الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 183، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُبيّن المقطع أن كثرة الحلف تنافي تعظيم الله، لذا نُهي عن الحلف إلا لحاجةٍ ضرورية. ويُستدل بقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، ويُفسّر حفظ اليمين بمراتب أولها عدم الابتداء بالحلف وكثرته في أتفه الأمور.
يبيّن المقطع ثلاث مراتب لحفظ اليمين: ابتداءً بتقليل الحلف، ووسطًا بتجنب الحنث، وانتهاءً بإخراج الكفارة عند الحنث إذا رأى الحالف خيرًا في المخالفة. كما يؤكد تحريم الحلف بغير الله لكونه شركًا، ويستدل بحديث النبي ﷺ: «الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب».
يشرح المقطع أن المراد بالحلف في الحديث هو اليمين الكاذبة التي يحلفها البائع مدحاً لسلعته أو وصفاً لثمنها أو خلوها من العيب وهو كاذب. وأن هذا النوع من الحلف ينفق السلعة لكنه يمحق بركة الكسب، مستدلاً بحديث حكيم بن حزام.
يشرح المقطع معنى محقة البركة بأنها عدم البركة في المال فيذهب سريعاً وينقص. ويشير إلى أن الحديث التالي طويل لذا يكتفى بما ذُكر في هذا السياق.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد: "باب ما جاء في كثرة الحلف"، أي: من النهي عنه والوعيد، كما سيأتي في الأدلة التي سيوردها المؤلف. ومناسبة هذا الباب للذي قبله لكتاب التوحيد الذي قبله في التصوير، وفيه جانب من عدم تعظيم الله؛ من ضاه بخلق الله، كما مر معنا. وهذا الباب في النهي عن كثرة الحلف؛ لأن من يكثر الحلف فقد نقص عنده تعظيم الله، لأنه جعل الله عز وجل عرضة لأيمانه، فهذا دليل على عدم تعظيمه لله عز وجل، أو لنقص تعظيمه لله سبحانه وتعالى. فخلاصة هذا الباب: أنه نُهي عن الحلف إلا لحاجة، لا يحلف الشخص في أتفه الأشياء، وإنما يلجأ إلى الحلف لحاجة؛ لأن الحلف بالله تعظيم لله عز وجل في هذا الأمر، وهذا الأمر لا يحلف إلا إذا كان عظيمًا، واحتاج الشخص إلى الحلف به أو إلى الحلف عليه. وأما الأشياء التي لا يحتاج إلى الحلف فيها، فلا يحلف بالله سبحانه وتعالى. ثم ذكر الأدلة على ذلك، قال: وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89]، أي: حلفكم. أمر الله عز وجل بحفظ الحلف والأيمان. وقد ذكر المفسرون، منهم الشيخ ابن عثيمين، معنى حفظ الأيمان، وذكر رحمه الله مراتب حفظ اليمين، فذكر أربع مراتب: المرتبة الأولى: حفظها ابتداءً، حفظ اليمين ابتداءً، ومعنى ابتداءً: أي بعدم كثرة الحلف، يعني لا يكثر الحلف ولا يبتدئ بذلك. هذا من حفظ اليمين. بعض الناس تجد اليمين على طرف لسانه، لو قيل له: من أين جئت؟ قال: والله جئت من كذا وكذا، لا يريد بذلك اللغو، وإنما يريد الحلف. لو قيل له: أنت ما كتبت الدرس؟ يقول: والله كتبت الدرس. ما في حاجة لمثل هذه الأشياء التي لو لم تحلف لما كذبت، أو لما ترتب على ذلك تهم في عرضك، أو في دينك، أو في نفسك، أو نحو ذلك. فلم الداعي للحلف؟ فمن مراتب حفظ اليمين: حفظها ابتداءً بعدم كثرة الحلف. كذلك من مراتب حفظ اليمين: حفظها وسطًا، يعني: بعد ما تحلف، أيضًا تحتاج منك هذا اليمين إلى حفظ. ما هو هذا الحفظ؟ قال: بعدم الحنث فيها. الحنث: يعني مخالفة هذه اليمين، كأن تقول مثلًا: والله لا أذهب مكان كذا، لا أذهب مكانًا معينًا، أو لا أدخل بيتًا معينًا، أو نحو ذلك. فمن حفظ هذا اليمين ألا تخالفه، فتذهب وتدخل إلى هذا المكان أو إلى ذاك البيت. فهذا من عدم حفظ اليمين. وأما المرتبة الثالثة: من مراتب حفظ اليمين حفظها انتهاءً، ومعنى حفظها انتهاءً: بإخراج الكفارة بعد الحنث. يعني: يجوز لك إذا رأيت ما يخالف اليمين خيرًا لك أن تأتي هذا الأمر. قلت: ما سأذهب مكان كذا، ثم بدّ لك أنك تذهب، ورأيت في ذلك خيرًا لك، فيجوز لك أن تذهب. لكن ماذا يلزمك؟ يلزمك كفارة اليمين، لا بد أن تخرج هذه الكفارة: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن لم تستطع فصم ثلاثة أيام. فهذا أيضًا من حفظ الأيمان، أو من حفظ اليمين: أنك إذا حنث فيها تخرج كفارتها. وكذلك من مراتب حفظ اليمين: بأن لا يحلف بغير الله، فلا تحلف بغير الله عز وجل، كالحلف بالأب، أو الأم، أو الملح، أو العيش، أو الرتبة العسكرية، أو الشرف، أو نحو ذلك. وكل ذلك من عدم حفظ اليمين، بل هو أعظم مما تقدم؛ لربما يكون محرمًا، لكن الحلف بغير الله يكون شركًا بالله سبحانه وتعالى. الحلف بغير الله، فكل ذلك مما يدخل فيه معنى الآية: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾: ابتداءً بعدم كثرة الحلف، ووسطًا بعدم الحنث فيها إن استطعتم ذلك، وإن وقعتم في مخالفها انتهاءً، وذلك بإخراج الكفارة، أو كذلك من حفظها بأن لا يحلف بغير الله عز وجل. ثم ذكر الأدلة على ذلك، قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب». أخرجه البخاري ومسلم. وقوله: «الحلف منفقة للسلعة»، أي: ترويج للسلعة. نعم، قد يكون سببًا في إنفاذ هذه السلعة وفي بيعها، فهو يروج السلعة ويعين على إخراجها وبيعها. لكن قال: «ممحقة للكسب»، أي: متلفة للكسب. فإذا... فإذا... أي: الفائدة أن هذه السلعة تخرج من بين يديك وتتقاضى عليها مالًا، ثم هذا المال يتلف عليك، ولا يبارك لك فيه، لا يبارك لك فيه. فمهما كسبت من الأموال الكثيرة بالظاهر، إلا أن هذه تذهب عليه؛ لأنك أدخلت هذا المال بوسيلة محرمة. وقد ذكر بعض أهل العلم أن المراد بالحلف في هذا الحديث هو الحلف الكاذب، يعني: الحلف الكاذب. مثلًا يقول: هذه السلعة جيدة، والله أن هذه السلعة جيدة أصلية، والأمر ليس كذلك. أو يقول: والله هذه اشتريتها برأس، يعني: رأس مالها كذا وكذا، وهو كاذب في ذلك. ويقول: والله هذه السلعة ليس فيها عيب، ليس فيها عيب، وهو يعلم أن فيها عيبًا. فهذا أيضًا من الحلف الكاذب. وذلك أي: أن المراد بالحلف هنا الحلف الكاذب. ما جاء في رواية أحمد رحمه الله تعالى أنه جاء في لفظ الحديث: «اليمين الكاذبة، اليمين الكاذبة منفقة للسلعة، ممحقة للكسب». فجاء بمعنى اليمين الكاذبة، فيحمل هذا اللفظ العام على ذلك اللفظ الخاص، فيكون المراد بالحلف هنا: الحلف الكاذب. ويكون المعنى: أن من حلف مادحًا لسلعته، زوى بجودتها أو قيمتها، وهو كاذب، وأنها وإن كانت تشترى، إلا أن الله سبحانه وتعالى بركة كسبه ينزع بركة كسبه. وإن كانت هذه السلعة تشترى وتنفق وتخرج من بين يديه، إلا أنها ماذا؟ إلا أنها ممحوقة البركة، ممحوقة البركة. هذا معنى قوله: «الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب». فالكسب كلما كان صاحبه تقيًا، وكذلك مبينًا وصادقًا، كان ذلك سببًا لبركة بيعه، كما جاء في حديث حكيم بن حزام: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما». «صدقا»: الصدق يشمل عدم الحلف الكاذب، ويشمل كذلك الصدق في وضوح وبيان هذه السلعة، وعدم الغش فيها، ونحو ذلك من معاني الصدق الذي هو مطابقة الواقع. فقال عليه الصلاة والسلام: «فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما». البركة: هي كثرة الخير وثبوته وزيادته. فكثرة المال والانتفاع بهذا المال وبقاؤه لا يكون إلا بتقوى الله، ومن ذلك الصدق والبيان في البيع والشراء. «فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما»: كذبا بالحلف الكاذبة، أو بالغش والخداع، أو نحو ذلك، «مُحقت بركة بيعهما». محقة البركة: أي لم يبارك له في هذا المال، فيذهب عليه سريعًا، وينقص عليه سريعًا. مال لا بركة فيه. فهذا يدل على هذا المعنى. والحديث الذي بعده حديث طويل، أو فيه مساء، ولقرب انتهاء الوقت نكتفي بهذا. وإلى هنا، والله تعالى أعلم.