الدرس في شرح وتعليق على كتاب تزكية النفس 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أقوال السلف وابن الجوزي في أن القرآن شفاء لأمراض القلوب كشِفاء العسل للأجساد، ويوضح تشبيه القرآن بالغيث الذي يحيي الأرض الميتة مستدلاً بآية إحياء الأرض بعد موتها وتفسير ابن كثير لها، داعياً للإقبال على القرآن لزوال القسوة والهم.
يبيّن المقطع أن تلاوة القرآن بتدبر تمنح راحة نفسية وانشراح صدر، مستدلاً بآية الذكر الحكيم وأقوال ابن عثيمين وابن القيم، ويذكر حديث ابن مسعود عن دعاء يجعل القرآن ربيع القلب ونور الصدر وجلاء الحزن، مؤكداً أن القرآن يزكي النفس ويذهب الهموم والغموم.
يشبه المتحدث القرآن بالمطر الذي يحيي الأرض، فإذا استقر في القلب أثمر إيمانًا وخوفًا من الله وطمأنينة تذهب الهم والحزن، ويستعرض تجربة ابن القيم في الاستشفاء بسورة الفاتحة حيث كانت تزيل آلامه الجسدية وتقوي بدنه عند قراءتها على ماء زمزم، مؤكدًا أن نفع القرآن يتحقق بقوة الإيمان وصحة اليقين.
يختتم المتحدث الحديث عن شفاء القرآن ونفعه وأثره، مشيراً إلى استكمال الموضوع في الدرس القادم، ويدعو الله أن ينفعهم بما علموا وأن يعلمهم ما ينفعهم.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقد تكاثرت وتواردت أقوال سلفنا الصالح في شفاء القرآن، وفي كذلك نفع القرآن للقلوب من الإيمان والهداية والطهارة ونحو ذلك. فمن ذلك أيضًا، إضافة إلى ما سبق ذكره عن بعض الأئمة في هذا الباب، يدلو بدلوه ابن الجوزي رحمه الله تعالى فيقول: «مواعظ القرآن لأمراض القلوب شافية، مواعظ القرآن لأمراض القلوب شافية، وأدلة القرآن لطلب الهدى كافية. أين السالكون طريق السلامة والعافية؟ إن مواعظ القرآن تذيب الحديد، إن في القرآن ما يلين الجلاميد -يعني الجبال- ولو فهمه الصخر كان به يميد. إنه للقلوب النير، كل يوم به عيد، غير أن الغافل لا يتلوه ولا يستفيد». وهكذا يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى: «تلاوة القرآن تعمل في أمراض الفؤاد ما يعمله العسل في علل الأجساد». العسل أخبر ربنا عز وجل أن فيه شفاء للناس من أمراضهم الجسدية، والعسل من أفضل العلاجات لما فيه من الحلاوة ولما فيه من الفائدة. وكذلك القرآن الكريم يعمل في أمراض القلوب لمن استخدمه، ولمن قرأه وتدبره، يعمل في قلبه ما يعمل العسل في علل الأجساد. هذا معنى كلامه رحمه الله تعالى. وهكذا من ذلك ما جعل الله عز وجل من التشبيه بين ما يحييه القرآن في القلوب وما يحييه الغيث في الأرض اليابسة الهامدة. فإن الله عز وجل الذي جعل الأرض تحيا بالمطر جعل القلوب تحيا بالقرآن والموعظة، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ما مناسبة ذكر آية إحياء الأرض الميتة بالغيث والمطر؟ المناسبة أن الآية المتقدمة فيها حياة القرآن للقلوب، والآية التي بعدها فيها حياة الأرض الهامدة الميتة اليابسة بالغيث والمطر. ولذلك يقول العلامة ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: «فيه إشارة إلى أنه تعالى يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيرة بعد ضلالتها، ويفرج الكروب بعد شدتها. فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعدما كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، لا يصل إليها الواصل». فالقرآن حياة للقلوب، إذا شعرت بقسوة أو بهم وغم وحزن فأقبل على القرآن، فستجد من ذهاب وزوال ما حل بك من تلك الأسقام. ولذلك الشعور بالراحة النفسية وانشراح الصدر إنما يكون عند تلاوة القرآن، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. بذكر الله تطمئن القلوب. يقول ابن عثيمين عليه رحمة الله: «من بركة القرآن من حيث الأثر المترتب على تلاوته سواء عامًا أم خاصًا. فالخاص: أي من بركة القرآن من الأثر الخاص ما يحصل للإنسان بتلاوة القرآن من انشراح الصدر ونور القرآن وطمأنينته، كما هو مجرب لمن قرأ القرآن بتدبر. فمن قرأ القرآن بتدبر فسوف يشعر براحة نفسية وطمأنينة قلبية، وسوف تنجلي أحزانه وتذهب همومه ببركة كلام رب العالمين، وسوف يكون من أبعد الناس عن الأحزان الدائمة والقلق المستمر والخوف المزعج». ويقول ابن القيم عليه رحمة الله: «إن القلب إذا خاف وقلق فليس له ما يسكنه إلا كتاب الله، إلا كتاب الله. إذا شعرت بخوف، شعرت بقلق، شعرت بهم وغم، فأقبل على كلام الله، فستجد من الراحة، وستجد من السكينة، وستجد من ذهاب تلك الهموم والغموم والأحزان». ولذلك جاء في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عند الإمام أحمد وغيره، وصححه العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله عنه همه وحزنه، وأبدله به فرحًا». فقال الصحابة: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ينبغي لمن علمها أن يتعلمها، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها». انظروا إلى هذا الحديث العظيم. ولذلك يقول ابن القيم تعليقًا على هذا الحديث في «تحفة الذاكرين»: «فتضمنت هذه الدعوة سؤال الله تعالى أن يجعل قلبه مرتاحًا إلى القرآن، مائلًا إليه، راغبًا في تدبره». فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أن تجعل القرآن ربيع قلبي»، ما هو الربيع؟ الربيع هو الشيء الذي يرتع فيه الإنسان ويرتاح فيه بما يقطف من ثماره ومن حسن أزهاره ونحو ذلك. فالقرآن كما تقدم معنا ربيع للمؤمن، ربيع يأخذ منه المواعظ والأوامر والنواهي والأخبار والإيمان والهداية، فهو يتنقل بين ثماره اليانعة والطيبة المثمرة. فهذا الحديث كذلك يبين لنا عظيم أثر القرآن في ذهاب الهموم والغموم والأحزان، وهذا من تزكية القرآن للنفس. يقول عبد الله بن حميد رحمه الله تعالى: «معنى أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، أن القرآن بمنزلة المطر، وقلبك بمنزلة الأرض». هذا معنى قولك: «أن تجعل القرآن ربيع قلبي»، يعني أن تجعل القرآن مثل المطر، والقلب مثل الأرض. فالمطر إذا وقع على الأرض أنبتت وجاءت بأنواع الثمار الجميلة النافعة، فالقرآن إذا حل في قلبك أنتج الإيمان، وأنتج الخوف من الله، وعظمة الله، والإقبال عليه، واستنار قلبك، وذهب همك، وجلا حزنك. انظر هذا كله من آثار الإقبال على كتاب الله. فالقرآن للقلوب كما مر معنا كالغيث النافع الطيب للأرض، فإنها تحيا بذلكم المطر وذلكم الغيث، فتنبت الكلأ والعشب الكثير والثمار والأزهار. وهكذا القرآن إذا غذي به القلب فإنه ينتفع به انتفاعًا عظيمًا، انتفاعًا عظيمًا. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في «زاد المعاد»: «فاتحة الكتاب الشفاء التام، والدواء النافع، ومفتاح الغنى والفلاح، وحافظة القوة، ورافعة الهم والغم والخوف والحزن، لمن عرف مقدارها وأعطاها حقها، وأحسن تنزيلها على دائه، وعرف وجه الاستشفاء والتداوي بها، والسر الذي لأجله كانت كذلك». فاتحة الكتاب من أعظم سور القرآن، فيها توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وفيها الثناء على الله، وفيها تمجيد الله، وفيها تحميد الله، وفيها سؤال الله بالهداية، وفيها من المعاني العظيمة. فمن قرأها بتدبر، وكذلك عرف مقدارها وأعطاها حقها، مع ما في قلبه من الإيمان واليقين، فلا شك أنها تذهب عنه الخوف والغم والحزن، وهكذا تكون مفتاحًا له في الغنى والفلاح والقوة ونحو ذلك من تلك المعاني التي ذكرها ابن القيم عليه رحمة الله. ويقول ابن القيم كذلك في «مدارج السالكين» وهو يبين لنا فضل هذه السورة وأثر نفعها على القلوب بل وعلى الأجساد: «قد جربت أنا من ذلك في نفسي وفي غيري أمورًا عجيبة، ولا سيما مدة المقام بمكة، أعز الله تعالى». قال: «فإنه كان يعرض لي آلام مزعجة بحيث تكاد تقطع الحركة مني -يعني ما تجعله يمشي ولا يتحرك هذه الآلام-، وذلك أثناء الطواف وغيره، فأبادر إلى قراءة الفاتحة». انظروا كيف يعالج نفسه. قال: «فأبادر إلى قراءة الفاتحة وأمسح بها محل الألم، فكأنما حصاة تسقط». سبحان الله، يعني يشعر كأن شيئًا يخرج من جسده مثل الحصاة ويسقط من آثار الاستشفاء بهذه السورة العظيمة. ثم قال: «وأمسح بها محل الألم، فكأنما حصاة تسقط. جربت ذلك مرارًا عديدة، وكنت آخذ قدحًا من ماء زمزم -يعني القدح: يعني مثل الكأس أو نحوه-، فأقرأ عليه الفاتحة مرارًا وأشربه، فأجد به من النفع والقوة ما لم أعهد مثله من الدواء. والأمر أعظم من ذلك، ولكن بحسب قوة الإيمان وصحة اليقين، والله المستعان». نحن حقيقة في غفلة عن هذه العلاجات الربانية، والله لو أقبلنا على كتاب الله لما وجدت فينا حزينًا ولا مهمومًا ولا مغمومًا ولا مريضًا، لأن القرآن بركة، والقرآن شفاء كما تقدم معنا في الدرس الماضي. فهذا بعض ما يذكر في شفاء القرآن ونفع القرآن وأثر القرآن، ولعلنا نختم في الدرس القادم بذكر بعض الأمور التي تتعلق بهذا المبحث. نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.