الدرس في شرح وتعليق على كتاب تزكية النفس 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تعد قراءة القرآن عموماً وسورة البقرة وآية الكرسي خصوصاً حصناً متيناً للمسلم يبعد عنه الشيطان ويقيه كيد السحرة والسحر. يستدل المتحدث بآيات قرآنية وأحاديث نبوية صحيحة تبرز فضل هذه السور وبركتها في حفظ البيوت والنفوس من الشرور.
تلاوة القرآن في المنزل تجلب الملائكة وتطرد الشياطين وتوسع الرزق، كما ورد في آثار صحيحة عن الصحابة رضوان الله عليهم. في المقابل، حذر السلف كابن رجب من أن الغناء والمزامير تستدعي الشياطين وتضاد القرآن في القلوب والبيوت.
غفلة الناس عن القرآن سبب رئيس في انتشار الأمراض الروحية، والمعاصي كالموسيقى تضاد حب القرآن في القلب. لذا وجب على المسلمين تعمير بيوتهم بذكر الله وقراءة القرآن، وحماية أبنائهم في رمضان من السهر الضار والبرامج الفاسدة، والاضطلاع بمسؤولية الرعاية والتربية على الطاعة.
يستحضر المتحدث آية قرآنية تأمر المؤمنين بحماية أنفسهم وأهليهم من نار وقودها الناس والحجارة. ويختم المقطع بدعاء صادق بالتوفيق للعمل الصالح ونيل رضا الله سبحانه وتعالى.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلا يزال الكلام في أثر القرآن على تزكية النفوس وعلى تطهير القلوب. ومن ذلك إخواني في الله أن نعلم أن القرآن حصن حصين من شر الشياطين وكيد السحرة. فالمسلم الذي يقرأ القرآن في المسجد، في البيت، ويسمع للقرآن، ويحفظ من القرآن، يكون منه الشيطان أبعد، ويكون كذلك حصنا من شر السحرة والكهنة. وفي ذلك أدلة كثيرة وردت في الكتاب والسنة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾. من يبتعد عن ذكر الله يُسلط له الشيطان فيتلاعب به، يتلاعب بهذا الغافل عن ذكر الله عز وجل وعن القرآن. وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة». لا تجعلوا بيوتكم مقابر؛ لأن المقابر لا يقرأ فيها القرآن. ومن تعبد لله عز وجل بقراءة القرآن في المقابر، حكمنا على فعله ذلك بالبدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر»، يعني: لا تشبهوا بيوتكم بالمقابر فتجعلوها مثل المقابر لا يتلى فيها القرآن. ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أثر قراءة القرآن في البيت، فقال: «فإن الشيطان ينفر»، يعني: يهرب ويخرج من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة. فسورة البقرة لها أثر عظيم في حفظ البيوت من تلاعب الشياطين، بل ومن السحر والشعوذة وتسلط كذلك الشياطين على أهل ذلكم البيت. وقد جاء أيضا في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة» أي: السحرة. فانظر إلى فضل هذه السورة خصوصا قراءتها في البيوت. فأخذها بركة، والبركة هي كثرة الخير وثبوته وزيادته. وهكذا تركها حسرة، حسرة على من ترك هذه السورة فلم يقرأها ولم يفهمها ولم يتدبرها. وهكذا لا تستطيعها البطلة، أي: السحرة، فلا تقرب السحرة من تحصن بهذه السورة خاصة وبالقرآن عامة. وكذلك جاء عن أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الآيتان من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه». أخرجه مسلم. ومعنى «كفتاه»: قيل من الآفات والشرور. ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ﴾ إلى آخر الآيتين. تقرأها في ليلة، يكفيك الله عز وجل شر كل ذي شر. وكذلك في حديث أبي هريرة في الصحيح أيضا، لما أتاه الشيطان ثلاث ليال يأخذ من صدقة الفطر، ففي المرة الثالثة قال له: «ألا أعلمك آية إذا أخذت مضجعك اقرأها، فلا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان». انظر إلى أثر هذه الآية، آية واحدة: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾. إذا أردت أن تنام وقرأت هذه الآية، لا يتلاعبك الشيطان، لا بأحلام مزعجة، ولا بمس، أو بسحر، أو باحتلام، أو نحو ذلك. تكونوا في حرز، وتكونوا في حفظ من الله سبحانه وتعالى من شر هذا الشيطان. فينبغي على المسلم أن يعتني بتلك التحصينات الربانية وتلك الحروز النبوية. جاء أثر أخرجه الدارمي في سننه بسند صحيح عن أبي هريرة، من قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «إن البيت الذي يتلى فيه القرآن اتسع بأهله، وكثر خيره، وحضرته الملائكة، وخرجت منه الشياطين. وإن البيت الذي لا يتلى فيه كتاب الله ضاق بأهله، وقل خيره، وخرجت منه الملائكة، وحضرته الشياطين». لا تحب أن يكون بيتك مليئا بملائكة الرحمن التي تتنزل بالرحمات والبركات. فاعلم يا عبد الله: إن كانت الشياطين تنفر وتفر من البيت الذي يقرأ فيه القرآن، فإن الملائكة تقبل وتتردد إلى البيت الذي يقرأ فيه القرآن. فقد جاء في صحيح البخاري من حديث أسيد بن حضير رضي الله عنه أنه كان يقرأ القرآن من الليل في بيته، كان يقرأ سورة البقرة في الليل في بيته، إذ جالت الفرس. ومعنى «جالت»: يعني اضطربت اضطرابا شديدا وتحركت بعنف، معروف لما تحاول أن تستفز الحصان أو الفرس، أو أردت أن تهجم عليه، يرفع رجليه ويضطرب ويصيح ويتحرك بعنف. فهذا يستغرب: يقرأ القرآن، يجد الفرس تجول، بمعنى: تضطرب اضطرابا شديدا. قال: فسكت، سكت من القرآن، فسكنت، هدأت. قال: فقرأ، فجالت. قال: فسكت، فسكنت. يعني: كلما يسكت تهدأ، كلما يقرأ تضطرب وتجول. قال: فانصرف، ذهب. قال: فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة، مثل الظلة في السماء، فيها أمثال المصابيح، فيها أنوار مثل المصابيح، عرجت، يعني: صعدت، حتى ما أراها، يعني: حتى غابت عني. قال: فلما أصبح أسيد بن حضير، حدث النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «تلك الملائكة دنت لصوتك»، أي: نزلت لسماع صوتك. «ولو قرأت، يعني: استمريت في القراءة، لأصبحت ينظر الناس إليها، لتتوارى منهم، لا تتوارى منهم». وفي لفظ: أن ابنه يحيى صغير كان بجانبه، فخشي أن ترفسه هذه الحصان أو هذا الفرس، فمن أجل ذلك ترك القراءة. وتعلمون حديث أبي هريرة في مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة». فمجالس القرآن، ومجالس الذكر، ومجالس العلم، مجالس الملائكة الكرام. ومجالس الغفلة، واللهو، واللعب، والمزامير، والغناء، مجالس الشياطين، والعياذ بالله. ولذلك فإن من أعظم ما يزاحم القرآن ويكون سببا في بغض الإنسان له هو الغناء والمزامير. يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه «نزهة السماع في مسألة السماع»: «اعلم أن سماع الأغاني يضاد سماع القرآن من كل وجه، من كل وجه. قال: فإن القرآن كلام الله ووحيه ونوره الذي أحيا به القلوب الميتة، وأخرج العباد به من الظلمات إلى النور. قال: والأغاني وآلاتها مزامير الشياطين، فإن الشيطان قرآنه الشعر، ومؤذنه المزمار، ومصائده النساء». كذا قاله قتادة وغيره من السلف. فاحذر أن تجعل بيتك مليئا بالمزامير، بالمعاصي، فهذا سبب لاستيلاء الشياطين على أهل هذا البيت. وما كثرت تلك الأمراض الشيطانية من المس والسحر والشعوذة إلا بسبب غفلة الناس، وبسبب بعدهم عن كتاب الله سبحانه وتعالى. يقول ابن القيم عليه رحمة الله: «صوت القرآن يسكن النفوس ويطمئنها ويوقرها، وصوت الغناء يستفزها ويزعجها ويهيجها». انتهى كلامه في كتابه «مسألة السماع». وكذلك يقول الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله: «إن أعظم ما يصد به المرء عن القرآن: النظر والغناء، النظر إلى النساء، وارتكابه لهذه المعصية، والغناء». فهذا أعظم ما يصد عن القرآن. وقد قال ابن القيم في نونيته: «حب الكتاب وحب ألحان الغناء * في قلب عبد ليس يجتمعان». الذي يحب الأغاني ما يحب القرآن، ما يحب القرآن، ولا يكثر من قراءة القرآن؛ لأنهما متضادان، كما تقدم معنا من كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في قوله: «إن سماع الأغاني يضاد سماع القرآن من كل وجه، من كل وجه». فينبغي علينا معاشر المسلمين أن نجعل بيوتنا عامرة بذكر الله سبحانه وتعالى، نحذر من الملاهي والأغاني، وكذلك الغفلة في بيوتنا وفي مساجدنا. نحذر من ما أراده أعداء الإسلام، ونحن في هذا الشهر الفضيل، من بث الرذيلة، ومن بث الفساد عبر تلك المسلسلات، وعبر تلك القنوات، والفوازير، وما يشبه ذلك من تلك البرامج السيئة التي تنافي قدسية وعظمة هذا الشهر المبارك. فاجعل بيتك عامرا بذكر الله، عامرا بالقرآن. اجعل أولادك يقرؤون القرآن، ويحفظون من القرآن، ويتحلقون لدراسة القرآن. ورغبهم في ذلك، وحفزهم، وشجعهم، وأكرمهم بالجوائز، وكذلك العطايا. فهذا أعظم ما يشجع فيه الأبناء. ولا تجعلهم دائما وأبدا في اللعب واللهو، والجوالات، والمسلسلات، ونحو ذلك. فهذا والله يفسدهم، ويسلط الشياطين عليهم. في عادة في بلدنا هذه، وهي أن كثيرا من الأولاد يحيي الليل، يسهر الليل من أجل أن ينام في النهار وهو صائم. ولكن هذه العادة في الحقيقة ظهرت منها مفاسد كثيرة. فانظر إلى الوقت الطويل الذي يكون من بعد التراويح إلى الفجر، وقت طويل، ماذا يعمل فيه هذا الولد؟ يتسكع في الشوارع، ربما يصطاده بعض الوحوش البشرية في ظلمة الليل، وربما على الجوال، يفقد سمعه وبصره بسبب الإدمان في هذا الجوال، ونحو ذلك من المفاسد. فحبذا لو تشغل هذه الأوقات بحلقات القرآن، أو بالمسابقات القرآنية النافعة. فهذا مما ينفع النشأ. وقد تألم المجتمع من هذه العادة، وهو يعني: سهر الأولاد والبنات في ليالي رمضان. وقد قرأته منشورا الأسبوع الماضي، صدر من مدير الأوقاف بالمحافظة، يدعو الآباء إلى حفظ أولادهم، والانتباه لهم في هذه الليالي، وعدم يعني: جعل الحبل على الغارب لهم، يذهبون أين شاءوا. وحذر من وجود بعض الوحوش البشرية التي تصطاد بعض الأولاد. فهذا المنشور ما خرج إلا من واقع عليم، واقع عليم اشتكى منه كثير من الآباء. فلو يشغل الأبناء بالقرآن، ومسابقات القرآن، وحفظ القرآن، وكذلك الأمور النافعة الطيبة، ولو من أمور الدنيا، لكن تكون نافعة، كبعض المهن، أو بعض الأعمال، أو نحو ذلك، فهذا خير من أن يذهب أولادنا في الشوارع والأسواق، ومع بعض الأصحاب الذين لربما ما عندهم من الأخلاق، وما عندهم من الآداب، ونحو ذلك. فهذا أمر ينبغي أن نتنبه له معاشر المسلمين، وأن نعلم أننا مسؤولون عن أولادنا، وعن ذرارينا. ﴿ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ﴾. وهكذا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾. وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى، إلهنا، والله تعالى آمين.