ينجيك عند الله جل وعلا إلا حسنة. حتى قال عليه الصلاة والسلام: «من كانت له حسنة أدخله الله الجنة». حسنة واحدة. من كانت له حسنة أدخله الله الجنة. فها أنت، يا عبد الله، في هذه الدنيا قد مد الله جل وعلا في الأعمار، فكيف أنت بالأعمال؟ احرص، يا عبد الله، على هذا الأمر حتى تبعد عن نفسك الغفلة. فالشاهد، إخواني في الله، هذه المواطن قد جاءت بها الإشارة في القرآن والسنة على أن الإنسان لا يغفل عنها: عدم الغفلة عن آيات الله، عدم الغفلة عن اليوم الآخر، عدم الغفلة عن الموت، عدم الغفلة عن الحساب. وهناك مواطن كثيرة، لكن هذا مما أحببت أن أذكر بها نفسي وإخواني في هذا المقام. ونحن بصدد الكلام عن مرض الغفلة، فاحرص، يا عبد الله، أن تكون هذه الأمور نصب أعيننا في يومنا وليلتنا ونهارنا ومسائنا، فإن ذلك أدعى أن نسير على ما أمر الله جل وعلا أن نسير عليه. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.