الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 666، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استعرض المقطع أشكال الأذى التي تعرض لها النبي ﷺ وأصحابه من خنق وتعذيب، وموت الحاميَين أبي طالب وخديجة. وتطرق إلى مؤامرة قريش في دار الندوة بالتعاقد على قتله جماعياً بتحريض من الشيطان.
اجتمع ملأ قريش في حجر الكعبة وتعاقدوا على قتل النبي ﷺ، فألقى الله الرعب في قلوبهم عند دخوله المسجد. فرمى عليهم التراب قائلاً: شات الوجوه، فكانت حصاة من أصابته سبباً في قتله يوم بدر كافراً.
استعد النبي ﷺ للهجرة ومكّرت قريش لقتله، فاستخلف علياً على فراشه وخرج متوضئاً فرمى قبضة تراب فأعمى أبصارهم. أبرز المقطع أهمية الوضوء عند الشدائد وانتهى بنصر الله لنبيه وتمكين الدين.
اختتم المتحدث الحديث عن موضوع التوحيد مؤكداً أن ما ذُكر هو ما يسع المقام. فوّض العلم لله تعالى وشكر المشاهدين على متابعتهم للدرس.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والى. قال الإمام محمد رحمه الله تعالى: حدثنا إسحاق بن عيسى وهو الطباع، قال: حدثنا يحيى بن سليم وهو الطائف، وكلاهما ثقة، قال: عن عبد الله بن عثمان وهو بن خثيم، أيضا ثقة فقيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، أي حجر الكعبة، وأما تسميته بحجر إسماعيل فلا أصل له، قال: ليس هو حجر إسماعيل، وإنما حجر الكعبة، وهو الذي انتقص من بنائه لنقص نفقة قريش لما بنوا الكعبة، نقصوا في النفقة فقللوا في بناء الكعبة، فصار هذا الجزء هو من الكعبة، لكن أُخرج من البناء فصار عليه مثل الحاجز حتى يعرف أنه من الكعبة، فسمي حجرًا. قال: فتعاقدوا بالله والعزة ومنات الثالثة الأخرى، ونائلة وإساف، إن هذه كلها من آلهة المشركين، خاصة أهل مكة أو من حولها، فتعاقدوا بالله والعزة ومنات الثالثة الأخرى ونائلة وإساف: لو قد رأينا محمدًا لقد قمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتى نقتله. فأقبلت ابنته فاطمة تبكي لما سمعت هذا الكلام، حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبهم من دمك. فقال: يا بنية، أريني وضوءًا، فتوضأ عليه الصلاة والسلام، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، وخفضوا أبصارهم، وسقطت أدقانهم في صدورهم، ألقى الله عز وجل على قلوبهم الرعب، مع أنه ليس معه السلاح ولا غيره، لكن ألقى الله الرعب في قلوبهم، فخفضوا أبصارهم فلم يستطيعوا أن ينظروا إليه، وسقطت أدقانهم في صدورهم، وعقروا في مجالسهم، معنى كأنهم أصابهم العقر، معنى كقطع الأرجل، كأن أحدًا قطع رجلهم فلم يستطيعوا حتى القيام. قال: فلم يرفعوا إليه بصرة، ولم يقم إليه منهم رجل، معنى ما استطاع أن يقوم منهم واحد، بل جلسوا في أماكنهم. قال: فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من التراب، فقال: شات الوجوه، ثم حصبهم بها، فما أصاب رجلًا منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر كافرًا. قال: هذا حديث حسن، رجاله رجال الصحيح. هذا الحديث فيه حادثة من الحوادث الكثيرة التي حصلت في مكة في اجتماع كفار قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم لإيذائه، وقد اجتمعوا أكثر من مرة على هذا، على أن يقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام قبائل شتى، فيتفرق دمه، فلا يستطيع بنو هاشم أن يطالبوا بدمه. وهذا لما حصل في قلوبهم من حقد على الإسلام وعلى أهله وعلى نبيه عليه الصلاة والسلام، نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلهذا حصلت حوادث كثيرة من هذا القبيل، منها ما جاء في الصحيحين: لما وضعوا سلا الجزور على رقبته الشريفة عليه الصلاة والسلام، حتى جاءت فاطمة، كما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن مسعود، حتى جاءت فاطمة فألقت ما في عنقه عليه الصلاة والسلام، أو ما في رقبته، ثم سبتهم. فلما قام النبي عليه الصلاة والسلام قال: اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، ثم سمى: اللهم عليك بربيعة بن شيبة، وسماهم النبي عليه الصلاة والسلام: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل، وأيضًا أبي بن خلف أو أمية بن خلف، وكذلك أيضًا أشقاهم وهو عقبة بن أبي معيط، ولم يذكر الراوي عن عبد الله بن مسعود السادس، والظاهر أنه الوليد بن المغيرة كما جاء في بعض الروايات. فهؤلاء ستة دعا عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، فكانوا صرعى في قليب بدر، صرعى في قليب بدر. وأيضًا من هذه الحوادث ما حصل بالنبي عليه الصلاة والسلام من ذلك الشقي عقبة بن أبي معيط، لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام وهو في الكعبة جاء وأخذ بردائه وخنقه، وما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، حتى جاء أبو بكر رضي الله عنه فدفعه بقوة عن النبي عليه الصلاة والسلام حتى أسقطه، وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ وغيرها من الحوادث التي حاول كفار قريش الاعتداء على النبي عليه الصلاة والسلام بالضرب أو الهم بقتله صلى الله عليه وسلم. وكذلك أيضًا فعلوا ببعض أصحابه: عمر وأبي ذر، وعذبوا أيضًا جماعة من الصحابة كبلال وخباب وعمار ووالديه، وقتل أبو جهل سمية والدة عمار، وقتل أيضًا أباه، وكذلك الزنيرة وغيرهم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من كان يعذب، لكن الله عز وجل عوضهم ورفعهم ورفع ذكرهم في الدنيا والآخرة. في صحيح البخاري أن خباب بن الأرت جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن من كان قبلكم كان يؤتى بالرجل فتحفر له الحفرة ثم يشق نصفين بالمنشار، فلا يصده ذلك عن دينه، وإن الرجل لا يمشط بأمشاط الحديد دون لحمه وجسده وعظمه، ولا يرده ذلك عن دينه، ولكنكم قوم تستعجلون». ثم قال: «فوالله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه». فهذا الذي كان يحصل، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يطمئن أصحابه. ولما مات أبو طالب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وأكثر أهل السيرة ومنهم إمامهم ابن إسحاق على أنه مات في السنة العاشرة من البعث، مات أبو طالب في السنة العاشرة من البعث مع خديجة رضي الله تعالى عنها، فماتت أولا ثم بعد أيام مات أبو طالب. مات أبو طالب عم النبي عليه الصلاة والسلام، فاستطاعت قريش أن تؤذي النبي عليه الصلاة والسلام، وقد كان عمه يحميه ويحوطه، فلما مات تجرؤوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فآذوه، وهموا بقتله وتوعدوه عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يخف في الله لومة لائم، صلوات الله وسلامه عليه. فهذه الحادثة أيضًا تدلنا على هذا. فهؤلاء الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، وكأنهم اجتمعوا على اتفاق فيما بينهم، وأسروا النجوى الذين ظلموا ﴿أسروا النجوى الذين ظلموا﴾، أسروا النجوى لأجل قتل النبي عليه الصلاة والسلام وتشاوروا في ذلك، فتعاقدوا، معنى جعلوا العقد قسمًا، ليس فقط كلامًا، فتعاقدوا بالله والعزة ومنات الثالثة الأخرى ونائلة وإساف، على أنهم إذا رأوا النبي عليه الصلاة والسلام قاموا له قومة واحدة، قيام رجل واحد، فلا يفارقوه حتى يقتلوه. هذا التعاقد الذي حصل، وهذا قد هموا به كما قلنا أكثر من مرة. وفي آخرها قبل الهجرة، لما تعاقدوا، فذكر ابن إسحاق بإسناد لا بأس به عن عمرو بن قتادة الأنصاري عن بعض عمومته، وهذا من مراسيل الصحابة لكنه يعتبر صحيحًا، فذكر أن قريشًا اجتمعوا في أمر النبي عليه الصلاة والسلام، وأتوا بآراء في قتل النبي عليه الصلاة والسلام، وحضر في ذلك الاجتماع الشيطان على صورة رجل من نجد، جاء ليحضر هذا الاجتماع، فاجتمعوا، فأشار عليهم هذا الشيطان الرجيم أن يتفقوا على أن يخرجوا من كل قبيلة رجل أو شابًا، يخرجونه من كل قبيلة، ثم يقتلون النبي عليه الصلاة والسلام قتلة واحدة على قيام رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا تستطيع بنو هاشم أن تأخذ بدمه لأنه متفرق في القبائل، فاستحسنوا هذا الرأي، فأخرجوا من كل قبيلة شابًا شابًا من الشباب الأقوياء، وذهبوا إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت قد أمره الله عز وجل بالهجرة، فاشترى راحلتين: راحلة له وراحلة لصاحبه أبي بكر، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر: إن الله قد أمرني بالهجرة، فقال: الصحبة يا رسول الله؟ قال: الصحبة. فجاء الظهر أو بعد الظهر إلى بيت أبي بكر ودخل عليه وجاء بالراحلتين، ثم بعد ذلك تحرك في الليل، وخرج النبي عليه الصلاة والسلام، وفتيان قريش أمام بيته، واستخلف عليًا رضي الله تعالى عنه، فنام علي على فراشه، وخرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى مكانه أو إلى عند أبي بكر، وهاجروا في ذلك الوقت. وهذا كما قلنا التآمر لأجل قتل النبي عليه الصلاة والسلام، لكن النبي عليه الصلاة والسلام ثابتًا على أمر ربه، لم يخف أحدًا في الله جل وعلا، فلهذا توضأ وخرج عليهم، وهذا يدل على أهمية الوضوء والصلاة، فالوضوء طهارة، ولهذا تجد أن كثيرًا من الأنبياء يستعملون هذا الوضوء لأجل دفع شر المبطل، كما فعلت سارة زوجة إبراهيم نبي الله إبراهيم، لما كانت عند ذلك الطاغية، فتوضأت وصلت ركعتين، ودعت الله عز وجل أن لا يقربها هذا الطاغية، هذا الطاغوت، فلم يقربها. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر توضأ وصلى، وكذلك أيضًا زيد بن الدثنة أو صاحبه زيد بن الدثنة، لما أراد أن يقتله قريش، أو خبيب، خبيب رضي الله عنه، لما أراد أن يقتله قريش، قال لهم: دعوني أتوضأ وأصلي، فتوضأ وصلى ركعتين، ثم قال: ولست أبالحين أقتل مسلمًا، خبيب بن عدي رضي الله عنه. وهكذا، فهذا سنة أن الإنسان إذا وقع في مثل هذه المعازق يتوضأ يتطهر، وإن كان الوضوء للمسلم يستحب في كل وقت أن يكون متوضئًا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن»، لكن إذا جاءته مثل هذه الأمور فينبغي عليه أن يتطهر، فإن مات مات على وضوء، على طهارة، أو كذلك أيضًا يستحب له الصلاة، يستحب له الصلاة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر هرع إلى الصلاة، فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وخرج إلى المسجد لأجل أن يصلي، فلما دخل المسجد ورآه هؤلاء ألقى الله عز وجل على قلوبهم الرعب، فغضوا أبصارهم، صارت أدقانهم في صدورهم، وهذا لشدة الغض وشدة الخوف، فلم يستطيعوا أن ينظروا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وجلسوا في أماكنهم، فلم يرفعوا إليه بصرة، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام على رؤسهم، أي قام بجنبهم، فلم يستطع أحد أن يقوم منهم، ثم أخذ قبضة من تراب، فقال: شات الوجوه، عن شات الوجوه، أي أنها هذه كلمة قال لمن تبجح بكلام لا يستطيع أن يفعله، فقال: شات الوجوه، ثم حصبهم بها، فما أصاب رجلًا منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر كافرًا، فكل من أصابه من رجالة قريش ومن كبارهم كأبي جهل وغيره إلا صار من صرعى بدر، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود أيضًا لما دعا عليهم. وهذا في صبر النبي عليه الصلاة والسلام قوة تحمله على هؤلاء الأعداء، مع أنهم كانت عندهم قوة وعندهم أيضًا عدة، لكنهم عصم الله عز وجل نبيه ودافع نبيه، وقال الله عز وجل: ﴿إن كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون﴾، فنجى الله عز وجل نبيه من هؤلاء، وهاجر إلى المدينة، ثم بعد ذلك صار ما صار من القتال ومن الغزوات، فنصر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام، فلم يمت صلى الله عليه وسلم حتى دانت له العرب بل وبعض العجم، وطهر الله عز وجل الجزيرة من أدران الشرك، من أدران الشرك، فكانوا أهل توحيد. فهذا إن شاء الله تعالى ما يقدر في هذا المقام، الله تعالى أعلم. شكرا للمشاهدة.