الدرس في قصة موسى عليه السلام في القرآن 17، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
درس يتحدث عن قصة موسى عليه السلام وعبادة بني إسرائيل للعجل، وتداعيات هذه الحادثة، بما في ذلك اختيار موسى سبعين رجلا لميقات ربه وهلاكهم بسبب الرجفة أو الصاعقة.
بعد طلب بني إسرائيل التخفيف من الأحكام الشرعية، رفع الله الجبل فوقهم ليأخذوا التوراة بقوة، فاستجابوا وخضعوا لأوامر الله، وكرروا: سمعنا وأطعنا، وسجدوا لله.
بعد تلقي بني إسرائيل للتوراة، أمرهم موسى بدخول بيت المقدس، لكنهم ترددوا وتمردوا، فعاقبهم الله نتيجة لتمردهم ورفضهم الامتثال لأوامر الله.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، من خلال قصة موسى عليه السلام، وما جاء في صحيح السنة والقرآن، ما يتعلق بعبادة بني إسرائيل للعجل، وذلك في فترة غيبته إلى ميقات ربه، فعاد فإذا بالقوم قد انكبوا على عبادة العجل، فكان من أمره عليه السلام أن توجه بالخطاب إلى قومه معاتبا مغاضبا، ألم يعيدكم ربكم وعدا حسنا؟ أي ألم يعطكم ربنا عز وجل الوعود بأن لكم الملك وفيكم النبوة وأن تكونوا أفضل أمة؟ هل استعجلتم ذلكم؟ وتوجه أيضا بالخطاب إلى أخيه هارون، ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتابعني؟ أي تأتيني وتخبرني بما صار حتى آتي وأستدرك، إلا أن هارون عليه السلام كان له عذره، وهو أنه يخشى أن تزداد الهوة قوة الشر في قومه، فجلس واحتسب الأجر. ثم الخطاب الثالث مع السامري، هذا الهالك الذي أدخل هذه الوثنية في بني إسرائيل، وصنع لهم العجل، بعدما ألقى تلكم القبضة التي قبضها من أثر الرسول، قلنا الرسول المعني هنا جبريل، هذا استطاع أن يضطر بقبضة من حافر فرسه عليه السلام، ففتنوا بهذا العجل الذي لم يكن من الأشياء المألوفة أن يخرج من هذا الحلي. ثم كان من أمر موسى عليه السلام أن استأصل هذه العقيدة الراسخة الكفرية الوثنية من قلوب أتباعه، أتباع العجل، وذلك بحرقه ونسفه وتركه فتات رمادا في اليم. ثم بعد ذلك نزلت العقوبة من الله في حق السامري أن تقول: لا مساس، لا تمس ولا تمس. وبعد ذلك كان من تمام توبة بني إسرائيل، أي الذين عبدوا العجل، أن يقتلوا أنفسهم، إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم. وذكرنا أوجه القتل، إما أن يقتل بعضهم بعضا، أو أن قتلهم يكون على يدي ممن لم يعبد العجل، يمكنون بالسيوف والخناجر، ويأخذونهم أخذا ماذا؟ قتلا ذريعا. وصار هذا حتى قتل في هذا اليوم سبعون ألفا، حتى رفع الله عز وجل عنهم القتل، ثم تاب الله على من بقي، وغفر الله لمن قتل. هنا تأتي مسألة، وهي في قول ربنا عز وجل: ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلا﴾. العلماء يربطون هذه الآية بأحداث عبادة العجل. وجه الربط أن الله عز وجل طلب من موسى أن يأتي إليه بالأخيار من بني إسرائيل الصلحاء، الأخيار العباد، يأتون، وكان القصد من هذا الإتيان، كما يقول علماء الاعتذار، أن هؤلاء يعتذروا نيابة عن بني إسرائيل لهذا الحدث الجلل، أنهم أشرفوا بالله... جرب ما بعده جرب، فلابد أن الكل ينصاع بالتوبة، وعلى رأسهم الأعيان والعباد والأخيار والصلحاء. فأمر ربنا عز وجل موسى أن يختار من قومه سبعين رجلا، واختار موسى قومه، أي من قومه سبعين رجلا، وذلك لميقات ربه للقيا رب عز وجل. أخذ موسى هؤلاء السبعون وذهب بهم شرقا إلى الوادي المقدس، وقد أشرنا في أكثر من مكان على أن المسافة ستين كيلو تقدر. وهذه تعد المرة الثالثة الآن لموسى يذهب إلى الوادي المقدس، المرة الأولى عند الوحي، والمرة الثانية «وعجلت إليك ربي لترضى»، وهذه المرة الثالثة يذهب، لكن المرة هذه أخذ معه هؤلاء. فأخذ معه السبعين وذهب بهم، وأمرهم طبعا أن يتهيئوا لهذا اللقاء العظيم لرب الأرباب جل في علاه، لهذا الميقات. لكن قال ربنا: ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلا ولما أخذتهم الرجفة﴾. هنا ما الذي صار حين وصولهم؟ جاءت رجفة عظيمة، زلزلة عظيمة، كان من نتيجتها أن هؤلاء هلكوا جميعا، مات السبعون عن بكرة أبيهم، بسبب هذه الرجفة التي حصلت. يأتي السؤال هنا، وهو السؤال المهم، لماذا هذه الرجفة؟ لماذا أهلك الله عز وجل هؤلاء وهم الصلحاء وهم الأخيار؟ بل موسى هو الذي اختارهم بنفسه، اختارهم بنفسه، فلماذا هذه الرجفة التي فيها مقتل هؤلاء؟ للعلماء في ذلكم عدة أقوال، من أهل العلم، قال هذا عن بعض السلف، يا قتادة وابن جريج وجماعة: أن الله عز وجل أراد لهؤلاء عقوبة، أي أنتم الأخيار وأنتم الصلحاء، ويعقبوها بالشرك في بني إسرائيل، وما حصل منكم شيء، لا إنكار، لا تهديد، لا ترغيب، لا منع، ما صار شيء، ما صار له هارون فقط هو الذي كان في الواجهة، هو الذي كان في الواجهة، إلى أن استضعف عليه السلام، وكادوا أن يقتلوه، أي عباد الوثن وعباد العجل، إن حام عنهم فقط هارون الذي قام بهذا الدور، أين أنتم؟ أين دوركم؟ فقال العلماء: أن سبب الزلزلة وقتل هؤلاء أن الله أراد أن يعاقبهم بما كان من تقاعسهم عن منكر الذي صار، وما غيروه، وما بدلوا، إنما سكتوا وصمتوا، واستأثروا بماذا؟ بالصمت لأنفسهم، هذا قول. القول الثاني، وهذا الذي عليه أكثر المفسرين، وهو أن هؤلاء السبعين لما ذهبوا إلى موسى، استأذن موسى القوم في أنه سيدخل إلى مكان خاص، وهنا سيناجي ربه عز وجل. طبعا جاءت الآثار فيما يتعلق بمناجاة الله لموسى: أنه هناك ضباب، هناك أضواء، ما استطاعوا السبعين... ما استطاعوا سمعوا، نعم أصوات، وهو الوحي الذي كان ينزله ربنا عز وجل على موسى، حينها استمعوا وأنصتوا، ورأوا أشياء مهولة عظيمة. فلما رجع إليهم موسى، فاجأوه بهذه العبارة، ما هي جرأة عظيمة؟ قالوا: «يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، حتى نرى الله علانية». فهذه جرأة عظيمة، بل علقوا هذا بالإيمان، «لن نؤمن لك»، ومن ينطق بهذا الصلحاء الأخيار؟ أنتم وصلتم إلى هذا الحد؟ «لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة»، فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون، فجأت الصاعقة هنا. نعم قد يشكل، قد يقول: الآية الأولى فيها الرجفة، والآية الثانية فيها الصاعقة، كيف نجعله موقفا واحدا؟ قال العلماء: المقصود «فأخذتكم الصاعقة» أي صعقة الموت، أخذتهم صعقة الموت بسبب الرجفة. وهذا الذي عليه أكثر المفسرين يربطون بين هذه الآية في اختيار السبعين، وما كان من إهلاكهم، بهذه الآية، وقالوا: «نرى الله جهرة لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة»، فماتوا. فهذه الأسباب التي يذكرها العلماء في سبب مهلك هؤلاء ممن أتى بهم موسى إلى الوادي، إما بسبب تقاعسهم وهم الأخيار، أو بما كان من جرأتهم على موسى، حينما طلبوا أن يروا الله جهرة، حينها موسى زهل، رأى الذي معه قتل، صرع، فأخذ يدعو الله عز وجل: «أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟» هذا الذي صار، الجريمة جريمة الشرك لم تكن من هؤلاء، إنما فعل السفهاء الذين تهوكوا أنفسهم وأقحموها إلى الضلال بإشراك به. «أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟» فأخذ يدعو، وكان من أعظم ما كان يخشاه موسى عليه السلام: كيف يرجع إلى بني إسرائيل وما عنده أحد؟ تخيل اختار السبعين من الأعيان والكبراء من أهل الصلاح، ثم يعود ما عنده أحد، بل حتى ذكر العلماء: بل خشي أنهم سيطعنون فيه، ماذا فعلت بهم؟ أين آباؤنا؟ أين إخواننا؟ أين علماؤنا؟ أين يا موسى؟ ماذا سيقول؟ أهلكهم الله، وهل هؤلاء محل تصديق؟ سيصدقون، بأنه الذي قتلهم، وهو الذي أراد يتخلص منهم. فأخذ موسى يدعو ويدعو ويدعو الله عز وجل بأن الله يعفو ويصفح ويبعثهم. ثم عفونا عنكم، ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون. فأحياهم الله عز وجل من جديد، ثم بعثناكم من بعد موتكم، بعثهم الله، الواحد تلو الآخر، والآخر الذي يقوم ينظر لأخيه كيف يبعثه الله، كيف يبعثه الله؟ ويبعث الله رجلا ورجلا، حتى قاموا جميعا، وتابوا وأنابوا إلى الله سبحانه وتعالى، تابوا إما على المسألة الأولى: أنهم سيكونوا على قدر المسؤولية في الوقوف مع موسى في تغيير المنكر، في إصلاح الرعية. أو على القول الثاني: أنهم لن يتجرؤوا على هذه الجرأة بعد ذلك. رجع موسى عليه السلام بهؤلاء، ثم بدأ التعليم، بدأت الشريعة تعلم، يأتي موسى عليه السلام بالنقباء، قد ذكرناهم قديما، الاثنى عشر، يأتي بهم في مجالسه، يعلمهم، يفهمهم التوراة منزلة، قد أنزلها الله على موسى. وقد أشرنا إلى أن التوراة مليئة بالأحكام، التوراة مليئة بالأحكام، فيها الصلاة، يتعلق بمواقيتها وكيفيتها، وما يتعلق بشروطها وأركانها، وفيها الزكاة، ما يتعلق بكيفيتها ومقدارها، وفيها العقائد، الإيمان بالله والملائكة والرسل واليوم الآخر، وفيها العبادات، فيها الطاعات، فيها المعاملات، بر الوالدين والأرامل والمساكين، أحكام كثيرة. فبدأ موسى يعلم هؤلاء النقباء، والنقباء يذهبون إلى قوامهم ويعلمونهم، بدأت قضية التعليم، بدأت قضية التعليم. هنا ظهرت معضلة أخرى، ما هي المعضلة؟ التململ، أخذ بني إسرائيل يتململون من هذه الشرائع، أحكام، أحكام، أوامر، نواهي، ما اعتادوا على هذا. فأخذوا يشكون إلى النقباء، كل يذهب إلى نقيبه ويقول: أخبر موسى يخفف كثيرا هذه الأحكام علينا، كثيرة جدا، ما أي شيء الذي سنفعل والذي سنترك؟ والنقباء يذهبون بدورهم إلى موسى: بأن القوم يطلبون منك أن تسأل ربك التخفيف، خفف في أمر الصلاة، خفف في أمر الزكاة، خفف في مسألة الاعتقاد، خفف في باب المعاملات. مع أن الصلاة مثلا كما قيل لنا في التوراة عبارة عن صلاتين، بكرة وعشية، بكرة وعشية، في الصبح وفي المساء، ومع ذلك أرادوا التخفيف، أرادوا التخفيف. وكان موسى عليه السلام يأمرهم بالصبر والعمل بما في التوراة، وما أنزل الله من شرائع وأحكام. قد قال ربنا عز وجل: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل﴾. يذكر الله عز وجل هذه الأمة أن لا يكون حالنا كحال قوم موسى، سألوه التخفيف دائما، الشكوى من الشرائع وأحكام، تعبنا، مللنا، ضجرنا، ما استطعنا، ما نقدر، دائما أعذار تلو الأعذار، وكل ذلك في سبيل التملص، التملص من الدين. والله عز وجل ما ينزل من الشرائع إلا بما يقدر عليه العباد، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لكن القوم معتادون على العبث والتعبد. فبينما الأمر كذلك، وموسى ينصح ويوصي بهم، لكن لا فائدة، يوم من الأيام وقع أمر عظيم، ما الذي وقع؟ إذ بني إسرائيل يجدون أن الأرض من تحتهم تهتز، تهتز اهتزازا عظيما، وماذا حصل؟ جبل طور الذي بجنبهم يرتفع، وتخيل هذا المنظر، جبل عظيم يرتفع، يقلع قلعا من مكانه ويرفع، ثم يجعل فوق رؤوسهم، منظر تقشعر منه الأبدان، تخيل ترفع رأسك تجد سفح جبل، جبل فوق رأسك، يعني طرفه لا حد له، من هنا إلى هنا إلى هنا، هذا كله جبل، يعني كيف ستشعر؟ قشعريرة. ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور﴾، رفع الله عز وجل فوقهم الطور، ما معنى هذا؟ كما قال العلماء: هي رسالة واضحة، خذوا ما آتيناكم بقوة، إذا كان موسى عليه السلام بترهيبه وترغيبه ما ينفع معكم يا بني إسرائيل، هذا ينفع معكم، جبل فوق رؤوسكم. ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقكم كأنه ظلة كأنه غمامة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة﴾، إلزام، ليس بالخيار، نستطيع أو لا نستطيع، نفعل أو لا نفعل، نقدر أو لا نقدر، خذوا أمر رباني من ربنا عز وجل، خذوا ما آتيناكم بقوة. فلما رأوا هذه الآية، ما كان منهم إلا الإنصياع، وكانوا يكررون: سمعنا وأطعنا، سمعنا وأطعنا، سمعنا وأطعنا. وكان موسى كما يقول العلماء: كان يقرأ عليهم التوراة وهم يسمعون، يأمركم الله بكذا وكذا، قالوا: سمعنا وأطعنا، ويسجدون، ويأمركم بكذا، قالوا: سمعنا وأطعنا، ويسجدون. ما لهم مفر أصلا، إما هذا وإما الجبل يسحقهم سحقا ويبيدهم جميعا. وهكذا انصاعوا لما في التوراة جميعا. ذكر العلماء: أن بني إسرائيل في هذا الموطن، عندما سجدوا، طبعا لم يكونوا في مأمن، لأن الجبل فوقهم، ما يشعر أحدهم إلا وقد سقط الجبل عليهم وهدهم. فكانوا يسجدون مع تخوف، حتى قيل: أنهم إذا سجدوا كان جانب من رأسهم في الأرض والجانب الآخر ينظر إلى الأعلى، شبه سجود، شبه سجود، يعني ليس سجودا كاملا، لأن لا زالوا في خوف من الجبل الذي فوق رؤوسهم. فكان جزء من الجبهة في الأرض وجزء ينظر إلى الأعلى يخاف، حتى ذكر بعض العلماء: ويذكر هذا بعض المعاصرين، فالله أعلم به. هذه الفائدة على أن من سجود اليهود إلى هذا اليوم: أن سجودهم لا زال على هذه الحالة، يسجدون على الحاجب الأيسر، سجودهم على الحاجب الأيسر مع رفع الأعلى، ويرون أن هذه السجدة أعظم سجدة، لأنها هي التي رفعت عقوبة الله عنهم، أعظم سجدة، لأن هذه السجدة هي التي رفعت عقوبة الله عنهم، فيسجدون بهذا الشكل ميلان. وقيل: أن هذا مستمر، فالله أعلم بهذا، لكن يذكره بعض المعاصرين، وقد ذكروا كذلك بعض المفسرين في تفسير هذه الآية القرآنية. فالشاهد: فألزمهم ربنا عز وجل بأخذ ما في التوراة، فانصاعوا جميعا، ومع هذا قال الله لهم: «إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار». افعوا هذا فلا ربكم لازلت معكم، افعلوا، افعلوا الذي أمرتكم به، فإن فعلتم ما أمرتكم به من هذه الأمور الطاعات والعبادات والمعاملات، فابشروا، سأكفر عنكم ما مضى من سيئاتكم، وكل ما صار منكم معفو عنه، ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار. وهذه الآية قال علماء: هي المقصودة في قول ربنا عز وجل: ﴿وأوفوا بعهدي أوفي بعهدكم﴾، أوفوا بعهدي، عهدي الذي ألزمتكم به، هذا إقام الصلاة، إيتاء الزكاة، الإيمان بالرسل، الوقوف بجنبهم، إقراض الله قرضا حسنا، الصادقات والنفقات، فإن فعلتم ذلكم، قمتم بما ألزمتم به من عهد، فأنا سألتزم بما تعهدت به، بأني أكفر عنكم سيئاتكم وأدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار. فهنا إخواني في الله، فأصبحت هذه المرحلة من حياة بني إسرائيل في أخذ التوراة، وأخذ الشرائع والأحكام التي كان موسى يعلم على قومه، هنا تأتي مسألة أخرى، لما رب موسى عليه السلام القوم الذين تحت أيديهم، بما رباهم به بهذه الشرائع، جاءت الآن الغاية من مخرج بني إسرائيل من مصر، إلى أين المقصد؟ تذكرون المقصد إلى بيت المقدس، إلى بيت المقدس. فأخذ موسى عليه السلام وأمر من شعبه من بني إسرائيل أن يتحركوا شمالا إلى جهة بيت المقدس، وقد ذكرنا إخواني في الله، من كان معنا في الدروس الأول، سيفهم مقصود من بيت المقدس، لأن بني إسرائيل كان مسقط رؤوس رأسهم في فلسطين، هذا الأصل، لما كان يعقوب عليه السلام ومن كان هناك من ذريته كان هناك في أرض الشام. وكان يوسف عليه السلام في مصر، عندما في رعصته المعروفة، فلما تمكن واستمكن ومكنه الله في أرض مصر، وأصبحت له الوزارة وله كذلكم الكلمة، حينها دعا أهله جميعا «وأتوني بأهلكم أجمعين»، فتحرك يعقوب عليه السلام ومن معه، ما ترك أحدا من ذريته إلا وتحركوا إلى مصر. فأصبحت بلاد الشام خالية من يعقوب ومن نسله، ولهذا كان من أولويات موسى عليه السلام في دعوته لفرعون: أن أرسل معي بني إسرائيل، دعني أنا وشعبي نرجع إلى مسقط رؤوسنا. فآن الأوان بعدما تمت الأمور لموسى عليه السلام، وأصبح الناس بيده وهي السلطة الكاملة معهم، حينها أمرهم أن يتوجهوا بهذا الشعب الكامل أن يتوجهوا إلى جهة الشام، إلى بيت المقدس تحديدا. تحرك، طبعا الأمور كبيرة، وما يتحرك بعشرة ولا بخمسة ولا بألف، بيئات الألوف، شعب كامل يغط الأفق بالرجال والنساء، الكبار يتحركون. علم الناس بتحرك هؤلاء، وخاص من كان في بيت المقدس، قيل: أن في تلك الحقبة الزمنية أن سكان بيت المقدس كان الكنعانيون، وكانوا قوما غلاظا شدادا، تحكموا في أرض الشام هناك. وسمعوا الأخبار، وكيف تخفى الأخبار عن شعب كبير؟ أم هائلة قادمة تتوجه إلى بيت المقدس، فقام الكنعانيون وتحصنوا وحرسوا، حماية لبلادهم. طيب نأتي الآن موسى عليه السلام أرسل العيون لمن يأتي بأخبار بيت المقدس، فذهب الناس وأرسل مجموعة من الناس يستطلعون الأخبار. فرجع الناس وأخبروه بالتغيرات التي صارت، طبعا تحدثنا: أن يوسف عليه السلام هو الذي أتى بأهله «أتوني بأهلكم» في تلكم الفترة التي غادر يعقوب عليه السلام ومن معه من بلاد فلسطين، من بيت المقدس. تذكرون تلكم الآية التي قال فيها موسى: يوسف عليه السلام يذكر أهله بما كان من حال بلادهم، أتى بكم من البدو، بدو، أي كانت تلكم البلاد بادية، بادية، ما يعرف بلاد، فقيرة، تعبانة، ضعيفة، وجاء بكم من البدو. فكانت فلسطين في تلكم الأيام بادية، طبعا ثم مرت السنوات الطوال، يوسف ما بعد يوسف، والأجيال والأجيال، إلى أن جاء موسى، والآن رجع موسى بعد كم سنة؟ مئات السنوات، لما أرادوا القوم أن يعودوا إلى بلادهم، الأمور تغيرت، ما الذي رأى الناس العيون لما ذهبوا ورجعوا؟ أخبروا موسى بما رأوا. ما بيت المقدس آخر؟ أصبح عبارة عن بلاد مغلقة محصنة، لها أسوار عظيمة، وأبواب كبيرة، وعليها حراسات مشددة، أين الأمور تغيرت؟ لا تظنون أن الأمر مثل الأمر، تذهبون هكذا يجد بلاد قفر ومسجد موجود، تغيرت، أصبحت مدينة كبيرة، ومغلقة بالأسوار، ما أحد يدخلها، وحراسات وأبواب. حينها علم موسى أن الدخول ليس بالأمر السهل، فحينها بدأ يعبي قومه على الصبر والاستبار، وعلى الجد والاجتهاد، وعلى المثابرة والمقاتلة، ومذكرا لهم بهذه النعمة: «يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتد على أجباركم»، انتبهوا، هذه الأرض الموعودة التي وعدكم الله إياها، فلا تتراجعوا، لا تنكسوا، لا تغيروا. ولماذا ذكر هذا موسى؟ لأنه يعلم من قومه والذي توقعه صار، فما إن علم الناس بأخبار بيت المقدس، وأن هناك حراسات وهناك أناس، قالوا: «إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها وهكذا». لا زال التمرد ببني إسرائيل، وهذه المرحلة نقف عندها، لأنها ستأتي خلفها مسائل حول دخول إلى بيت المقدس، وكيف تعامل موسى عليه السلام مع قومه إزاء اعتراضهم وتمردهم، وكيف كانت العقوبة من الله عليهم؟ إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.