التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 149

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 149

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 149، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فوائد حديث الاستهزاء وحكم المستهزئ

يستعرض الشيخ العثيمين ست فوائد من حديث ابن عمر في سبب نزول آية الاستهزاء، منها علم الله بالغيب وحكم النبي بالوحي لا بالعاطفة. ويؤكد أن الاستهزاء بالله ورسوله وآياته كفر أكبر يستوجب الغلظة في الزجر مع قبول التوبة بشروطها.

آداب الإنكار ومخاطر الاستهزاء بالدين

يبيّن المقطع وجوب إنكار من يسب الدين أو الرسول ومفارقة مجلسه إن لم ينزجر، مع التحذير من ذكر القرآن والحديث للمزاح. وينبه إلى سد باب الكلام المحتمل للسب ويحذر من العجب بالعمل لأن الكلمة قد تهوي بصاحبها في النار.

أحكام وآداب مستفادة من آيات الاستهزاء

يستعرض المقطع خمس مسائل مستنبطة من آيات الاستهزاء، منها كفر المستهزئ صريحاً وشمول الحكم للمؤمن والمنافق. ويفرق بين النميمة المحرمة والنقل للإصلاح، وبين العفو المحمود والغلظة على أعداء الله، مع عدم قبول كل اعتذار في الأمور العظيمة.

خاتمة باب الاعتذار والانتقال للباب التالي

يؤكد المتحدث أن ليس كل خطأ يُقبل فيه الاعتذار، فبعض الأمور تتطلب حزماً وشدة ولا يُعفى عن مرتكبيها. ثم يعلن انتهاء هذا الباب والانتقال إلى الباب التالي في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فآخر ما أخذنا في كتاب التوحيد: باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول. وقرأنا ما ذكره المؤلف تحت هذا الباب من آية وحديث، وهو حديث ابن عمر وغيره في سبب نزول قول الله عز وجل: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾. يقول الشيخ العثيمين رحمه الله: من فوائد الحديث -أي هذا الحديث- أولاً: بيان علم الله بما سيكون، فالله عالم ما كان وما سيكون، سبحانه وتعالى. فلما تكلم هذا الرجل بما تكلم به، أراد الصحابي الجليل عوف بن مالك أن يبلغ النبي عليه الصلاة والسلام، فوجد الخبر قد سبق من الذي أعلم نبيه عليه الصلاة والسلام، إنه الله سبحانه وتعالى. قال: ثانياً: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحكم بما أنزل الله إليه، فلم يرق ويلين رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما اعتذر هذا القائل، وإنما عمل بما أوحاه الله إليه: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فينبغي للمسلم ألا يقدم على أمر الله ولا على أمر رسوله صلى الله عليه وسلم عاطفة ولا وجداناً ولا ذوقاً ولا رأياً، بل يقضي بما قضى الله به ورسوله. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، لا خيارة في أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام مع أمر الله، وهكذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: ثالثاً: من فوائد الحديث: الاستهزاء بالله وآياته ورسوله من أعظم الكفر. وقد تقدم معنا أن الكفر كفران: كفر معارضة، وكفر إعراض، وأعظم الكفرين هو كفر المعارضة. والاستهزاء من هذا الباب؛ لأن فيه سباً لدين الله عز وجل، أو لرسوله، أو لآيات الله سبحانه وتعالى. قال: رابعاً: أن المستهزئ بالله يكفر، وهذا صريح الآية: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾. قال: خامساً: استعمال الغلظة في محلها، وهذا من الحكمة. النبي صلى الله عليه وسلم رؤوف رحيم، قد يقول قائل في هذا الموضع: لماذا لم يرحم ولم يرأف على هذا المعتذر؟ لأن المقام مقام زجر، ومقام تأديب، فناسب أن يكون الأسلوب بهذه الغلظة. فمن الخطأ أن نقول: إن الرفق واللين يكون في كل موضع. لا، الأصل والأكثر أن تكون أو أن يكون أسلوب الداعية بالرفق واللين، لكن أحياناً قد يحتاج إلى شيء من الشدة ومن الغلظة في مواضع لا يناسبها اللين، كهذا الموضع. كقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «أفتان أنت يا معاذ»، ولأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، وغير ذلك من المواطن التي يستخدم فيها النبي صلى الله عليه وسلم الشدة. لكل مقام مقال، لكل مقام مقال. قال: سادساً: قبول توبة المستهزئ بشروطها، لأن الله عز وجل قال في هذه الآية: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾، أي: لا نعفو عن جميعكم، وإنما نعفو عن من تاب وصدق في توبته واستوفى شروط التوبة، فهذا الذي نعفو عنه. قال الشيخ ابن عثيمين -تنبيهات-: التنبيه الأول: الذي يحضر السَّبّ مثل الذي يسب، إلا إذا أنكر أو انصرف. قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. وهذا تنبيه مهم جداً: أنت في مجلس، فتجرى أحد الجلس... الجلوس، فسب الدين والرب أو الرسول، فلا ينبغي لك أن تسكت، أو أن تضحك، أو أن ترضى، بل يجب عليك إحدى أمرين كما ذكر الشيخ: إما أن تنكر وتغلظ على هذا الساب، تذكره بالله، وتبين غضبك، وأنه ارتكب أمراً عظيماً، تبين له أن هذا كفر. فإن انزجر وسكت، فقد أديت الذي أوجب الله عليك من إنكار المنكر. وإن استمر وعاند، فيجب عليك أن تغادر هذا المجلس، ولا يجوز لك الجلوس. بل إن استطعت أن تشهد عليه ثم ترفع أمره للجهات المسؤولة والمعنية، فهذا واجب عليك حتى يتأدب. إذا هو معاند ولم يسمع النصح، إن بعض الناس ربما لجهله يتجرأ، أو لغضبه يتجرأ لمثل هذا السَّبّ، فإذا ذكر ندم وتذكر، لكن بعض الناس يستمر في غيه وفي عناده، فهنا لا بد أن تغادر المجلس، ولا تجلس وتستمر في الجلوس. لهذه الآية، وليقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». ومن الإنكار بالقلب: عدم شهود وحضور المنكر، بل يجب اعتزاله والبعد عنه، لقول الله عز وجل: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. إنكم إذا مثلهم إذا جلستم، ولا يزال الحديث في هذا الاستهزاء، ولم يفد الإنكار، فهنا يجب عليك مغادرة هذا المجلس. قال: التنبيه الثاني: إياك وذكر القرآن والحديث ليضحك الناس، وكن خائفاً عند ذكرهما. وهذا قد يقع فيه بعض الناس، خصوصاً الآن مع وجود هذه الوسائل والمواقع التي لربما تخصص للضحك واللهو، وربما يؤتى بالنكتة، ويؤتى كذلك لما يضحك الناس بآية أو حديث، أو تنزيلها في موضع ليضحك الناس، ليضحك الناس. فهذا يدخل في الاستهزاء بآيات الله سبحانه وتعالى. فالقرآن والحديث لم ينزلهما الله عز وجل للضحك والسخرية، وإنما للهداية والعلم والفائدة. قال: ثالثاً: التنبيه الثالث: إذا كان الكلام محتملاً للسَّبّ، ننبه قائله، فإن تاب وإلا فهو مستهزئ. يعني: أحياناً يكون السَّبّ ليس صريحاً لكن محتملاً، فهنا ينبغي للقائل أن يكف عن مثل هذا الكلام. قال: «أنا ما قصدت السَّبّ، وهذا ليس بصريح». قيل له: لكنه محتمل، والسَّبّ أمره خطير، فسَدّ هذا الباب هو الأسلم، هو الأسلم. قال: رابعاً: الحذر من العجب والغرور، لأن الحسنة قد تدخل الجنة، والسيئة قد تدخل النار. فهذا الرجل خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، ثم حصل منه ما حصل، مع أن هذه الغزوة هي نفسها الغزوة التي تخلف عنها الثلاثة، غزوة تبوك. وهذه الغزوة كانت شديدة على أهل النفاق، لأنها كانت في وقت فيه حرارة، وقد طابت الثمار، والشقة بعيدة -أي المسافة بعيدة-، ولذلك صرح النبي صلى الله عليه وسلم بوجهته حتى يستعد المسلمون. ومع هذا، خرج هذا مع الناس، يريد يجاهد، يريد يغزو مع النبي عليه الصلاة والسلام، ومع هذا رجع بالكفر والعياذ بالله، بسبب هذه الكلمات. فالواحد لا يغتر مهما أعطي من علم، أو من عبادة، أو من وجاهة، أو من إحسان وصدقة وبر إلى الناس. لا تغتر بعملك، لا تغتر بعملك. رب كلمة تكون بها -والعياذ بالله- من أهل النار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً، تهوي به في النار سبعين خريفاً، تهوي به في النار سبعين خريفاً». فلا يغتر مهما أعطي من العلم، ومهما وصل من الفضل، لا يغتر بعمله، فلا يعجب ولا يغتر، بل يدعو ربه الثبات، وكذلك حسن الخاتمة. قال: المسائل: الأولى -وهي العظيمة-: أن من هزل بهذا فهو كافر، أي بالله وآياته ورسوله، وهو صريح الآية: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. الثانية: أن هذا تفسير الآية في من فعل ذلك، كائناً من كان، يعني: منافق أو غير منافق. ولذلك اختلف أهل العلم في هذا القائل، فمنهم من قال: ليس بمنافق، بل كان من أهل الإيمان، لأن الله عز وجل قال: ﴿قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. وأما قول عوف بن مالك: «كذبت، ولكنك منافق»، قال العلماء: هذا يحمل على حسب ظنه، وأن هذا الفعل وهو الاستهزاء، أهل الخير والصلاح إنما هو من صفات أهل النفاق. فقد يكون مقصد عوف بن مالك النفاق العملي، ليس الاعتقادي. والنفاق العملي قد يقع فيه المؤمن: «ثلاث من كن فيه صار منافقاً»، وذكر منها، أو قال عليه الصلاة والسلام: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». فهذا معنى قول المؤلف: أن هذا تفسير الآية في من فعل ذلك كائناً من كان، ولو كان مؤمناً، ولو كان من أهل الجهاد، ولو كان من أهل الفضل، طالما أنه وقع في ذلك، فهذا فعل خطير. قال: الثالث: الفرق بين النميمة والنصيحة لله ورسوله، لأنه يقصد بها احترام شعائر الله. فعوف بن مالك لما قال: «لأبلغن رسول الله»، هذا ليس من النميمة. نقل الكلام من أجل الإصلاح، ومن أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا ليس من النميمة. وإنما النميمة كما عرفها العلماء: هو نقل الكلام من أجل الإفساد، من أجل الإفساد. يعني: مثلاً على سبيل المثال، رجل في المجتمع يفسد، إما بانتهاك أعراض المسلمين، أو بأخذ أموالهم، فيجوز لمسلم من المسلمين أن يبلغ عنه إذا لم يستجب ويسمع النصيحة، ولا يريد أن يكف شره، فيجوز أن يبلغ، يجوز أن يبلغ عنه. فهذا ليست من النميمة؛ لأنه يقصد بذلك الإصلاح، يقصد بذلك الإصلاح. كذلك ما يكون في دور الحديث: بعض طلاب العلم يتحرج أن يبلغ عن طالب أخل بالشروط، ولربما أفسد غيره من الطلاب، إما بالنظر إلى المسلسلات، أو إلى الصور، أو كذلك تعاطي بعض الممنوعات التي ليست على شروط المركز. فهذا يجوز أن يبلغ عنه إذا استمر في فعله، ولم يسمع النصيحة ممن رآه. الواجب: إذا رأيت أحداً يفعل ذلك أن تنصح، لكن إذا لم يستجب لك، فيجوز لك أن تبلغ القائمين على المركز، كي يشدوا عليه، ولربما إذا رأوا المصلحة في إبعاده من المركز فعلوا ذلك، ولا يفسد غيره. فهذا ليس من النميمة المحرمة، بل هذا من الإصلاح، ومن النصيحة، ومن إقامة دين الله سبحانه وتعالى. فينبغي التفريق. قال: الفرق بين العفو الذي يحبه الله، وهو الذي فيه إصلاح، وبين الغلظة على أعداء الله. بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعفو عنه، لم يعفو عنه، لماذا؟ لأن عدم العفو عنه فيه إصلاح، وفيه زجر لغيره، وفيه زجر لغيره، ففي ذلك مصلحة. ولذلك: أول شخص... لكن استعمال اللين أحياناً للدعوة والتعليل قد يكون مستحسناً، وهذا من الحكمة. من الحكمة أن تقدر الأمور بقدرها، وأن تضع الأمور مواضعها، وهذه هي الحكمة. فمتى تستخدم اللين، ومتى تستخدم الشدة، ومتى تغلظ على القائل أو الفاعل، ومتى تلين معه، كل ذلك يحتاج إلى فقه، ويحتاج إلى علم، ويحتاج إلى تقدير المصالح من المفاسد. قال: الخامس: أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل، فليس كل اعتذار يقبل. فهذا لما اعتذر لم يقبل منه، لأن الأمر الذي وقع فيه ليس بالأمر الهين. فليس كل أمر يعني يقبل فيه الاعتذار، فبعض الأمور تحتاج إلى حزم، وتحتاج إلى غلظة، وتحتاج إلى شدة، فلا يعني يعفى عن أصحابها. طيب، نكتفي بهذا، وبهذا قد انتهينا من هذا الباب، وننتقل في الدرس القادم إلى الباب الذي بعده. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر