الدرس في تحذير الأمة من داء الغفلة 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الصلاة بخشوع وانتظام سبب لدفع الغفلة، والمحافظة عليها من أعظم العبادات. الحديث النبوي يشير إلى أن من يحافظ على الصلوات لا يكتب من الغافلين.
مجالس العلم والذكر تعتبر من أهم أسباب إبعاد الغفلة ورفع الإيمان، حيث يشعر الإنسان بارتفاع إيمانه عند حضورها وقد ينقص عند الابتعاد عنها. هذه المجالس تعين على تقوية الإيمان.
من أسباب إبعاد الغفلة حضور مجالس الذكر والعلم ومصاحبة الأخيار، حيث تعين هذه الأمور على تقوية الإيمان وتذكير الإنسان بالله. العلم يضاد الغفلة وكلما ازداد الإنسان علماً قلت غفلته.
يُنبه على خطورة الغفلة وضرورة مقاومتها لأنها قد تُبعِد عن الله، ويُدعو الله أن ينفع بما قيل ويُصلي على النبي محمد. الغفلة تُعتبر خطراً على الإيمان.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، إخواني في الله، في هذا المبحث الأخير من المباحث التي تتعلق بالطرق والسبل الكفيلة بإبعاد مرض الغفلة عنا، ما يكون إضافة مع ما ذكر من درس أمس، من الإقبال على ذكر الله جل في علاه، ما يكون من الحرص على الصلاة، وأعني بها الصلاة المفروضة، فالصلاة المفروضة، إخواني في الله، هي من أجل العبادات، ومن أعظم الطاعات التي أمر الله جل وعلا بها أهل الإسلام. ومن تأمل في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، يجد تلكم النصوص الشرعية الكثيرة الوفيرة تدل على أهمية الصلاة في حياة المسلم. وإن مما ينبغي أن نعلمه من شأن الصلاة أنها سبب من أسباب دفع الغفلة، يؤيد هذا المعنى ما رواه الإمام الحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «من حافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات لم يكتب من الغافلين». قال «من حافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات» أي الفريضة التي فرضها الله عز وجل على العباد، ما شأنه «لم يكتب من الغافلين»، لا تجتمع الصلاة مع الغفلة، هكذا قضى الله عز وجل، لا تجتمع الصلاة مع الغفلة عند المصلين. فإذا كنت يا عبد الله من عباد الله المصلين، فاعلم أنك مقبل، وأن قلبك حي، وأن الله أراد بك الخير. والذي جاء ذكره في هذا الحديث بهذا القيد «من حافظ» دلت على الاستمرارية والدوام، ليس كحال كثير من الناس من لربما يصلي ويترك، يفعل ويترك، يؤدي فرضا ويترك فروضا، أو لربما يصلي الجمعة وباقي الصلوات لا يصليها. لهذا ما ينتفع بهذا، بل سيبتليه ربه عز وجل بالغفلة على قدر تركه للصلاة. لكن من اكتمل عنده النصاب من الصلوات الخمس، من حافظ على هؤلاء الصلوات الخمس، وكذلك في أدائها أن تؤديها كما أمر الله «والذين هم لصلاتهم خاشعون». أما إن يأتي إنسان ويصلي، لكن يصلي على عجل، يصلي على خبب، لا يتأنى في صلاته، إن قام ركع، وإن ركع رفع، وإن رفع سجد، لا يتأنى، لا يخشع، لا يخضع، لا يدري بما يصلي، بل ربما يصلي ويدعو ويختم صلاته بسجود السهو لكثرة النسيان، لأنه منشغل بغيرها، هل هذه الصلاة تنفعه؟ هل هذه الصلاة تبعد الغفلة؟ لا. ولهذا من أراد أن الله عز وجل يعينه على إبعاد غفلته، فليستعين بالصلاة، فإنها من أعظم أسباب إبعاد الغفلات. وأيضا كذلك مما يستعان به على إبعاد الغفلة الإقبال والحرص على مجالس العلم والذكر، فإن مجالس الذكر، إخواني في الله، كحلقات العلم، حلقات القرآن، كهذه الدروس العامة والدروس الخاصة، المواعظ، المحاضرات، الكلمات، إلى غير ذلك من المجالس العلمية التي يجتمع فيها الناس على الذكر والخير والعلم، تعتبر من أعظم أسباب إبعاد الغفلة. فإن الإنسان إن خاض في مجالس الذكر، يجد أن إيمانه يرتفع ويرتفع ويرتفع، شعر بهذا أو لم يشعر، لكن يحس بارتفاع إيمانه. وتأمل في حديث حنظلة رضي الله تعالى عنه عندما وجده أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ فقال حنظلة: نافق حنظلة، هكذا إجابته، تسأل عن حالي، أنا قد نافقت، نافق حنظلة. فاستغرب أبو بكر من هذا الجواب، قال: انظر ما تقول، هذا أمر عظيم، ترمي نفسك بالنفاق، انظر ما تقول. قال: يا أبا بكر، إن نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيذكرنا بالجنة والنار حتى نراها رأي العين، أي يقول: من شدة تأثرنا بمجالس العلم وبما يحدثنا عنه نبينا، أن هذه الأمور وهي من المغيبات نجدها حقائق أمامنا نراها رأي العين، ما عندنا شك من قوة إيماننا لما نسمعه. قال: فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فلسنا كثيرا. لكن إذا خرجنا وابتعدنا عن مجالس العلم والذكر، رأينا أن منسوب الإيمان ينقص ويقل، حتى أننا ننسى ما مر علينا من هذه الإيمانيات. هذا شعور حنظلة. ماذا قال أبو بكر؟ وافقه، قال: إن والله لنجد هذا، نعم هذا الذي تشعر به، أنا أشعر به، وهكذا نحن جميعا نشعر به. فإن الإنسان إذا جاء إلى مجالس الذكر والعلم كما ذكرنا على اختلاف صورها، يجد من الإيمانيات في قلبه من السكينة والطمأنينة، ومن إقباله على ربه، ومن إذعانه وقوة يقينه ما لا يشعر به إذا خرج، وإذا أدبر، وإذا أعرض، وإذا فارق المجالس، يجد أن قلبه يقسو، وأن إيمانه يقل، وأن الغفلة فيه تستحكم. فقال أبو بكر: إن لنجد ما تقول. فذهب إلى رسول الله، فدخل حنظلة، قال: يا رسول الله، إن إذا كنا عندك فذكرت لنا الجنة والنار حتى إننا نراها رأي العين، وإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والنساء والأولاد، فلسنا كثيرا. فقال عليه الصلاة والسلام: «لو أنكم تدومون على هذا السلوك، لو أنكم تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر»، أي لو أن حالكم إذا خرجتم إلى الخارج حالكم كحالكم الآن في مجالس الذكر من الإيمانيات، قال: «لصافحتكم الملائكة على الفرش والطرقات»، لو كان هذا حالكم لكان أمركم عظيم، يعني الإيمانيات التي تخرجون بها تجدونها كذلك في الخارج، فأصبحتم في إيمان كامل. قال: «لصافحتكم الملائكة لقوة إيمانكم»، قال: «لكن يا حنظلة ساعة وساعة»، أي ما أحد يستطيع أن يستديم على هذا الإيمان. الشاهد من هذا الحديث على أن الإنسان يجد في مجالس الذكر من الإيمانيات ما لا يجده في غيره. ولهذا من شعر بقسوة قلبه وبالغفلة تستحكم فيه، فليلجأ إلى مجالس الذكر، إلى مجالس العلم، فيجد أن أمره أعظم بكثير، ويتغير حاله إلى أحسن حال، بخلاف الذي يعرض. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بخبر الثلاثة؟ أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه»، فما ظنك برجل أعرض الله عنه؟ فأصبحت هذه المجالس معيار، معيار في تقويم الناس والأنام. وهكذا إخواني في الله، مما يذكر في هذا المقام أيضا من أسباب إبعاد الغفلة، وكذلك يدخل في هذا الباب مجالس الذكر، كذلك العلم بشكل عام، الإقبال على العلم، فلا يجتمع العلم مع الغفلة. فإن الإنسان كلما ازداد علما، فإن الغفلة تبتعد عنه. ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «الغفلة من ضد العلم»، الغفلة ما الذي يضادها؟ قال شيخ الإسلام: «العلم»، فإذا وجدت الغفلة، بمعنى ما عندك علم، وإذا وجد العلم فلن تجد الغفلة. ولهذا تجد أن الإنسان كلما دخل في باب العلم وتعلم من العلوم الشرعية ما تعلم، تجد أنه مقبل في حياته، ولا تنتابه الغفلة إلا مرور الكرام، فإن جاءه الطائف من طوائف الغفلة، تنبه وتذكر ورجع إلى ما أمره الله وندب إليه وحث عليه ورغب فيه. وأخيرا، إخواني في الله، مما يستدل به على إبعاد الغفلة ما يكون من مصاحبة الأخيار ومجالسة الرفقة الطيبة، فإنها من أعظم المعين الذي يعين على إذهاب الغفلة. ولهذا أمر الشرع الإنسان المسلم بأن يصاحب الأخيار، فهم الرفقة وهم المعونة الذين إن رأوك جهلت علموك، ونسيت ذكروك، أو غفلت نبهوك. هؤلاء هم الرفقة الطيبة يكونوا معك، فإذا رأوك يوما ما أنك ابتعدت سألوا عنك، افتقدوك: «أيناك يا فلان؟ ما نراك في المسجد، أيناك يا فلان أمس؟ محاضرة سمعناها أمس، كان معنا جلسة مع الإخوة أمس، كان هناك مناسبة أمس، كان بغدا عرفة، هل صمت؟ ستصوم عرفة؟» فلا يزال معك كل واحد يذكر الآخر في هذه الدنيا حتى يلقوا ربهم على هذا الحال. ولهذا كان من أعظم أسباب إبعاد الغفلات مصاحبة الأخيار، والعكس بالعكس. ولهذا قال الشاعر: «إذا ما صاحبت القوم فاصحب خيارهم، ولا تصاحب الأرض فتردى مع الردي فتردى مع الردي». أما من كان غافلا في نفسه بعيدا عن ربه، فلا تطمع منه يا عبد الله إلا أنه يزيدك غفلة فوق غفلتك. فهذا، إخواني في الله، شيء مما يذكر من أسباب علاج الغفلة التي تنتاب كل مسلم ومسلمة، ونحن بأمس الحاجة، خاصة ونحن في هذه الأزمنة التي كثرت فيها الشهوات والملذات، وهكذا الصوارف عن الطاعة والعبادة، فلزم أن الإنسان يجدد إيمانه وينظر إلى حاله. فإن رأى أن الغفلة قد تسربت إليه وتسرت إليه، فلا يتركها، فإن إن استحكمت أبعدته عن ربه. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.