الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 175، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
عرف الشيخ ابن العثيمين الإيمان بأنه قول واعتقاد وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وعدد أركانه الستة، ثم فصل الإيمان بالله في أربعة مستلزمات هي: الإيمان بوجوده، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، مستدلاً بالعقل والحس والفطرة والشرع، وابتدأ بذكر الإيمان بالملائكة بوصفهم مخلوقين من نور مطيعين لله.
استكمل المقطع تفصيل الإيمان بالملائكة من حيث عقولهم وقلوبهم وأسماؤهم وصفاتهم وأعمالهم، ثم بين شروط الإيمان بالكتب السماوية بأنها كلام الله الحقيقي غير المخلوق وأن القرآن ناسخ لما قبله، واختتم بشرح الإيمان بالرسل بأنهم بشر عبيد لله أدوا الأمانة، مع ذكر أول الأنبياء وآخرهم وأولو العزم الخمسة.
تناول المقطع الإيمان باليوم الآخر وما يتضمنه من أمور غيبية أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ركز على الإيمان بالقدر وأهميته مستدلاً بإعادة فعل (تؤمن) في الحديث، وشرح مراتب القدر الأربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، مع الأدلة الشرعية لكل مرتبة.
فصل المقطع في المرتبة الرابعة من مراتب القدر وهي الخلق، مبيناً أن الله خالق كل شيء ومدبره بما في ذلك أفعال العباد، مستدلاً بآيات قرآنية تؤكد أن الله خالقكم وما تعملون، وأن الإيمان بهذه المراتب الأربع شرط لصحة إيمان العبد.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الشيخ ابن العثيمين عليه رحمة الله في كلامه على ما جاء في حديث ابن عمر عن أبيه في قوله: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». تكلم ابن العثيمين عليه رحمة الله على أركان هذا الإيمان بكلام موجز؛ لأن الحديث وإن كان الشاهد منه آخره أو آخره وهو أن تؤمن بالقدر خيره وشره، لكن من باب الفائدة لخص الشيخ ابن العثيمين رحمه الله هذه الأركان الستة. فقال: أولاً: الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، والأركان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهذا هو التعريف عند أهل السنة والجماعة خلافاً للمرجئة والقدرية. والإيمان قال له ستة أركان: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. ثم ذكر أن الإيمان بالله يستلزم أربعة أمور، ومعنى يستلزم يعني لا يتم إلا بالإيمان بها جميعاً: الأول: الإيمان بوجوده سبحانه وتعالى، وهذا فيه رد على الدهرية الذين لا يؤمنون برب موجود، ومنهم في زماننا هذا الشيوعيون الذين يقولون: لا إله والحياة مادة. وذكر الشيخ العثيمين أن الإيمان بوجود الله دل عليه العقل والحس والفطرة والشرع. أما العقل: قال فلا يتصور وجود مخلوق بلا خالق، فالمخلوق لا بد له من خالق، إذن يوجد خالق لهذا المخلوق، وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، فكيف يوجد المخلوق من غير خالق؟ إذن لا بد له من خالق، هذا دل عليه العقل. وكذلك الحس: كيف الحس؟ قال: تكون في كرب وشدة ثم تدعو، فتجدها تنفرج بدعاء الله، كما دعا صلى الله عليه وسلم في أحد، فأنت تشعر وتحس بأن هناك إلهاً ورباً يستجيب لك ويرفع عنك الكرب والضر، وهذا شيء محسوس وملموس ولا شك فيه. والفطرة كذلك: قال صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة»، فأنت بفطرتك إذا لم تتلوث يتعلق قلبك بالخالق سبحانه وتعالى. وأما الشرع: فقد ذكر ابن القيم رحمه الله أنه ما من آية في كتاب الله إلا وفيها دليل على التوحيد، إلا فيها دليل على التوحيد، فالقرآن كله توحيد، كله توحيد، حتى الأحكام الشرعية فإنها تدل على توحيد الله عز وجل؛ لأن الأمر بالطاعة لا يكون إلا لمطيع وهو الله سبحانه وتعالى. قال: والإيمان بتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، هذا من الإيمان بالله: الإيمان بوجوده، توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، توحيد الأسماء والصفات. قد درستم معنى الربوبية وتوحيد الله في أفعاله، وتوحيد الألوهية وتوحيد الله في ماذا؟ في عبادته، في عبادته سبحانه وتعالى. وتوحيد الأسماء والصفات هو إقرار، أو هو إثبات ما أثبته الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم لله من الأسماء الحسنى والصفات العلا. وأما الإيمان بالملائكة: قال الملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله من نور، يطيعون الله ولا يعصونه، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. قال: لهم أرواح، أي هؤلاء الملائكة لهم أرواح، وهم مخلوقون من نور، نؤمن بذلك كما جاء في القرآن والسنة. قال: روح القدس، وأجساد. قال: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾، يعني لهم أرواح ولهم أجساد في قوله: «أولي أجنحة»، والأجنحة مجسدة مجسمة. نعم. قال: وعقول وقلوب، الدليل على أن لهم عقول وقلوب: قال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، أي عن قلوب الملائكة، عن قلوب الملائكة، قالوا: ماذا قال ربكم؟ نؤمن بهم وبما أعلمنا الله من أسمائهم كجبريل وميكائيل وإسرافيل، فهؤلاء الذين جاء التنصيص على أسمائهم، بعضهم في القرآن وبعضهم في السنة. قال: وصفاتهم، أي نؤمن كذلك بصفاتهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، وكذلك منهم من كذلك له صفة وكذلك هيئة مثل جبريل، نعم، ونحو ذلك. قال: وأعمالهم، مثل حملة العرش، فهناك ملائكة تحمل العرش، وهناك ملائكة سيارة تلتمس حلق الذكر، وهناك ملائكة تشهد الصلوات، وهناك ملائكة تستغفر للمؤمنين، وهكذا لهم أعمال يأمرهم الله عز وجل بها، فهذا من الإيمان بالملائكة. قال: وكتبه، أي الإيمان بالكتب. قال: يجب أن نؤمن بأنها كلام الله حقيقة لا مجازاً، بمعنى ليست هذه الكتب ما عبر الله به كما يزعم بعض المحرفة، وإنما هو كلام حقيقة تكلم به الرب سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله. وأنها منزلة غير مخلوقة، أنها كلام الله وليست مخلوقة كما تزعم المعتزلة. وأن الله أنزل مع كل رسول كتاباً، نؤمن بها وبما أخبرنا الله من أسمائها وأخبارها وأحكامها إجمالاً وتفصيلاً. أسماؤها: يعني القرآن، التوراة، الإنجيل، صحف إبراهيم وموسى. وأخبارها: أي ما جاء فيها من أخبار، ومنها القرآن، وما جاء فيها من أحكام من حلال أو حرام أو عبادات من صلاة أو زكاة أو نحو ذلك. قال: ما لم تنسخ، يعني ما لم تنسخ بالنسبة للتوراة والإنجيل والكتب المتقدمة على القرآن، هذه كلها منسوخة بالقرآن، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، وما نسخ في القرآن باب معروف في باب من علوم القرآن وهو الناسخ والمنسوخ، فالمنسوخ لا شك أنه يعني لا يعمل به، لا يعمل به. قال: ونؤمن أن القرآن ناسخ لجميع ما قبله من الكتب، وهي التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى عليه السلام، فلا يتحقق إيمان العبد إلا إذا آمن بالقرآن، فلو قال: أنا أؤمن بالتوراة والإنجيل، فيقال: التوراة والإنجيل قد نسخها القرآن، فلا إيمان إلا بالإيمان بالقرآن. قوله: ورسله، ما معنى الإيمان بالرسل؟ قال: يجب أن نؤمن بأنهم بشر، ليس لهم من خصائص الربوبية شيء: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، وأنهم عبيد لا يعبدون، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وأنه لما قام عبد الله فهم عبيد لله، فالعبد لا يعبد، العبد لا يعبد. وأن الله أرسلهم وأوحى إليهم وأيدهم بالآيات، وأنهم أدوا الأمانة ونصحوا الأمة وبلغوا وجاهدوا في الله حق جهاده. نؤمن بهم وبما أعلمنا الله من أسمائهم وصفاتهم وأخبارهم، وقد أخبرنا الله عز وجل بأسماء خمسة وعشرين نبياً ورسولاً في القرآن، وهكذا قص علينا قصصهم وما لاقوا من أقوامهم ونحو ذلك. وأن أول الأنبياء آدم عليه السلام، وأول الرسل نوح عليه السلام، وخاتم الأنبياء والرسل محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الشرائع السابقة كلها منسوخة بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم. وأولو العزم خمسة ذكروا في سورتي الشورى والأحزاب: محمد، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى. فاجتهد العلماء، ولِكَون هؤلاء الخمسة ذكروا وجمعوا في هاتين الآيتين، ذهب من ذهب من أهل العلم أن هؤلاء الخمسة هم أولو العزم من الرسل الذين ذكروا وصفهم إجمالاً في القرآن: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال: والإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، مثل فتنة القبر، والنفخ في الصور، وقيام الناس من قبورهم، والموازين، والصحف، والصراط، والحوض، والشفاعة، والجنة والنار، ورؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة في الجنة، وغيرها من الأمور الغيبية. فكل ما جاء في القرآن أو جاء في السنة من أخبار ذلك اليوم فالإيمان به التصديق بتلك الأخبار. قال: وتؤمن بالقدر. أعاد الفعل «تؤمن» لأن الإيمان بالقدر مهم، يعني في الحديث قال: «وما هو الإيمان؟» أو «أخبرني عن الإيمان»، قال: «أن تؤمن»، ذكر الفعل في أول الكلام، في أول الكلام: «أن تؤمن بالله وملائكته»، «أن تؤمن بالله واليوم الآخر»، «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر»، لم يكرر الفعل في هذه الأربع بعد الإيمان بالله، ما قال: «أن تؤمن بالله وأن تؤمن بالملائكة وأن تؤمن بالرسل وأن تؤمن»، ما كرر الفعل، وإنما كرر الفعل عند ذكر الإيمان بالقدر. بالقدر، ما هي اللفتة وما هي الفائدة من هذه الإعادة؟ لا شك أن المراد لذلك الاهتمام، فالإيمان بالقدر من أركان الإيمان المهمة، ولو تأخر ذكره لكن له أهمية عظمى في الدين. قال: وله مراتب أربع جمعت في هذا البيت: علم، كتابة، مولانا، مشيئته، وخلقه، وهو إيجاد وتكوين. وقوله: «علم» أي مرتبة العلم، وقوله: «كتابه» أي مرتبة الكتابة، وقوله: «مشيئته» أي مرتبة المشيئة، وقوله: «وخلقه» أي مرتبة الخلق. قال: هذه المراتب هي العلم، وهو الإيمان بأنه سبحانه وتعالى علم كل شيء جملة وتفصيلاً، أي أن الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها وعند وقوعها وبعد وقوعها، فيعلم سبحانه وتعالى ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. فهذه مرتبة العلم، ما من عمل يعمله الخلق إلا وقد علمه الله قبل وقوعه وعند وقوعه وبعد وقوعه، فيعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. ودليل هذه المرتبة قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، والآيات في هذا كثيرة. وأما مرتبة الكتابة: قال هو الإيمان بأن الله قد كتب مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة، علم مع كتابة هذه الأعمال التي قدرها الله عز وجل وعلمها. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وفي الآية الأخرى قال سبحانه وتعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، من قبل أن نبرأها. فالإيمان بالكتابة أي أن الله كتب كل ما سيقع في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض، كل ما سيقع من قدر الله عز وجل فقد كتب في اللوح المحفوظ، هذا أيضاً من مراتب القدر. من مراتب القدر أيضاً المشيئة، والمشيئة هي الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يقع شيء في كون الله عز وجل إلا بمشيئته سبحانه وتعالى، والعبد له مشيئة لكنها داخلة وتابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فأنت إذا أردت شيئاً فإذا شاءه الله نلته، وإذا لم يشأه الله لم تنله. أنت تريد زواجاً، سعيت وخطبت، وكذلك اجتهدت وحَرَصْتَ، ولكن الله عز وجل لم يشأ لك ذلك، فلا يقع ذلك في كون الله، لا يقع إذا لم يشأه الله سبحانه وتعالى. قال: المرتبة الرابعة الخلق، فما من شيء إلا الله خالقه ومدبره وذو سلطانه، حتى فعل المخلوق مخلوق، ما يفعله المخلوق فهو مخلوق لله عز وجل. ودليل ذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وكل من ألفاظ العموم، فكل مخلوق فخلقه الله سبحانه وتعالى ودبره سبحانه وتعالى. هذه مراتب القدر الأربعة التي لا يتم إيمان العبد إلا بالإيمان بها. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.