الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 500، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي حديث رسول الله حول ضمان الله للغازي في سبيل الله والمصلّي في المسجد ومن يدخل بيته بسلام، ويُفصّل شروط الغازي في سبيل الله. يُبين أن الله يضمن لهم الأجر والغنيمة أو دخول الجنة.
يشترط أن يكون الجهاد في سبيل الله على شرع الله، ويُذكر فضل طلب العلم وذهاب الرجل إلى المسجد ليتعلم. يُوضح أن ختم العمل الصالح يعد من توفيق الله.
يوصي الحديث النبوي بالبقاء في البيت والسلام عند الدخول لتحصيل السلامة من الفتن وإحلال البركة، ويحث على التحفظ في الكلام والانشغال بالنفس وذنوبها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وأنه وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا عبد السلام بن عتيق، وهو العنسي الدمشقي، وثقه، قال: أخبرنا أبو مسهر، وهو عبد الأعلى بن مسهر الدمشقي الشامي، وكان من أعرف الناس بالشاميين، قال: أنبأنا إسماعيل بن عبد الله، يعني ابن سماعة، وهو أيضا دمشقي أصله رملي، من الرملة، تعرفون الرملة، أحد يعرف الرملة؟ أين الرملة هذه في فلسطين؟ رملة سبعين، فأصله من الرملة، وهو دمشقي معنا من أهل دمشق، وهو من أوثق الناس في الأوزاعي، وأثبتهم في الأوزاعي، هو هقل بن زياد كاتبه، أثبت الناس في الأوزاعي هو هقل بن زياد، وهو كاتب الأوزاعي، وبعده إسماعيل بن عبد الله بن سماعة، هؤلاء من الأثبات في الأوزاعي. قال: حدثنا سليمان بن حبيب، وهو قاضي دمشق، والله القضاء، عمر بن عبد العزيز يقال: إنه جلس في قضاة دمشق أربعين سنة، ويقال أقل من هذا، كان قاضي مهيب، قال: عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «ثلاثة كلهم ضامن على الله عز وجل: رجل خرج غازيا في سبيل الله، وهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل راح إلى المسجد، فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل دخل بيته بسلام، فهو ضامن على الله عز وجل». قال: هذا حديث صحيح، والحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد، فقال رحمه الله: حدثنا شام بن عمار، وهو البغدادي، وهو ثقة إلا أنه تغير في آخر عمره، وكذلك بعض العلماء لم يأخذ عنه الحديث لأنه يأخذ أجرا على الحديث، قال: حدثنا صدقة بن خالد، هو الدقيقي، قال: حدثنا أبو حفص، عثمان بن العاتكة، قال: حدثني سليمان بن حبيب، فذكره. هذا الحديث في هذه الجمل الثلاث، وفيها ضمان الله عز وجل، والمراد: كلهم ضامن على الله، أي أن الله عز وجل ضمن لهم هذا الخير وهذا الأجر، وضمن لهم دخول الجنة، فهو تحت ضمان الله سبحانه وتعالى. وربنا جل وعلا كريم، وربنا جل وعلا كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ومن أصدق من الله حديثا﴾، قيل: فربنا ضمن لهؤلاء أن يعطيهم ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام. فأولا الغازي في سبيل الله، وقد جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «انتدب الله عز وجل لمن خرج في سبيلي يقول الله عز وجل: ضمنت على من خرج أو انتدب الله عز وجل لمن خرج في سبيله إيمانا به وتصديقا بوعده أن يرجعه بما نال من غنيمة وأجر أو أن يدخله الجنة»، أي إذا مات، معنى من خرج في سبيل الله، فإنه إن مات معنى إيمانا بالله تصديقا بوعده أن خرج احتساب الأجر، لم يرد مطمعا من مطامع الدنيا، وإنما أراد الأجر عند الله جل وعلا. فقال: «فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة»، إما أنه يرده بما نال من أجر وغنيمة، أجر الجهاد، وكذلك ما غنمه في ذلك أو في تلك الغزوة، فإن توفاه الله أدخله الجنة، هذا ضمان من الله سبحانه وتعالى، ولا شك أن هذا من أفضل الأحاديث وأعظمها في أجر الغازي في سبيل الله، وسواء كان قتل شهيدا في الغزوة أو مات، حتى لو مات في سبيل الله، ولهذا يدخل فيه هذا من يدافع عن دين الله جل وعلا، فإنه أيضا في سبيل الله، هو ضامن على الله. وجاء حديث من حديث أنس عند الترمذي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع»، وصححه بعض العلماء، لكن قال الإمام البخاري وكذلك أبو حاتم: إن هذا الحديث من طريق أبي هارون العبد لا يعرف إلا به، وهو منكر الحديث أو متروك الحديث، لا يصح، لكن معناه صحيح، فمن خرج لطلب العلم فهو في ضمان الله جل وعلا حتى يرجع، وإن مات مات في سبيل الله، فيدخله الله عز وجل الجنة. كذلك الغازي في سبيل الله يدخله الله عز وجل الجنة، لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم في حديث ثلاث، في بدر لما وافق الأنصار والمهاجرون بالقتال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض»، فقال عمير بن الحمام: «جنة عرضها السماوات والأرض؟ بخ بخ»، فقال: «ما يحملك على قولك بخ بخ؟»، فقال: «إنما أردت الجنة يا رسول الله»، ثم كانت معه تمرات، فقال: «إن بقيت آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة»، فألقاها ثم قاتل فقتل شهيدا رضي الله عنه. قال: «ويرده بما نال من أجر وغنيمة»، وهذا لا بد أن يكون هذا الشيء في سبيل الله، وأيضا يكون على شرع الله، أي هذا الجهاد، أما عن جهاد في قتل المسلمين، فهذا ليس جهادا، وإنما هذا قد يكون آثما، هذا الشخص الذي يقتل أهل الإسلام مثل ما يفعل الخوارج، يقتلون أهل الإسلام ويقولون جهاد، يفجرون أهل الإسلام ويفجرون المساجد ودور العلم، ويقولون هذا جهاد، فليس هذا الجهاد، هذا إنما هو أعداء للإسلام ولأهل الإسلام. قال: «ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة»، وهذا أيضا أجر عظيم لمن يعتاد المساجد، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أعد الله عز وجل له نزلا كلما جاء، كلما غدا أو راح»، من راح إلى المسجد أو غدا إلى المسجد، أعد الله له نزلا كلما غدا أو راح، والنزل هو الضيافة ما يعد للضيف. وأيضا النبي عليه الصلاة والسلام يتبشبش لمن يأتي إلى المسجد مثل ما يتبشبش المضيف لضيفه، فالذي يأتي إلى المسجد فهو تحت ضيافة الله جل وعلا وإكرام الله سبحانه وتعالى، فيكرمه بالعجر وبما ينال مما يعطيه الله عز وجل من خير الدنيا والآخرة، ثم إن توفي وهو في طريقه إلى المسجد أو في رجوعه، فإن الله عز وجل يدخله الجنة، فهو عمل صالح ويختم له بعمل صالح. وما جاء في ذلك الحديث من ختم له أو من صلى فختم له، فهو ختم له في الجنة، أن يختم له بالعمل الصالح، سواء كان في الصيام أو في الصلاة أو في غيرهما من الأعمال الصالحة، فإذا ختم له بعمل صالح، فإنه يكون أجره عظيم. وجاء في حديث أنس وجاء عن ابن عمر وعن غيرهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أراد الله عز وجل به خيرا استعمله»، قال: «وما استعمله يا رسول الله؟»، قال: «يوفقه لعمل صالح في آخر حياته»، يوفقه بعمل صالح في آخر حياته، أن يختم له بهذا العمل، كما جاء في بعض الروايات: يختم له بعمل صالح، فهذا من التوفيق من الله عز وجل أن يختم للعبد بعمل صالح، بإتيانه للمسجد، برجوعه من المسجد، بالعلم. كم من عالم مات وهو يعلم، ومنهم مات وهو يتعلم، الإمام بن جرير الطبري مات وهو يكتب مسألة من مسائل العلم لم يعلمها، فلما علمها قام وأخذ وهو في مرضه مرض موت، أخذ القلم وكتب هذه الفائدة، فمات بعدها، كان يقول رحمه الله: لأن أموت وأنا أعرف هذه الفائدة أحب إلي أن لا أعرفها، وهذا من حرصهم على العلم، وهذا الباب كثير أن تجد أن العلماء وغيرهم يموتون على أعمال صالحة. فهذا مجاهد بن جبر مات وهو ساجد رحمه الله، كذلك الصحابة رضي الله عنهم، كم من صحابة رضي الله عنهم مات في الجهاد، ماتوا أيضا على أعمال صالحة، فالذي يموت على أعمال صالحة فهو ضامن على الله، ومنه هذا الذي يذهب إلى المسجد ابتغاء وجه الله عز وجل، وإذا كان يذهب إلى المسجد ليتعلم العلم فهو أعظم. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا غدا الرجل إلى المسجد فتعلم له آية خير له من ناقة، وآيتين خير له من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، ومثل عددهن من الإبل»، فإذا جاء لأجل التعلم فهو خير له من أموال الدنيا، ومن أفضل وأنفس أموال الدنيا، لأنه يتحصل على أجر الآخرة. قال: «حتى يتوفاه فيدخله الجنة»، وأيضا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من طلب العلم سهل الله له به طريقا إلى الجنة»، أن الذي يطلب العلم يسهل الله عز وجل له طريقا إلى الجنة، من سلك طريقا يلتمس فيه علما، يلتمس فيه علما يعني يخرج لأجل التماس العلم والبحث عن العلم، فهذه الطريق طريق إلى الجنة. قال: «ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله عز وجل»، والمراد دخل بيته بسلام، قال: شراح تحتمل معنيين، إما أنه دخل بيته بسلام أي سلم على أهل بيته، كما جاء في بعض روايات التصريح بهذا، أنه من دخل بيته فسلم فهو ضامن على الله، فهو يسلم على أهل بيته السلام عليكم ورحمة الله، فيلقي السلام عليهم، فهذا ضمان من الله عز وجل لهذا الشخص أنه في ضمان الله عز وجل. وقيل: أن دخوله بيته بسلام المراد أنه يبقى في بيته لأجل تفادي الفتن، أنه يكون بيته مأوى له من الفتن، كما جاء في حديث ثوبان وجاء أيضا من حديث غيره أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قيل له: ما المخرج من الفتن؟ قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكي على خطيئتك»، أمسك عليك لسانك، لا يتكلم بالكلام الذي يكون فيه جر إلى هذه الفتن، وكذلك تحريش بين أهل الفتن، فيسكت، يمسك على لسانه، ويبكي على خطيئته، ينظر إلى ذنوبه وينشغل بنفسه ولا ينشغل بعيوب الآخرين. وقال أيضا: «وليسعك بيتك»، أن يكون سعة بيتك يسعك، أن يجلس ويتمكث في بيته، فهو نجاة لك من هذه الفتن، فيحتمل هذا المعنى ويحتمل، لكن المعنى الأول كما قلنا جاء في بعض الروايات: ومن دخل على بيته فسلم فهو ضامن على الله، فالظاهر أنه هذا المعنى أن يسلم، يقول: سلام عليكم ورحمة الله، وفيه إحلال البركة بهذا السلام الذي يسلم به على الأهل. إن كثيرا من الناس يدخل بيته بصوته يصوت وكذا، فالأولى أنه يدخل بسلام، يسلم على أهل بيته، فهذا ما يذكر بهذا الحديث، والله تعالى أعلم.