تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 56

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 56

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 56، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حقوق الزوجين المتبادلة ومرجعها للعرف في تفسير السعدي

يشرح العلامة السعدي آية الحقوق المتبادلة مبيناً أن مرجعها للعرف السائد زماناً ومكاناً ما لم يخالف الشرع، وأن العقد المطلق يقتضي الحقوق بالمعروف بينما المشروط يكون على شرط الزوجين. ويستدل بوصية النبي ﷺ بالنساء خيراً لأخذهن بأمانة الله واستحلال فروجهن بكلمة الله.

درجة الرجال على النساء وتفصيل مراتبها الشرعية

يبين المقطع أن درجة الرجال على النساء تعني زيادة في الحقوق والولاية والقوامة لا تفضيلاً للجنس، وتشمل اختصاصهم بالنبوة والإمامة والعصمة في الطلاق وضعف نصيب المرأة في الميراث. ويوضح أن غالب هذه الدرجة تكليف رُفع عن النساء تخفيفاً عنهن مع ذكر نماذج للنساء الكمال.

أحكام العدة للمطلقات تفصيلاً للحرة والأمة

يستعرض المقطع أحكام العدة للمطلقات مستثنياً الحوامل اللاتي تنقضي عدتهن بوضع الحمل، واللاتي لم يُدخل بهن فلا عدة عليهن. ثم يخصص البيان لعدة الأمة بأنها حيضتان فقط بإجماع الصحابة، مبيناً أن الآية السابقة تختص بالحرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾: أي: للنساء على بعولتهن من الحقوق واللوازم مثل الذي عليهن لأزواجهن من الحقوق اللازمة والمستحبة. ومرجع الحقوق بين الزوجين للمعروف، وهو العادة الجارية في ذلك البلد وذلك الزمان من مثلها لمثله، ويختلف ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص والعوائد. وفي هذا دليل على أن النفقة والكسوة والمعاشرة والمسكن، وكذلك الوطء، الكل يرجع إلى المعروف. فهذا موجب العقد المطلق، وأما مع الشرط فعلى شرطهما، ما لم يكن شرطاً حل حراماً أو حرم حلالاً. فهذه الآية آية عظيمة من الآيات الشاملة، وأيضاً من الآيات الجامعة في هذا الباب. فربنا جل وعلا قال: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، فلم يحدد معاملة معينة، ولم يحدد أيضاً شكلاً معيناً. وهذه الآية يدخل فيها الحقوق الشرعية، وكذلك الحقوق التي تكون تعارف عليها الناس، المتعارف عليها في مسألة الزوجية، عن العادة التي جرت في البلد في الزمان، كما ذكر المؤلف رحمه الله: في الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص والعوائد. أنا سواء كان في المعاشرة، فربنا جل وعلا قال في المعاشرة: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، وعاشروهن بالمعروف أيضاً. كذلك المعاشرة بما يتعارف عليه الناس، وما جرت عادة الناس عليه، ما لم يكن يخالف الشرع، ما لم يكن فيه مخالفة للشرع، والشرع مقدم، الشرع مقدم. مثل ما جاء في حديث عمر لما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: فذكر مسألة وطء الزوجة، وأن قريشاً كانوا يشرحون المرأة تشريحاً، والأنصار يخالفونهم في ذلك، فتزوج رجل مهاجر أنصارية، فأراد أن يفعل بها مثل ما كانوا يفعلون بنسائهم، فرفضت ذلك، فأنزل الله عز وجل: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾. فالقاعدة كما تقدم: فهذا إذا كان مخالفاً للشرع فيرجع إلى الشرع، ولا يرجع للعوائد والمعروف، وإنما إذا لم يحدده الشرع فإنه يرجع إلى العوائد وما يتعارف عليه الناس. وكذلك أيضاً ما يكون في أحوال الناس وأشخاصهم، فقد يكون هناك شيء في المعاشرة وفي المعاملة عند أناس حسن، ويتعاملون به، وعند أناس لا يتعاملون به، بل يرون ذلك مكروهاً، بل عيباً، وأيضاً نقصاً على المرأة وعلى الرجل. فهذا أيضاً يدخل في هذا. فيدخل فيه الحقوق الشرعية من الاستيصاء، الوصية بالنساء، ومعاملتهن بالمعروف: ﴿ إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث جابر في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «استوصوا بالنساء خيراً، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله». انظروا إلى هذا الأمر العظيم، الذي إذا استشعره هذا الزوج عرف كيف يتعامل مع زوجته. «استوصوا بالنساء خيراً، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله»، أمنكم الله عز وجل عليهم، «واستحللتم فروجهن بكلمة الله». ثم ذكر حقوقهن. فلهذا فالمرأة عليها حقوق، كما أن الرجل عليه حقوق تجاه المرأة. فلذلك هنا قال جل وعلا: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، معنى: لهن حقوق مثل ما عليهن حقوق، وكذلك الرجل عليه حقوق مثل ما له حقوق. ثم قال: قال: فهذا موجب العقد المطلق، وأما مع الشرط فعلى شرطهما. إذا كان هناك شرط في العقد فعلى الشرط، وإلا يرجع للمعروف. ولهذا ذكر الفقهاء أن المرأة مثلاً إذا كانت لم تعتد حياة معينة، مثلاً لم تعتد حياة البداوة، فيأتي رجل ويتزوجها ويأخذها إلى حياة البداوة، فهذا ليس من حقها، ليس من حقها، فلها أن ترفض؛ لأن هذا أخرجها في شيء لم تكن تعتاد، وجعلها في حياة لم تكن تعتادها. ولهذا أيضاً ذكر الفقهاء أن المرأة مثلاً إذا كانت قد اعتادت أنها لا تخدم، وإن لها خادمات مثلاً، تكون من بنات الملوك أو من بنات الأمراء والتجار، فيتزوجها الرجل، فمن حقها أنه يأتي لها بخادمة مثل ما كانت في بيت أبيها. هكذا ذكر كثير من الفقهاء، وهو قول الشافعي وغيره. فلذلك أخذوا من هذه الآية: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، أي: بما اعتادت المرأة، أو ما جرت العادة عليها. لا يكرهها على شيء لم تعتد عليه، أنه عادة أو حال، إلا إذا كان بشرع الله، أنه إذا كان هذا من شرع الله عز وجل ومن أوامر الله، فهذا لابد أنها تطيع. وأما أن كان من العادات، فلا يكرهها على عادة لم تجر عليها عادتها وعادة أهلها. فلذلك: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص والعوائد، إلا إذا كان شرطاً. شرطاً مثلاً: أنه لا... مثلاً رجل امرأة تعيش في بادية، فتشترط على الرجل أنه لا يذهب بها إلى المدينة، أو تشترط عليه مثلاً أنه لا يدخلها في بيت حجر، وإنما تكون في بيت عريش أو خيمة أو كذا. هذا أيضاً يعتبره من الشروط، لأن بعض الناس مثلاً من عاش في البداوة وكذا يحب عيشة الأرياف، ما يحب مثلاً أن يدخل بيوتاً مغلقة. فهذا على ما جرت عليه العوائد، إن كان شرطاً فهو لا بد أن يقيم بهذا الشرط. والعكس كذلك، بل العكس أحياناً يكون كما قلنا من العوائد التي ينبغي أن نلتزمها الزوج، إلا إن كان هذا الشرط يحل حراماً أو يحرم حلالاً، فهذا لا يجوز، وإن كان مائة شرط، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال الله عز وجل: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾، أي: رفعة ورياسة وزيادة حق عليها، كما قال تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾. وليس معنى هذا أن جنس الرجل مفضل على جنس المرأة كما يقوله بعضهم، ليس صحيحاً. وإنما المراد به فضل من ناحية الحقوق، فالحقوق على الرجل أو على المرأة للرجل أكثر وأوجب، وبينما أن الرجل أخف حقوقاً للمرأة، لكنها ثقيلة غالباً، وأيضاً غالبها تكون حماية للمرأة، معنى محافظة عليها، من ناحية النفقة، ومن ناحية أيضاً كذلك أنه أخرجها من العجزة وغيرها من هذه الأمور التي تكون للرجل للمرأة. فللرجل حقوق عظيمة على المرأة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لعظم حقه عليها». فلذلك فليس كما قلنا في الجنس، بل قد تكون المرأة أفضل من الرجل بكثير. حتى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ناقصات عقل ودين»، ليس المراد ناقصات في إيمانهن، وإنما دينهن ناقص من ناحية الشرائع. دينهن ناقص من ناحية الشرائع: أن للرجل أكثر شرائع من المرأة، أن شرع له، أوجب الله عز وجل عليه الجهاد، وكذلك أيضاً نقص من دين المرأة أنها إذا حاضت لم تصلي ولم تصم، وليس هذا عند الرجل، وهكذا. فهو نقصان من ناحية الدين، وليس من ناحية الإيمان الذي يكون في قلبها. فكم من امرأة هي خير من ألف رجل، ومن غير، وخير من زوجها كذلك، من ناحية تدينها لله عز وجل. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع»، وذكرهن: «آسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم». فلذلك فدل على أن هناك نساء يكملن، كذلك فدل على أن النقص هذا في الدين، أو نقصها في الدين، ليس مؤثراً على إيمانها وعلى دينها نفسها، وإنما انتقص من شرائعها، انتقص من الشرائع التي عليها. ف هنا قول الله عز وجل: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾، قال: رفعة ورياسة وزيادة، إما في الرياسة، رفعة في الرياسة، أنها لا تكون في منصب النبوة، كما ذكر هنا، ومنصب النبوة والقضاء والإمامة الصغرى والكبرى، سائر الولايات مختص بالرجال. المرأة، كما هو قول أكثر أهل العلم، على أنه لا تكون المرأة نبية، حتى مريم بنت عمران عليه السلام لم تكن نبية. فالنبوة إنما جعلها الله عز وجل في الرجال. كذلك الإمامة الكبرى والصغرى: الإمامة الكبرى إمامة الناس والحكم، جعله الله عز وجل كذلك في الرجال. وقال عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين في حديث أبي بكرة: «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». وكذلك أيضاً أكثر أهل العلم على أنها أيضاً لا تأم في الإمامة الصغرى، لا تأم، لا تأم الرجال، المرأة. وأكثر العلم على أن ذلك أيضاً في الفرائض، وفي النوافل اختلف، أجاز ذلك الإمام أحمد رحمه الله أن تأم المرأة في صلاة الليل إن كانت قارئة، واستدل بحديث أم ورقة كما هو معروف، وليس هذا باب طيب. قال: وسائر الولايات مختص بالرجال. وله ضعف ما لها في كثير من الأمور كالميراث ونحوه. وهذا أيضاً له القوامة، وله العصمة، أن له أن يطلق، والمرأة ليس لها أن تطلق إلا إن كان بالخلع لأجل أمر حصل وأسباب حصلت، وإلا فالرجل هو الذي يطلق، فالعصمة بيده. لهذا في قول الله عز وجل: ﴿ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾، فأكثر العلماء على أنه الزوج، ومنهم قال الولي. قال: وله ضعف ما لها في كثير من الأمور كالميراث ونحوه. فهذا هي الدرجة التي جعلها الله عز وجل للرجال: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾. وغالبها تكليف، وغالبها من نظر إلى هذه الأشياء التي فضل بها الرجل على المرأة، وجعلت له درجة، أكثرها تكليف، غالباً لا تطيقها المرأة، أو ليس من شأنها، ليس من شأنها هذه الأمور. فلذلك رفعها الله عز وجل تخفيفاً عنها. قال: ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾، أي: له العزة القاهرة والسلطان العظيم الذي دانت له جميع الأشياء، ولكنه مع عزته حكيم في تصرفه جل وعز. فهو عزيز، له العزة والقهر سبحانه وتعالى، وكل شيء تحت ملكه وسلطانه، مع ذلك إلا أن هذه العزة مقرونة بحكمة عظيمة، فعزته مع حكمته سبحانه جل وعلا. وكما ذكر الشيخ ابن عثيمين أن من أسماء الله عز وجل إذا اقترن باسم آخر زاد في حسنه وعظمته. قالوا: يخرج من عموم هذه الآية الحوامل، فعدتهن وضع الحمل، والتي لم يدخل بهن. أنا في عموم الآية قول لعجز وجل: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾. يخرج من هذا الحوامل، والصحيح أن عدة الحامل على قول الجمهور أنها إذا وضعت الحمل. أقصد معنى الحوامل: التي تعتد إما بوفاة فهي ترجع إلى الحمل على قول الجمهور، وأما إن كانت بطلاق فهي ترجع إلى الحمل على قول جميع العلماء. قال: وخرج من العموم هذه الآية الحوامل، فالحامل بوضع الحمل عدتها تنتهي، عدة الطلاق وعدة الوفاة كذلك على الصحيح. فعدتهن وضع الحمل. والتي لم يدخل بهن فليس لهن عدة كما تقدم معنا، وهذا قد جاء في الآيات التي معنى: طلقها قبل أن يدخل بها فليس عليها عدة. قال: والإماء فعدتهن حيضتان، كما هو قول الصحابة رضي الله عنهم، جاء عن جماعة من الصحابة، وذكر ذلك بعضهم إجماعاً على أن الأمة عدتها حيضتان، وليس ثلاث. قال: وسياق الآية دل على أن المراد بها الحرة. طيب، هذا ما ذكره في تفسير هذه الآية. الله تعالى أعلم.