كتاب المساجد ومواضع الصلاة 32

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 32

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 32، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

الاستعاذة في الصلاة وفتنة الدجال

النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال، وقد وردت أحاديث عن عائشة وأبي هريرة تؤكد ذلك وتشير إلى أهمية الاستعاذة من أربع أمور منها فتنة المسيح الدجال.

التحذير من الدين ونية السداد

يشرح المقطع أهمية الاستعاذة من المأثم والمغرم، ويحذر من عواقب الدين وآثاره السلبية، ويشدد على ضرورة نية السداد عند الاستدانة لتجنب الوقوع في المحرم.

تدليس الرواة والتعوذ في التشهد

المقطع يشرح أنواع التدليس عند الرواة مثل تدليس التسوية والإسناد والشيوخ، ثم ينتقل إلى شرح حديث نبوي يتعلق بالتعوذ من أربع خلال التشهد الأخير في الصلاة.

التمييز بين الافتتان المذموم والمباح

الافتتان يكون مذموما إذا أدى إلى ترك واجب أو الوقوع في محرم، ويكون مباحا إذا تم بطريقة لا تتعارض مع شرع الله مثل النكاح واكتساب المال الحلال.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال حدثني عمر الناقد، وهو عمر بن محمد بن بكير، قال: وزهير بن حرب، هو أبو خيثمة النسائي، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن أسعد، وهو ابن إبراهيم عبد الرحمن بن عوف، قال: حدثنا أبي عن صالح، وابن كيسان عن ابن شهاب، هو الزهري، قال: أخبرني عروة، وعن الزبير أن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال. أن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال. فهذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال، وسيأتي معنا فيما بعد، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ، وأيضا سيأتي في رواية أخرى عن عائشة: «كان يستعيذ من عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال». وكونه يستعيذ عليه الصلاة والسلام من فتنة الدجال لعظم فتنته، لعظم فتنته، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث أخرى أنه لا يعلم فتنة أعظم من فتنة الدجال، وأنه أنذره نوح ومن بعدهم الأنبياء، وهم يعني يحذرون وينذرون قومهم فتنة الدجال، ففتنته عظيمة كما أخبر نبي عليه الصلاة والسلام في حديث النواس بن سمعان: أنه يمر على الخريبة فيقول: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ويأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، وكذلك يقتل الرجل ثم يحييه، ومن آمن به يعني جعل الله البركة في مواشيهم تذهب ترعى فترجع سمانا، ومن كذبه محقة بركة المواشي. وهكذا يعني يقول لرجل: أرأيت إن أحييت لك أبويك أتؤمن به؟ فيقول: نعم، فيحيي له أبويه فيقولان له: آمن به، فإنه صادق، أو إنه ربك، فتنة عظيمة، فتنة عظيمة. لذلك يعني حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من فتنة الدجال، وكان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من فتنته. قال: وحدثنا نصر بن علي الجهضمي، وابن نمير، ومحمد بن عبد الله بن نمير، قال: وأبو كريب، ومحمد بن العلاء قالوا: وزهير بن حرب جميعا عن وكيع، ومن الجراح، قال: قال أبو كريب: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأوزاعي، وهو عبد الرحمن بن عمرو، إمام أهل الشام، قال: عن حسان بن عطية، عن محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة، وعن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال». في هذا الحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تشهد أحدكم يعني إذا فرغ من التشهد في الصلاة، والمراد به التشهد الأخير الذي عقبه السلام، فليستعذ بالله من أربع». كيف يستعيذ؟ قال: «يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، اللهم أي يا الله -أصلها يا الله، حذفت يا النداء وعوض عنها بميم الجمع فصارت اللهم- إني أعوذ بك من عذاب جهنم، أي ألتجئ وأعتصم بك من عذاب جهنم، أي أن أعذب فيها وأن أكون من أهلها؛ لأن عذابها شديد وعظيم». قال: «ومن عذاب القبر»، كذلك أستعيذ بك من عذاب القبر أن أعذب في قبري، والمراد بالقبر ما يعني يكون الإنسان في حال برزخه. وأصل ذلك أن يقبر ويدفن في باطن الأرض، هذا هو الأصل، وقد لا يدفن في باطن الأرض، كأن تأكله السباع أو تأكله الحيتان في البحر، أو يحرق ويذهب رماده، فهؤلاء كلهم ومن كان مثلهم هم في معنى من أقبر في أرضه. وكذلك انتقل إلى حياته البرزخية، فيأتيه ما قدره الله عليه من عذاب أو نعيم، من عذاب أو نعيم، ليس عذاب القبر خاصا بمن دفن في الأرض. وأما من لم يدفن فيقال: هذا سلم من عذاب القبر، لا، حتى وإن لم يدفن إذا مات فقد انتقل إلى حياته البرزخية، فهو إما معذب وإما منعم حتى يبعثه الله سبحانه وتعالى يوم القيامة. قال: «ومن فتنة المحيا والممات»، فتنة المحيا أي الحياة، فالحياة فتنة، حياة الإنسان في هذه الدنيا فتنة، هل يطيع أو يعصي؟ هل يؤمن أو يكفر؟ هل يعني ينقاد لأوامر الله أو يتكبر؟ وكذلك أيضا فتنة الدنيا، فتنة المال، فتنة النساء، فتنة الأولاد، فتنة الزوجات، هؤلاء كلهم فتن من فتن الدنيا. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله جل وعلا من فتنة المحيا، أقصد هذه كلها من فتن الحياة كلها. وأنت تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من فتن الحياة كلها. وهكذا أيضا والممات، فتنة الممات، إما أن يكون المراد بالحالة التي يموت عليها الإنسان، هل يموت مؤمنا أو كافرا؟ هل يموت عاصيا أو طائعا؟ أو كذلك هل يموت على يعني حالة ترضي الله سبحانه وتعالى أو يموت على حالة تسخط الله؟ أو يكون المراد كذلك بفتنة الممات ما يحصل للإنسان حال الاحتضار من شدة وكذلك كربة، فهي أيضا فتنة عظيمة. فأنت تستعيذ بالله جل وعلا من فتنة المحيا والممات. قال: «ومن شر فتنة المسيح الدجال»، كما مر معنا أن فتنة فتنة الدجال فتنة عظيمة، وسمي المسيح لأنه ممسوح الخير، ممسوح الخير لا خير فيه، ولهذا مكتوب بين عينيه كافر، يقرأها كل عبد مؤمن، قارئ أو غير قارئ، حتى الأمي الذي لا يقرأ يجعله الله عز وجل يقرأها، فينجو أو يعلم كذب هذا الدجال. وقيل: لأنه ممسوح العين، فإحدى عينيه ممسوحة أو طافية كما جاء في بعض الأحاديث: بارزة. وقيل: لأنه يمسح الأرض في أربعين يوما، يمسح الأرض في أربعين يوما كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النواس بن سمعان. وقوله: «من شر فتنة المسيح الدجال»، هذا من ذكر الخاص بعد العام، فإن فتنة الدجال هي من فتن الحياة، من فتن الحياة والممات، فذكرها بعد الاستعاذة من فتنة المحيا والممات من ذكر الخاص بعد العام. إذن هذه الأمور الأربع كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله جل وعلا منها إذا فرغ من تشهده. واختلف أهل العلم: هل هذا الدعاء والاستعاذة من هذه الأربع واجب أو مستحب؟ جمهور العلماء على أنه مستحب، يستحب للمسلم إذا تشهد أن يستعيذ بالله جل وعلا من هذه الأمور الأربع. وذهب بعض أهل العلم إلى الوجوب، كالظاهرية، وطائفة من أهل العلم ذهبوا إلى وجوب الاستعاذة بالله من هذه الأربع؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بذلك، والأصل في الأمر أنه للوجوب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فليستعذ»، هذه من صيغ الأمر، فيكون ذلك واجبا، هذا هو ظاهر الحديث، والله تعالى أعلم. قال: وحدثني أبو بكر بن إسحاق، وهو محمد بن إسحاق، ومن جعفر، قال: أخبرنا أبو اليمان، وهو الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب، وهو ابن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم». قالت: فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله؟ قال: «إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف». فهذه الأحاديث فيها أيضا دليل على ثبوت عذاب القبر، كما مر معنا في الدروس الماضية، وأن عذاب القبر حق، نعم، وأن عذاب القبر أمر غيبي لا يطلع عليه الأحياء، لا يطلع عليه الأحياء، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، خلافا لأهل البدع والهوى، من المعتزلة ومن صار على طريقتهم. وكذلك أيضا إثبات فتنة المسيح الدجال، وأن الدجال سيخرج في آخر الزمان ويفتتن به من يفتتن من الناس، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فأهل السنة والجماعة يثبتون ذلك، خلافا للمعتزلة، فإنهم أنكروه. وكذلك فتنة الدجال وخروج الدجال؛ لأن خروجه ثبت في أحاديث الآحاد، وهي عندهم لا تثبت بها العقيدة، وقولهم باطل مردود؛ فإن الحديث إذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام وجب الإيمان بما فيه، وإثبات ما دل عليه من أمور الاعتقاد. وهكذا أيضا يعمل بما فيه من أمور العبادات والمعاملات وغيرها، والتفريق في ذلك -أي في العمل بالأحاديث وإثبات ما دلت عليه- بين المتواتر والأحاديث، هذه من بدع المعتزلة، هذه من بدع المعتزلة. وفي هذا الحديث، هذه الرواية، فيها زيادة استعاذة مما يستعيذ منه النبي عليه الصلاة والسلام، زيادة على ما ذكر: أنه كان يستعيذ من المأثم والمغرم، «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم»، المأثم يعني الإثم، الإثم يعني الذنب، المعصية، فكان يستعيذ النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك، «اللهم إني أعوذ بك من المأثم»، يعني من الوقوع في الإثم، أن أقع في شيء من الإثم. والنبي صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم أنه معصوم عليه الصلاة والسلام من الوقوع في المعاصي والذنوب، ولهذا قال أهل العلم: إنما قال ذلك النبي عليه الصلاة والسلام ليعلم أمته، ليعلم أمته هذا الدعاء الذي يعني هم يحتاجون إليه، أن يستعيذوا بالله سبحانه وتعالى من المأثم؛ لأنهم عرضة لذلك، الوقوع في الإثم والخطأ والذنب، فعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا الدعاء. وهكذا قوله: «والمغرم»، المراد بالمغرم يعني الدين، المراد به الدين، فكان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من الدين، لماذا؟ قال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله؟ يعني من الدين، لماذا تستعيذ من الدين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف»، يعني أن الدين إذا وقع للإنسان استدان من إنسان دينا، فقد يوقعه هذا الدين في مثل هذا الأمر، من الوقوع في الكذب وإخلاف الوعد، فيكون سببا في إيقاعه في أنواع من الذنوب. إن الرجل إذا غرم ما حدث فكذب، ووعد فأخلف، يعني يأتي صاحب الدين، صاحب المال، خاصة إذا جاء وقت السداد وهو ما عنده: يا فلان أين الدين؟ يقول: أبشر إن شاء الله بعد يومين. طيب يقول: بعد يومين، مرت اليومان، ها أين الدين؟ بعد ثلاثة أيام، هكذا يحدث ويكذب ويوعد ويخلف بسبب ماذا؟ بسبب الدين. فلهذا أنه صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله جل وعلا من الدين. وهذا يدلنا على أن المسلم ينبغي أن لا يتساهل في أمر الديون، لا يتساهل في أمر الديون؛ فإن أمرها عظيم، أمرها عظيم، كما سمعتم، ربما يعني يستدين الإنسان فيقع في مثل ذلك، في مثل هذا الأمر، من الكذب في الحديث وإخلاف الوعد، وهذا الآن الدين الذي أخذه أو قعده في أنواع من الذنوب، في أنواع من الذنوب. هذه الأمور: الكذب في الحديث، وإخلاف الوعد، من صفات المنافقين، فهو بسبب الدين وقع في صفات من صفات المنافقين. فلماذا يحرج نفسه؟ نعم، إذا اضطر الإنسان إذا اضطر إلى أن يستدين، فيستدين ويكون صادقا وعازما على أن يرد الدين لصاحبه، ما يكون عنده تساهل. بعض الناس يتساهل في أمر الدين، يأخذ من هذا دينا ومن هذا دينا ومن هذا دينا، يستطيع من هذا ومن هذا، ثم يأتي هذا يطالبه، وهذا يطالبه، وذاك يطالبه، فيكذب مع هذا، ويكذب مع ذاك، وهكذا تتراكم عليه الديون حتى يصبح موضعا للاتهام، وكذلك أيضا تسقط الثقة به، إلى آخر ذلك، يعني من الأمور بسبب الدين. فلا يحرج الإنسان نفسه إلى مثل هذا الحال إلا إذا اضطر أن يستدين، عنده حاجة مهمة أو حاجة ضرورية، احتاج أن يستدين لعلاج أو لشيء من ذلك، فيستدين وهو يعني يكون صادقا عازما على إرجاع الدين لصاحبه، فإنه إذا كان كذلك أعانه الله، أعانه الله في سداد دينه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله»، يعني الذي يأخذ الدين وفي نيته أنه ما يرجع لصاحبه، هذا جد في قرارة نفسه أنه سيأخذ وبعد ذلك تلاعب على صاحب المال: إن شاء الله بكرة، بعد أسبوع، بعد شهر، بعد شهرين، وكلما طالبه قال: أبشر، ما عليك، الأمور شوي صعبة تحتاج إلى صبر، وهكذا حتى يمل، يمل صاحب المال فلا يسأله ثانية، وهكذا والثالث، ويظهر أن هذه رجولة وشطارة، وهو لا يعلم أنه بهذا أوقع نفسه في ذنب عظيم. لكن إذا أخذها ونوى -النبي صلى الله عليه وسلم يقول-: «ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها»، يعني هو في نيته أنه ما سيرجعها أصلا، يريد أن يستعملها ولا يردها إلى أصحابها، النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أو دعا عليه، قال: «أتلفه الله»، هذه يعني دعوة شديدة، أتلفه الله، قد يصاب في نفسه، في أهله، في ماله، في ولده، بسبب تلاعبه بأموال الناس. ومن أخذها يريد أداءها أدى الله عنه، أدى الله عنه، يسر الله يعني له ما يسدد به الدين، حتى لو مات والدين في ذمته، الله عز وجل يعني يسدد هذا الدين عنه، إما بيرضاء صاحب المال فيتجاوز عنه ويسامحه، أو يسر الله سبحانه وتعالى من يدفع هذا الدين عنه. فالمقصود أن أمر الدين يعني أمر عظيم، لا ينبغي التساهل به، لا ينبغي التساهل به. قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، والوليد بن مسلم ثقة، إلا أنه مدلس، كان يدلس تدليس التسوية. وما هو تدليس التسوية؟ هو إسقاط ضعيف بين ثقتين، سمع أحدهما من الآخر، أن يروي الراوي عن ثقة، ثم يسقط ضعيفا بين ثقتين، يعني يسقط الضعيف، لذا روى عنه شيخه، ثم يسوي السند بالثقات، يعني مثلا يأتي إلى الأوزاعي يحدث عن الأوزاعي، ثم يسقط شيخ الأوزاعي لأنه ضعيف، ويروي عن من بعده، ويكون الأوزاعي سمع منه أو لقيه، فيصبح السند مسوى بالثقات، هذا يسمى تدليس التسوية. كان الوليد بن مسلم كثيرا ما يفعل ذلك، ولهذا يعني توقف العلماء في حديثه إذا روى بالعنعنة حتى يصرح بالتحديث. ولما سئل عن ذلك: لماذا تفعل هذا مع الأوزاعي؟ يعني تسقط مشايخ الضعفاء وتسوي السند بالثقات؟ قال: ونزه الإمام الأوزاعي أن يروي عن الضعفاء، قال: ونزه الإمام الأوزاعي أن يروي عن الضعفاء، فكان يدلس هذا النوع من التدليس. طيب، تدليس الإسناد ما هو؟ تدليس الإسناد: أن يروي الراوي عما لقيه وسمع منه ما لم يسمع منه، بصيغة تحتمل السماع وعدمه، يعني مثلا يحدث الآن الوليد بن مسلم عن شيخ الأوزاعي بحديث ما سمعه من الأوزاعي، هو في الجملة سمع منه، لكن هذا الحديث ما سمعه منه، فما يأتي يقول: حدثني الأوزاعي، يقول: قال الأوزاعي، أو عن الأوزاعي، أو أن الأوزاعي قال، فيروي عنه بصيغة محتملة للسماع وعدمه، فيدلس يعني يظهر أنه سمع هذا الحديث منه، وما سمعه منه، هذا يسمى تدليس الإسناد. وهناك أيضا تدليس الشيوخ، وهو ما ذكر سعيد قبل قليل: أن يروي الراوي عن شيخه ويسميه أو يصفه بشيء لا يعرف به، حتى لا يوقف عليه، يعني مثلا يأتي التلميذ فيروي عن شيخه، شيخه مشهور باسمه، طيب فيروي عنه بكنية ما يعرف بها، أو بلقب ما يعرف به، فيعمي على الوقوف عليه، هذا يسمى تدليس الشيوخ. هناك أنواع أخرى مذكورة في كتب المصطلح. قال: حدثنا الوليد بن مسلم -وهو ثقة إلا أنه مدلس- قال: حدثنا الأوزاعي، وهو عبد الرحمن بن عمرو، قال: حدثنا حسان بن عطية، قال: حدثني محمد بن أبي عائشة، وهو ابن عبد الرحمن، ومن أبي عائشة: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر، فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال». قال: وحدثنيه الحكم بن موسى، قال: حدثنا هقل بن زياد، هو محمد بن زياد بن عبيد الله، قال: وحدثنا علي بن خشرم، قال: أخبرنا عيسى -يعني ابن يونس- جميعا عن الأوزاعي بهذا الإسناد، وقال: «إذا فرغ أحدكم من التشهد ولم يذكر الآخر» في هذه الرواية، تقييد هذا الدعاء بالتشهد الأخير. قال: وحدثنا محمد بن المثنى، أبو موسى العنزي، قال: حدثنا ابن أبي عدي، ومحمد بن إبراهيم، عن هشام، عن يحيى، وابن صالح، عن أبي سلمة: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وعذاب النار، وفتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال». قال: وحدثنا محمد بن عباد، ومن الزبرقان، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، ومن كيسان، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استعيذوا بالله من عذاب القبر، استعيذوا بالله من فتنة المسيح الدجال، استعيذوا بالله من فتنة المحيا والممات». قال: وحدثنا محمد بن عباد، قال: حدثنا سفيان، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. قال: وحدثنا محمد بن عباد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، قالوا: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، وعبد الله بن ذكوان، عن الأعرج، أو عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. قال: وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن بديل، وابن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يتعوذ من عذاب القبر، وعذاب جهنم، وفتنة الدجال. قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد، وابن جميل، وابن طريف، وابن عبد الأعلى، قالوا: عن مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، فيما قرأ عليه، عن ابن الزبير -هكذا عندي- والضحاك، عن أبي الزبير، قال: عن طاووس، وابن كيسان، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول: «اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات». قال مسلم: الحجاج بن الشاعر بلغني أن طاووسا قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك؟ قال: لا، قال: أعد صلاتك؛ لأن طاووسا رواه عن ثلاثة أو أربعة من الصحابة، فأراد منه أن لا يتساهل في ترك هذا الدعاء، وأن يهتم به. قوله في هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، فيه تأكيد هذا الدعاء وأهميته، كما أن الواحد منهم يتعلم السورة من القرآن ولا يفرط في تعلمها وحفظها وقراءتها، فكذلك ينبغي أن يكون الاعتناء بمثل هذا الدعاء، وحفظه، والإتيان به في الصلاة. وقول طاووس هنا: أنه أمر ابنه أن يعيد الصلاة لما قال: أدعوت بها في صلاتك؟ قال: لا، قال: أعد صلاتك، قال بعض العلماء: يحتمل أنه كان يرى الوجوب، هذا الدعاء، فلهذا أمره بالإعادة. أو أنه أراد بذلك تأديبه، وتأديبه، وأن يهتم بهذا الدعاء، وأن لا يتساهل في تركه، وأن لا يتساهل في تركه، وعل هذا هو المراد بذلك؛ لأنه يعني رواه عن ثلاثة أو أربعة من الصحابة، فأراد منه أن لا يتساهل في ترك هذا الدعاء، وأن يهتم به. يقول: الفتنة في الحياة مثل المال والنساء والزوجات والأولاد وغيرها، هل يدل هذا على أن كل هذه مذمومة، والفتنة لا بد أن نجتنبها؟ يعني كيف الجواب عن هذا؟ هذا المال والنساء والدنيا بما فيها فتنة إذا افتتنا بها الإنسان، يعني إذا غرتك الأموال وغرتك الزوجات وغرك الأولاد عن طاعة الله، فتركت الواجبات من أجلهم، أو ارتكبت المحرمات من أجلهم، فأنت قد وقعت في الفتنة وافتتنت بهم، وأصبح هذا الأمر مذموما، وأما إن لم تغتر بهم، يعني أنت في هذه الدنيا قد أباح الله عز وجل لك الزواج والنكاح، وكذلك السعي في اتخاذ الذرية، واكتساب المال الحلال من طرقه الشرعية، واجتنبت يعني ما حرم الله عز وجل من ذلك، فهذا مما لا يؤاخذ عليه الإنسان، بل هو يعني من زينة هذه الحياة الدنيا التي أباحها الله، المال والبنون زينة الحياة الدنيا. إذن الافتتان المذموم إذا كانت هذه الأمور وما كان مثلها سببا في تركك لواجب أو وقوعك في محرم، فهنا تكون هذه يعني الفتنة المذمومة الذي ينبغي للمسلم أن يجتنبها. وأما إن استعان بذلك بما لا مخالفة فيه لشرع الله، فهذا مما أباحه الشرع، بل رغب فيه، يعني في النكاح، وفي اتخاذ الذرية، والاكثار من ذلك، وفي اكتساب المال الحلال، هذا كل من الأمور التي رغبت فيها الشريعة، فليس ذلك من الفتنة المذمومة، والله تعالى أعلم. إلى هنا صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.