الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 182، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ حديث عمران بن حسين عن خير القرون ثم من يلونهم، مبيناً أن قوله «يشهدون ولا يستشهدون» يدل على كثرة الحلف والاستخفاف باليمين. وتدل الرواية الأخرى «تسبق شهادة أحدهم يمينه» على عدم ثقة الناس بهم لكثرة حلفهم الكاذب، وهو ذم لمن يستهين بالشهادة بعد القرون المفضلة.
استعرض المقطع أقوال أهل العلم في تحديد القرن، فمنهم من قدره بمئة سنة ومنهم من اعتبره بوجود غالب أهل الجيل ك الصحابة والتابعين. وبين فضيلة هذه القرون الثلاثة الواردة في حديث «خير الناس قرني»، وأن التمسك بهديهم هو الحق وما خالفهم فهو بدعة.
يبيّن المقطع فوائد من حديث علامات الساعة، منها ذم خيانة الأمانة ونقض النذر، وتفسير ظهور السمن بالرغبة في الدنيا وأكل الحرام لا بمجرد البدانة. ويؤكد وجوب التمسك بمنهج السلف الصالح في العقيدة والعمل مع عنايتهم بتربية الأبناء على صدق الشهادة والوفاء بالعهد.
يشدد المتحدث على ضرورة تدريب المسلم على أداء الواجبات واجتناب المحظورات اقتداءً بالسلف الصالح. ويختتم الدرس مؤجلاً بقية المسائل إلى لقاء قادم.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه كتاب التوحيد، وفي باب ما جاء في كثرة الحلف: قال، وفي الصحيح عن عمران بن حسين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً؟ ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن. رواه هذا الحديث البخاري ومسلم. فقوله: في الصحيح، أي في الصحيحين: البخاري ومسلم. قال: وفيه الضمير هنا يعود لمسلم. وفيه عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته». والشاهد من هذا الحديث في قوله: «ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون»، فالمراد لذلك الشهادة، والشهادة حلف، الشهادة حلف. ودليل ذلك قول الله عز وجل في سورة المنافقين: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، ما هي الآية التي بعدها؟ ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾. ففسر الشهادة بالأيمان، فالمنافقون يكثرون من الحلف. وإذا قرأت سورة التوبة تجد آيات كثيرة فيها: ويحلفون بالله، ويحلفون، ويحلفون، بمعنى يكثرون الحلف، بل والحلف الكاذب. فإذا هذا هو موضع الشاهد. فقوله هنا: يشهدون ولا يستشهدون في هذه الرواية، أي أنهم يكثرون الحلف. وسيأتي معنا أن المراد بقوله: يشهدون ولا يستشهدون، تحمل على معنيين اثنين: المعنى الأول: يتسرعون في الشهادة، يتسرعون في الشهادة، وتسرعهم في الشهادة يدل على كثرة شهادتهم وكثرة حلفهم، وكثرة حلفهم وهو موضع الشاهد، وهو موضع الشاهد. يعني: ما يطلب منهم الشهادة ولا الحلف، فهم يسبقون ذلك الطلب فيحلفون ويشهدون، ولم يطلب منهم ذلك، ولربما ما طلب منهم ذلك، فهذا دليل على استهانتهم واستخفافهم بهذا الأمر، وهو الحلف، وهو الحلف. والمعنى الآخر في قوله: يشهدون ولا يستشهدون، أي يشهدون شهادة الزور، يشهدون شهادة الزور، يعني يشهدون بالكذب، يشهدون بالكذب. وأما الرواية الثانية: «ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته»، هذا موطن الشاهد فيه، أن الاستخفاف بأمر الشهادة يقع بعد القرون المفضلة، وهذا ذم لهم، وهذا ذم لهم. فقوله: «تسبق شهادة أحدهم يمينه»، أي لقلة الثقة بهم، من الذي يكثر الحلف؟ الذي لا يصدق، صح، الذي لا يصدق هو الذي يكثر الحلف حتى يصدقه الناس، فهذا دليل على أن الناس قد نزعوا الثقة، قد نزعوا الثقة من هذا الحالف، فهو دائماً يحلف حتى يصدقه الناس، حتى يصدقه الناس. هذا معنى من معاني قوله: «قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادة». وقول آخر: أنه كناية عن كون هؤلاء لا يبالون بالشهادة ولا باليمين، لا يبالون، اليمين على طرف ألسنتهم، والشهادة والشهادة كذلك، لا يترددون فيها، لا يترددون فيها، وهذا أمر مذموم، كما سيأتي معنى في أثر إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى. فإذا هذا هو موطن الشاهد من هذا الحديث، والحديث فيه فوائد أخرى كثيرة. فقوله في أول هذا الحديث: «خير أمة قرن». القرن اختلف أهل العلم في تحديده، فذهب جماعة من أهل العلم، وكان شيخنا يقول ذلك، أن القرن هو مئة سنة، إذا جاءت مئة سنة وانتهت هذا قرن، ثم جاءت مئة أخرى هذا قرن. واستدل بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأحد الصحابة: «عش قرناً»، فعاش مئة سنة. والقول الآخر في تحديد القرن: قيل بوجود غالب أهله، مثلاً قرن الصحابة، فوجود أغلب الصحابة في هذا القرن هذا يسمى قرن، أما إذا تناقص فأصبح أهله قليلين فهذا لا يسمى قرنهم، يسمى قرن آخر وهو من هم أكثر، كالتابعين مثلاً، كالتابعين، وهذا قول شيخ الإسلام. ومنهم من يرى أن القرن بوجود واحد منهم، فقرن الصحابة ينتهي بموت آخرهم، وقيل أن آخر من مات من الصحابة في سنة عشرين ومئة للهجرة، فعلى هذا يكون القرن الأول انتهى بعد المئة والعشرين. وقيل أن التابعين آخر من مات في سنة ثمانين ومئة، فهذا قرن، القرن الثاني، والقرن الثالث قرن تابع التابعين، وهو آخر من مات منهم في سنة عشرين ومئتين، هذا قول الشيخ ابن العثيمين عليه رحمة الله، عليه رحمة الله. وأكثر أهل العلم أن القرن يحدد بوجود الصحابة في القرن الأول، أو وجود التابعين في القرن الثاني، أو وجود تابع التابعين في القرن الثالث، ولو واحداً، لأنهم حددوا القرن بما يكون من تناسب في صفة أو في وصف أو نحو ذلك، وهذا ينطبق على هذه القرون الثلاثة: قرن الصحابة، وقرن التابعين، وقرن تابع التابعين. فقول هنا: «خير أمة»، وفي الرواية الأخرى: «خير الناس قرني»، أي قرن الصحابة، ثم الذين يلونهم، أي قرن التابعين، ثم الذين يلونهم، أي قرن تابع التابعين. وهذا الحديث فيه فضل التمسك بما كان عليه هؤلاء القرون الثلاثة، فما كانوا عليه فهو الحق، وأما ما جاء بعدهم ممن لم يكونوا عليه فهذا من البدع والمحدثات. ولذلك يعني تقرأ كثيراً لأهل العلم في مسألة إذا أرادوا إنكارها قالوا: وهذا الأمر لم يكن في قرن الصحابة، ولا قرن التابعين، ولا قرن تابع التابعين، يردون ذلك لأنه لم يوجد في هذه القرون الثلاثة المفضلة. وربنا سبحانه وتعالى قد أمرنا في كتابه الكريم بأن نأخذ ونسلك طريق هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ومن هم المؤمنون؟ ومن هم المؤمنون الذين أنزلت عليهم هذه الآية والمعنيون بها هم من؟ هم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، وهذا أيضاً الخطاب لصحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا فيه فضل تلك القرون، وأن القرون التي بعدهم لا شك أنه حدث فيها التغيير والتبديل وظهور البدع والمحدثات. ولذلك جاء في الصحيح: لما جاء التابعون يشتكون إلى أنس بن مالك ظلم الحجاج، فقال لهم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، إلا والذي بعده شر منه». نعم، قال: سمعته من نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، فأمرهم بالصبر: «فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». هكذا جاء في هذا الحديث. وأيضاً من فوائد هذا الحديث ما أراده المؤلف من ذكر هذا الحديث، وهو عدم التسرع في الحلف والإكثار منه، والإكثار منه، فهذا أمر مذموم، أمر مذموم، ولم يكن عليه أسلافنا الصالحون، ولم يكن عليه أسلافنا الصالحون. وأيضاً من فوائد هذا الحديث التأكيد على أمر الأمانة، وأن الأمانة من أخلاق هذا الدين العظيم، فيظهر بعد تلك القرون من يخون ولا يؤتمن، ويخونون ولا يؤتمنون. وأيضاً فيه فضل بل وجوب الوفاء بالنذر لمن عقده، فقال: «وينذرون ولا يوفون»، ينظرون أن يتقربوا إلى الله بقربة من صيام أو صلاة أو نحو ذلك، ولكنهم لا يفعلون ذلك ولا يوفون بنذرهم. وقد أذم الله عز وجل من لم يوفي بنذره، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾، في معرض الثناء على أهل الجنة، أهل الإيمان، أهل الإيمان. وقوله: «ويظهر فيهم السمن»، يظهر فيهم السمن، هذا ليس في من ظهر عليه السمن من غير اختياره، فمن ظهر عليه السمن من غير اختياره فلا يذم على ذلك، ولكن المراد بقوله: «ويظهر فيهم السمن» لرغبتهم في الدنيا، لرغبتهم في الدنيا والتنعم بها، وغفلتهم عن الآخرة، غفلتهم عن الآخرة، أو لأكلهم الحرام، يظهر فيهم السمن لرغبتهم في الدنيا، فلا يبالون من أين يكسبون المال ولو من الحرام، فأهم شيء عندهم أن يتنعموا من مأكولات ومشروبات هذه الدنيا، فبسبب تلك الرغبة وتلك الغفلة عن طاعة الله عز وجل يظهر فيهم هذا السمن، السمن يعني الضخامة في الجسد، الضخامة في الجسد. هكذا فسر العلماء معنى هذا الحديث، معنى هذا الحديث. وأيضاً من فوائد هذا الحديث التمسك بما كان عليه سلف الأمة، التمسك بما كان عليه سلف الأمة، فإن ما كان عليه هو الحق، وهو الدين الذي ارتضاه الله عز وجل لأهل الإسلام، وهذا ما يدندن عليه أهل السنة السلفيون: كتاب وسنة على فهم سلف الأمة، على فهم سلف الأمة. وهذه قاصمة الظهر للمبتدعة، إذا جاءك مبتدع وجادلك في مسألة، قل له: هل ما تعتقده أو ما تقول به كان عليه أبو بكر وعمر؟ كان عليه عثمان وعلي؟ كان عليه أزواج النبي؟ كان عليه أهل الشجرة وبيعة الرضوان؟ هل عليه أهل بدر وأهل أحد؟ فلا يستطيع أن يجيبك بجواب، لأنه يعلم أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يعتقدوا ذلك ولم يفعلوا ذلك، فالدين ما كانوا عليه، ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾. وقال: وقال إبراهيم، أي النخعي: «كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار». وهذا الأثر رواه البخاري ومسلم معلقاً، يعني ليس متصلاً. وفي هذا الأثر تعظيم السلف لأمر الشهادة واليمين. الآن الواحد منا يضرب أولاده إذا كذب، أو إذا فعل أمر فاحش يخالف أخلاق أهل الإسلام، لكن كان سلفنا الصالح يضربون أبنائهم على الشهادة، معنى على الشهادة: يعني التسرع فيها والقدوم عليها، كان السلف يعني يؤدبون أولادهم إن رأوا منهم تسرعا أو تساهلا في هذا الباب، أو كذلك العهد، والمراد بالعهد ما يكون بين الناس من المواثيق والعهود والالتزامات ونحو ذلك، فكانوا أيضاً يؤدبون أولادهم، لأن هذه الأشياء تؤدي إلى الحلف، الشهادة والعهد يؤدي إلى الحلف، ربما يحلف الشخص ولو كان كاذباً حتى لا يقال: قد نكث شهادته، أو قد خالف عهده ووعده، ووعده، فيضطر أنه يحلف، فكانوا يؤدبون ويضربون أولادهم على هذا الأمر. وفيه تعظيم السلف لأمر الشهادة واليمين، وفيه كذلك حرص السلف على تربية أولادهم، على تربية أولادهم، اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولا يقال: هؤلاء صغار، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الحسن وقد أخذ تمرة، فقال: «كخ، كخ»، ثم أخرجها من فيه، وقال: «ألا تعلم أنه لا تحل لنا الصدقة؟» ما قال: هو صغير، وهذه تمرة شيء يسير يتركه لا حرج عليه، كما يدندن بذلك بعض الجهال، فالصبي لا بد أن يدرب على فعل المأمور وترك المحظور، وترك المحظور، وهذا كان عليه السلف الصالح رحمهم الله تعالى رحمة واسعة. نكتفي بهذا ونترك المسائل إن شاء الله في درس قادم، إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر