الدرس في أخطاء المصلين 20، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع معنى التراص في الصفوف بأنه سد الفرج بين المصلين دون تقدم أو تأخر. وينبه على أخطاء شائعة كترك فرجات واسعة وإفراط المصلين في التفريج بين أرجلهم وتقاعس الإمام عن تسوية الصفوف قبل التكبير.
يجب على الإمام تفقد صفوف المصلين وتسويتها قبل التكبير بأمرهم بإقامة الصفوف ومحاذاة المناكب وسد الخلل. ويراعي عدم انقطاع الصف بمن يصلي النافلة بعد إقامة الصلاة مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم.
يؤكد المقطع وجوب تقيد الإمام بالأذكار الواردة في السنة عند تسوية الصفوف وينهى عن الابتداع بأذكار لم تثبت. ويستعرض الأذكار الشرعية الثابتة محذراً من أن ترك السنة يفتح الباب للبدعة.
يبين المقطع أن حديث "إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج" ضعيف غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويوجه إلى الاكتفاء بالأوامر النبوية الصحيحة كقوله: "استووا" و"تراصوا" و"حاذوا بين المناكب والأعقاب".
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: تكلمنا في الدرس الماضي عن التراص في الصفوف ووجوب سد الفرج ووصل الصفوف، وذكرنا في ذلك الأحاديث الدالة على وجوب ذلك، وكما قد وعدنا أن الموضوع له تتمة فيما يتعلق بوصل الصفوف. فمما ينبه عليه في هذا المقام: ما معنى التراص في الصفوف؟ التراص بمعنى إقامة الصف بحيث لا يكون فيه فرج ولا مسافة بين المصل والآخر، ولا أن يتقدم أحد ويتأخر الآخر في نفس الصف. فمن هنا تعلم خطأ بعض المصلين الذين يبتعد بعضهم عن بعض في الصف ويتركون الفرج ربما الواسعة. فأنت إذا كنت عن يمين الإمام فالمطلوب حتى تحقق التراص في الصف أن تقترب ممن هو عن يمينك، تكون ملاصقا بمن هو عن يمينك، وإن كنت عن يسار الإمام فالمطلوب أن تقترب ممن هو عن يسارك، فلو كل مصل التزم بهذا لما وجدت فرجات في الصفوف. طيب، أحيانا لجهل بعض المصلين: أنت تقترب ممن هو بجانبك، لكن الذي هو بجانبك من الطرف الآخر لا يقرب، يبقى في مكانه، فتبقى فرجة في الصف. فمن الخطأ من بعض المصلين أنه يبالغ في التفريج بين رجليه حتى يسد الفرجة التي بينه وبين من عن يمينه ومن عن شماله، وهذا خطأ. فأنت عليك أن تسد الفرجة، إن كنت في جهة يمين الإمام أن تسد الفرجة التي عن يمينك، وإن كنت عن يسار الإمام أن تسد الفرجة التي عن يسارك. وأما الذي بجانبك في الطرف الآخر فواجب عليه أن يقترب منك، لكن إذا ما اقترب فلا حرج عليك أنت، ولا يلزمك أن تفرج بين رجليك تفريجا فيه من المبالغة وفيه من التكلف. وكذلك مما ينبه عليه في هذا المقام: أن من أخطاء المصلين في إقامة الصفوف عدم أمر الإمام المصلين بتسوية الصف، يأتي الإمام مباشرة: الله أكبر، ما يدري ما حال المأمومين خلفه. فالسنة كما سمعت في أحاديث كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن الإمام قبل أن يكبر ينظر إلى من خلفه من المصلين ومن صفوفهم، فإن وجد خللا في الصفوف أو وجد اعوجاجا في الصفوف فإنه يأمر المصلين بتسويتها. ولذلك مر معنا أن صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس بوجهه فقال: «أقيموا الصفوف»، قال ذلك ثلاثا: «أقيموا الصفوف». فأنت تقول لهم: أقيموا الصفوف، إذا استمر على ذلك ورأيت مثلا عدم حاذي أحد متقدم أحد متأخر فتقول: حاذوا بين المناكب، إذا وجدت فرجا بينهم تقول: سدوا الخلل، لا تذروا فرجات للشيطان. كل ذلك وردت به السنة كما مر معنا في الدرس الماضي. فأنت تعتني بهذا كإمام، لا تكبر حتى تنظر، مثلا قد ترى أن هناك فراغا في يمين الصف أو في شماله، وقد ارتص بعض المصلين في الصف الثاني، فهنا وجب عليك التنبيه: «من وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله»، «أتموا الصف الأول فالأول»، هكذا كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى عدم اكتمال الصف الأول. فهذا من مهمة الإمام، وهو يأتي مباشرة ربما يقول وهو لا ينظر: «استووا»، وما يدري هل استوى الناس أو لم يستووا. وكذلك أحيانا لربما بعض الناس لجهله تقام الصلاة وهو لا يزال يركع السنة، فالإمام يراعي مثل هذا حتى لا ينقطع الصف، فلربما إذا كبر ولا يزال هذا يصلي، الصف يكون مقطوعا لأن هذا لم يستو في الصلاة الفريضة، ما زال في النافلة، في النافلة يراعي ذلك، إما أن يقول مثلا: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا رأيت إنسانا مستمرا في الصلاة النافلة تذكره بهذا، هذا من مهمة الإمام. ليس الإمام مهمته أن يقول الله أكبر ويقرأ ويركع ويسجد، نعم هذا من أعظم المهام، لكن من مهام الإمام أيضا أن يعتني بتسوية الصفوف وإرشاد المصلين وتسوية الصف قبل أن يكبر. وقد سمعتم فيما مر معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبالغ في تسوية الصفوف حتى أن الصحابي النعمان بن بشير قال: «كان يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح». وعرفنا ما معنى القداح: وهي خشب السهام حين تنحت وتبرى فتكون مستوية ولا يختلف واحد عن آخر، وهكذا في تسوية عليه الصلاة والسلام للصفوف. وليس الإمام أن يخرج إلى الصف وينظر: هل أحد متقدم؟ هل أحد متأخر؟ ويأمر بتسوية الصف، بتسوية الصف، هذه هي السنة. ومما ينبه عليه أيضا عند تسوية الصفوف: أن بعض الأئمة يأتي بأذكار وأدعية وألفاظ لم ترد بها السنة، وهذه عبادة ينبغي للإمام أن يتبع فيها ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيتحري الإمام الأذكار المشروعة في أمر المصلين بتسوية الصف، ولا يزيد أذكارا لم يقلها النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينقلها الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فليس مثلا من السنة أن يقول الإمام عندما يستوي: «اللهم أحسن وقوفنا بين يديك»، هذا لم ترد به السنة. «اللهم أحسن وقوفنا بين يديك ولا تخزنا يوم العرض عليك»، بعضهم يقول هكذا. وبعضهم يقول: إذا قال المقيم للصلاة: «قد قامت الصلاة»، قال: «أقامها الله وأدامها»، هذا أيضا لم ترد به السنة، ولو كانت سنة ولو كانت عبادة لنقلت إلينا. كذلك قول بعض الأئمة عند أن يأمر المصلين بالتسوية في الصف: يقول «تراصوا يرحمني ويرحمكم الله»، هذه زيادة: «يرحمني ويرحمكم الله» لم ترد بها السنة. وبعضهم أيضا يأتي بأذكار أخرى كقول بعضهم: «اللهم آتنا أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين»، يخص هذا الذكر عند استوائه للصلاة، هذا أيضا لم ترد به السنة. فهذه الأذكار توقيفية لأنها تتعلق بأمر الصلاة، فالإمام يتقيد بالأذكار الشرعية الواردة في السنة كما مر معنا في أحاديث كثيرة. ولذلك صدق بعض الأئمة حين قال: «إذا أتي بالبدعة حلت، إذا تركت السنة حلت محلها البدعة». يعني تركوا ما كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم عند تسوية الصف، كقوله عليه الصلاة والسلام: «أقيموا الصفوف»، أو «أقيموا صفوفكم»، أو كذلك: «تراصوا»، «سدوا الخلل»، «حاذوا بين المناكب والأعقاب»، «لا تذروا فرجات للشيطان»، «من وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله». كل هذا جاءت به السنة: «لتسووا صفوفكم»، أو «لا يخالف الله بين وجوهكم». كل هذا جاءت به السنة، فالإمام يتقيد بالوارد ولا يأتي، ففي الوارد غنية عن غيره. وكذلك بعض الأئمة إذا رأى اعوجاجا في الصف يقول: «إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج»، هذا حديث لكنه لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فقد ضعفه الأئمة: «إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج»، فلا يقال مثل ذلك. فتكتفي أن تقول مثلا: «استووا»، «تراصوا»، «حاذوا بين المناكب والأعقاب»، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. نكتفي بهذا وإلى هنا، والله تعالى، شكرا للمشاهدة.