الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
بدأ الوحي على النبي ﷺ بالرؤية الصادقة في المنام التي تتحقق في اليقظة مثل فلق الصبح، وهي نوع من الوحي الخاص بالأنبياء. وقد ضرب الشيخ مثالاً برؤية إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسماعيل واستجابة الابن للأمر الإلهي.
تُعد الرؤيا الصادقة جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من النبوة وباقية بعد انقطاع الوحي كمبشرات للمؤمنين. فصل الحديث بين أنواع الرؤى الثلاث وأجمع العلماء على أن رؤى غير الأنبياء ليست وحياً ولا حجة في الأحكام الشرعية.
لا تُستدل الرؤى على الأحكام إلا للأنبياء لأن رؤياهم وحي، أما رؤى غيرهم فليست وحياً وقد تكون من الله أو من الشيطان. رؤية النبي ﷺ على صورته الحقيقية حق وتبشير، وأرشد ﷺ للاستعاذة والتفل عند المنام المكروه لأنه من الشيطان.
أوضحت عائشة رضي الله عنها أن رؤى النبي ﷺ كانت صادقة ومهدة، وشكّلت مقدمة للوحي والرسالة والبعثة النبوية. انتهى الدرس عند هذا الحد على أن يكمل في الجلسة القادمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فمواصلة لما قد ذكرناه في درسنا السابق في حديث بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، وأول ما أوحي إليه، صلوات الله وسلامه عليه. قد ذكرنا بداية هذا الحديث، فقالت عائشة رضي الله عنها: «أول ما بدأ الوحي على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالرؤية الصادقة، فكان لا يرى رؤية إلا رآها مثل فلق الصبح». فذكرنا بالأمس الوحي، وما المراد بالوحي، ومراتب الوحي التي كملها الله عز وجل نبيه، صلوات الله وسلامه عليه. وأيضًا جعل الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام مقدمات لنبوته، مقدمات أيضًا لأنه سيوحي إليه جل وعلا. ومن ذلك الرؤية الصادقة، الرؤية الصادقة التي كان يراها نبينا عليه الصلاة والسلام، فتأتي مثل فلق الصبح، أي تأتي واضحة، يراها عليه الصلاة والسلام مثل ما رآها في المنام. فالرؤية هنا المراد بها ما يراه الإنسان في منامه، وهي كما قال الإمام ابن القيم: أمثال مضروبة يضربها الله عز وجل للعباد، فيراها بعد ذلك في حياته وفي يقظته. وإنما يراها هذه الرؤية في المنام، فكان النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يبعث الله عز وجل، أو قبل أن يرسل إليه الملك، كان يرى هذه الرؤية الصادقة، فيرى رؤية فتأتي إليه مثل فلق الصبح، يراها في المنام أو يراها حقيقة في الدنيا مثل ما رآها في المنام. رؤية صادقة، هكذا الرؤية الصادقة يراها الإنسان ثم تتحقق هذه الرؤية في حياته. وهذه الرؤية الصادقة قد جعلها الله عز وجل للأنبياء وحيًا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رؤية الأنبياء وحي يوحيه الله عز وجل إليه». ولهذا ذكر الله عز وجل رؤية نبي الله إبراهيم في القرآن، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: 102]. فقال له إسماعيل، ابن نبي الله إسماعيل عليه السلام: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: 102]، ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، أي ما يأمرك الله عز وجل به. مع أنها رؤية، لكن إسماعيل علم أن الرؤية تكون من الله جل وعلا، وتكون للأنبياء حقًا وحقيقة، فهي وحي من الله. قال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: 102]، قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]. وأيضًا قصة نبي الله يوسف، أكثرها تدور على تلك الرؤية التي رآها: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4]. هذه الرؤية العظيمة التي رآها نبي الله يوسف، بدأ بها ربنا جل وعلا، ثم في آخر القصة تحققت هذه الرؤية، في آخر قصة نبي الله يوسف تحققت هذه الرؤية. وكذلك أيضًا نبينا عليه الصلاة والسلام في مبعثه كان يرى الرؤية، فتأتي مثل فلق الصبح. ولما أيضًا قال الله عز وجل في دخول النبي عليه الصلاة والسلام إلى مكة مع أصحابه: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27]، أو قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: 27]. فهذه رؤية رآها نبي الله صلى الله عليه وعليه، وكانت رؤية حق. وكذلك في غزوة بدر، رأى أيضًا رؤية، قال الله عز وجل: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [الأنفال: 43]. الله عز وجل يري نبيه أن أهل بدر قليل، يريه في المنام. فهذا كله كما قلنا من الوحي، الرؤية الصادقة من الوحي. وهنا قال النبي عليه... قالت عائشة: «يرى أول ما بدأ الوحي برسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤية الصادقة». فالرؤية الصادقة سميت صادقة لأن هناك رؤى غير صادقة. جاء في الحديث أن الرؤى ثلاث: رؤية صادقة أو صالحة، وأضغاث أحلام، وحلم من الشيطان. فهنا هذه الثلاث: إما أن تكون رؤية صادقة، وهذه يراها أهل الصلاح. ولهذا جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم: «ما بقي من النبوة إلا المبشرات». قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤية الصالحة يراها الرجل أو ترى له». هذه المبشرات. بل جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في حديث أبي هريرة: «أن الرؤية الصالحة جزء من ست وأربعين جزءًا من النبوة، جزء من ست وأربعين جزءًا من النبوة». الرؤية الصالحة إذا رآها العبد تحققت في حياته، أو يرى ما يكون يوم القيامة، فهي بشارة له. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بقي من النبوة إلا المبشرات». أن النبوة تنتهي بموت النبي عليه الصلاة والسلام، الوحي، لكن بقيت المبشرات. فالمبشرات تبشر العبد بخير. قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤية الصالحة يراها العبد أو ترى له». لكن قد أجمع العلماء على أن رؤى غير الأنبياء ليست وحيًا، ولا يستدل بها في شيء من أحكام الدين. ما يقول مثلا للإنسان: «أنا رأيت رؤية كذا، جاءني ملك، أو رأيت رؤية في المنام أني أصلي هذه الصلاة»، مثل ما يفعل بعض أهل التصوف وغيرهم. يقولون مثلا: أحدهم رأى رؤية، أو فرضوا الخمس في آخر رمضان، رأوها رؤية، فصارت يطبقون. لا، هذا ما يجوز. قد أجمع العلماء، كما ذكر شيخ الإسلام وغيره، بل ذكره حتى أنه يُغَيِّرُهُ، أن الرؤى لا يؤخذ منها أحكام، أي غير الأنبياء. رؤى الأنبياء حق ووحي، أما غيرهم فليس بوحي. لكن هي مبشرة للشخص نفسه إذا كانت رؤية صادقة، تبشر الشخص نفسه بخير. والنبي عليه الصلاة والسلام أيضًا قال: «من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة، أو كأنما رآني في اليقظة». وقال: «من رآني في المنام فقد رأى الحق». فهذه مبشرات. الذي يرى النبي عليه الصلاة والسلام بهيئة التي كان عليها صلى الله عليه وسلم، وما خلقه الله، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام، لأن الشيطان لا يتمثل به، الشيطان لا يتمثل برسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن قد يوهم الرائي أنه الرسول وهو ليس كذلك. لكن إذا جاء بنفس الهيئة التي كان عليها صلى الله عليه وسلم للرائي، فهذا حق، فهذا حق رآه، وهو مبشر له بالخير. وكل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم، أو رأى رؤية صادقة، فهذا التبشير بخير، أو يكون أضغاث أحلام. معنى أضغاث الأحلام: هذه الأحاديث التي يذكرها الإنسان دائمًا في حياته، فيرى في المنام أنه ذهب إلى فلان، وأنه قال لفلان كذا. هذه أضغاث أحلام، أو أنها حلم من الشيطان. النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين قال: «الرؤية الصالحة من الله، والحلم من الشيطان». أي شيطان يتلاعب بالإنسان في منامه حتى يريه أشياء مفزعة، يريه أشياء مثلا لا تفرحه بل تحزنه، يريه أشياء هكذا. فهذا حلم من الشيطان. ولهذا جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، رأيت في المنام أن رأسي قد خرج، ورأيته يتدهده، يتدهده هذا الرأس. فقال عليه الصلاة والسلام: «إذا جاء أحدكم الشيطان يتلاعب به في منامه، فلا يخبر به، لا يخبر به أحد، فإنه لا يضره، لأنه من الشيطان». استعذ بالله من الشيطان الرجيم. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا تحلم أحدكم حلما من الشيطان، فليتفل عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله»، أو قال: «بل يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنه لا يضره». لكن الرؤية التي كان يراها الأنبياء هي وحي، والرؤية الصادقة أيضًا مبشرة للعبد، لغير الأنبياء، للصالحين، مبشرة لهم بالخير. فلهذا فالرؤية التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يراها رؤية صادقة، وهي مهدة، وأيضًا مقدمة لما سيرسل الله، أو مقدمة للوحي، وللرسالة، وللبعثة. فكانت هذه الرؤى كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في الدرس اللاحق، والحمد لله رب العالمين.