الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 195، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع حديث طي الله السماوات بيمينه والأرضين بشماله يوم القيامة، ويجمع بين رواية إثبات اليدين ورواية «كلتا يديه يمين» بأن التسمية يمين وشمال، أما البركة والشرف فكلتاهما يمين. كما يستدل بأثر ابن عباس وحديث الكرسي على عظمة الخالق سبحانه وصغر المخلوقات في جنب قدرته.
يستعرض المقطع عدة أحاديث وآثار تصف عظمة العرش والكرسي والسماوات والمسافات بينها، ويناقش درجاتها من الصحة والضعف عند الألباني وابن باز وغيرهما. ويبين أن الأحاديث الصحيحة تكفي عن الضعيفة، وأن هذه المخلوقات العظيمة تدل على عظمة خالقها سبحانه وتعالى.
يستعرض المقطع ثماني عشرة فائدة عقدية مستنبطة من حديث الحبر اليهودي الذي أقر بعظمة الله، متناولاً إثبات اليدين لله، وعظمة العرش والكرسي، والمسافات بين السماوات. ويشمل تحذير المتكبرين مع تعليقات الشيخ ابن عثيمين على وجوب الخشية من الله وعلمه بأعمال العباد.
يُنهِي المتحدث قراءة وشرح الكتاب بدعاء أن يُحيي الله الحاضرين على التوحيد، ويميتهم عليه، ويجعلهم من دعاته. ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد ﷺ.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه «كتاب التوحيد»، في آخر باب من أبواب هذا الكتاب، وهو باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾، قال: «ولمسلم عن ابن عمر مرفوعاً: «يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ السَّبْعَ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ»». ووجه الشاهد من هذا الحديث في طي الله عز وجل يوم القيامة للسماوات والأرض، إحداهما بيده اليمنى والأخرى بيده الشمال، كما ورد في هذا الحديث. وهنا يرد إشكال، وهو أن الله عز وجل، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أثبت لله عز وجل يداً يمنى ويداً شمالاً، وفي الحديث الآخر الذي رواه أيضاً الإمام مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «وَكِلْتَ يَدَيْهِ يَمِينُ»، فما هو الجمع بين هاتين الروايتين؟ بعض أهل العلم حكم على لفظ ذكر اليد الشمال بالشذوذ، وقال إنها شاذة، لكنه كما سمعت جاءت هذه الرواية في صحيح مسلم فهي رواية ثابتة. ومن أهل العلم من جمع بين الحديثين، وهذا هو الأقرب. ما هو هذا الجمع؟ يكون المعنى أن الله عز وجل كلا يديه يمين، أي من حيث البركة والشرف، فكلتاهما يمين، وأما من حيث التسمية فله يمين وشمال. قال بذلك العلامة ابن باز، وكذلك العلامة ابن العثيمين عليهما رحمة الله. فتحمل رواية ذكر الشمال على مجرد التسمية، فمن هذه الحيثية لربنا عز وجل يمين وشمال، وأما من حيث البركة والشرف فكلتاهما سبحانه وتعالى يمين. هكذا يكون الجمع. ووجه الشاهد كما ذكرنا فيه شيء من عظمة الله سبحانه وتعالى، إذ أن ربنا سبحانه وتعالى يطوي هذه السماوات بما فيها من سعة ومن عظمة ونحو ذلك، كل هذه السماوات السبع يأخذها سبحانه وتعالى بيمينه، ليدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى. قال: «وروي عن ابن عباس قال» - يعني أثر عن ابن عباس -: «ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم». والخردلة هي حبة نبات صغيرة جداً، يضرب بها المثل على صغر الشيء، يقول لك: هذا ما يسوى حبة خردلة، يعني شيء يسير أو شيء صغير جداً. فيقول ابن عباس: إن السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن ما هي إلا كخردلة في يد أحدكم، يعني كحبة صغيرة جداً يضعها أحدكم في يده، فهذا يدل على عظمة الله عزته. وهذا الأثر رواه ابن جرير في تفسيره بسند جيد، قال ذلك الشيخ سليمان صاحب «تيسير العزيز الحميد». وقال ابن جرير: «حدثني يونس، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَدَرَاهِمِ سَبْعٍ أُلْقِيَتْ فِي تِرْسٍ»». والترس هو شيء من جلد أو خشب يحمل عند القتال من أجل أن يتقى به السيف أو الرمح، يتترس به المقاتل، فإذا رأى سهماً سيصيب رأسه أو يصيب جسده اتقى هذا السهم بهذا الترس. ففي هذا الحديث أن هذه السماوات السبع في الكرسي، الذي هو موضع قدمي الرب سبحانه وتعالى، ما هي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس، يعني الشيء اليسير، فهذا يدل على عظمة الكرسي، فهو أعظم وأعظم بكثير من السماوات السبع، فإن هذه السماوات السبع مثل الدراهم، والدراهم هي عملة مضروبة صغيرة يشترى بها ونحو ذلك، فإذا هذا يدل على عظمة الكرسي، فهو مخلوق عظيم لله عز وجل، وهو موضع قدمي الرب سبحانه وتعالى. وهذا الحديث قال عنه الشيخ الألباني في «الضعيفة»: ضعيف جداً، أي لم يثبت هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي الأحاديث الصحيحة غني عن مثل هذه الأحاديث، وهناك مرت معنا أحاديث كثيرة تدل على عظمة الرب سبحانه وتعالى، وعلى عظمة خلقه الذي يدل على عظمة الخالق لها وهو الله سبحانه وتعالى. وقال أبو ذر رضي الله عنه: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ»». ومعنى: ما الكرسي في العرش، يعني ما الكرسي بالنسبة للعرش من حيث الخلق، إلا كحلقة من حديد، حلقة دائرة صغيرة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض، والفلاة هي الأرض الشاسعة الواسعة. فالكرسي في العرش يعني في الخلق ما هو إلا كهذه الحلقة من الحديد الملقاة في الفلاة، فهذا يدل على عظمة العرش الذي قد استوى عليه الرب سبحانه وتعالى، ﴿ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ﴾، فهذا يدل على عظمة هذا العرش، وأنه من أعظم ومن أكبر المخلوقات التي خلقها الله سبحانه وتعالى. وهذا الحديث أيضاً لا يصح، حديث أبي ذر، فقد ضعفه أيضاً العلامة الألباني رحمه الله تعالى في سلسلة الأحاديث الضعيفة. وقال: «وعن ابن مسعود قال: بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم». قال: «أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله، ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله». قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: «وله طرق». وهذا الحديث يقول عنه العلامة ابن باز عليه رحمة الله: حديث صحيح جيد، حديث صحيح جيد. وقد حكم العلماء على هذا الحديث أيضاً بالرفع، لأنه من أمور الغيب، ولم يعرف عن ابن مسعود الأخذ عن بني إسرائيل، فجعلوا هذا الحديث من الأحاديث المرفوعة حكماً. وهذا يدل على عظمة الخلق، عظمة السماء، وعظمة كذلك الكرسي، وعظمة العرش، فما بين هذه المخلوقات خمسمائة عام، يعني يمشي فيها الماشي خمسمائة عام، انظر إلى فترة زمنية طويلة، فهذا يدل على عظمة هذه المخلوقات التي تدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى. وقال: «وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟» قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَكِثَافُ كُلِّ سَمَاءٍ - يَعْنِي سُمْكَ - وَكِثَافُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْعَرْشِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَاللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ»». أخرجه أبو داود وغيره. وهذا الحديث يسمى أو مشهور بحديث الأوعال، وقد ضعف هذا الحديث العلامة الألباني عليه رحمة الله، وكذلك ابن باز عليه رحمة الله يضعف هذا الحديث. وفي بعض ألفاظه شواهد مما تقدم كأثر ابن مسعود الصحيح وغيره من الآثار، لكن في بعض ألفاظه لم يصح السند فيها كذكر سمك السماوات، وكذلك ذكر بعض التفاصيل كذكر البحر ونحو ذلك، فهذا لم يشهد له شاهد، فلذلك ضعف الحديث العلامة الألباني عليه رحمة الله. قال: «المسألة الأولى: تفسير قوله تعالى: ﴿ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، وعرفنا ما معنى: والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، أي أن قبضة يده سبحانه تعم جميع الأرض، تعم جميع الأرض. الثانية: أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه صلى الله عليه وسلم، لم ينكروها ولم يتأولوها، يعني أن اليهود لم يحرفوا كل التوراة، فهم يعلمون، أو كذلك يوجد في الكتب التي عندهم ما هو حق، وما هو الوحي الذي أنزله الله في التوراة على نبيه موسى عليه السلام، لأن هذا الحبر لما ذكر من عظمة الله عز وجل ضحك النبي صلى الله عليه وسلم إقراراً لقول الحبر. الثالثة: أن الحبر لما ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم صدقه، ونزل القرآن بتقرير ذلك، لأن هذا حق، وما هو حق في ديننا لا شك أنه حق. الرابعة: وقوع الضحك الكثير من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر الحبر هذا العلم العظيم، وتقدم معنى أن ضحك النبي صلى الله عليه وسلم سروراً واستبشاراً بتصديق التوراة للقرآن، فقد قال الله عز وجل: ﴿ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾، أي القرآن مصدق لما بين يديه، أي لما سبقته من الكتب. الخامسة: التصريح بذكر اليدين، أي إثبات ذلك لله عز وجل، وإثبات اليمين والشمال لله سبحانه وتعالى كتسمية، وأن السماوات في اليد اليمنى والأراضين في اليد الأخرى، وقد ثبتت اليدان لله سبحانه وتعالى بالكتاب والسنة وإجماع السلف، ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾. السادسة: التصريح بتسميتها الشمال، وقلنا هذا على توجيهين: التوجيه الأول أن هذه اللفظة شاذة، ولكن في الحقيقة هي صحيحة في صحيح مسلم، فيجمع بين الروايتين، وقد تقدم الجمع بين هاتين الروايتين. السابعة: ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك، لأن من تكبر وتجبر، هل يخلق كخلق الله؟ هل يملك شيئاً من هذه المخلوقات؟ ﴿ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾، فلماذا يتكبر المتكبرون، ولماذا يتجبر المتجبرون؟ فناسب أن يذكر الله عز وجل المتجبرين أو الجبارين والمتكبرين، لأنهم لا يملكون من هذا الخلق ولا مثقال ذرة. الثامنة: قوله: «كخردلة في كف أحدكم»، يعني يدل على عظمة الله سبحانه وتعالى. التاسعة: عظم الكرسي بالنسبة إلى السماوات، فهو كدراهم سبعة ألقيت في ترس، ولا شك أن هذه نسبة وفارق كبير. العاشرة: عظمة العرش بالنسبة إلى الكرسي، فهو كما مر في الحديث كحلقة ألقيت في فلاة، نعم، الكرسي بالنسبة إلى العرش كحلقة ألقيت في فلاة. الحادية عشرة: أن العرش غير الكرسي، فالعرش هو الذي استوى عليه الرب سبحانه وتعالى، وأما الكرسي كما جاء في حديث آخر فهو موضع قدمي الرب سبحانه وتعالى. الثانية عشرة: كم بين كل سماء إلى سماء، وأنها كم خمسمائة عام. الثالثة عشرة: كم بين السماء السابعة والكرسي، وأنها كم خمسمائة عام أيضاً. الرابعة عشرة: كم بين الكرسي والماء، وأنها كم خمسمائة عام أيضاً. الخامسة عشرة: أن العرش فوق الماء، فليس فوق العرش إلا الله سبحانه وتعالى، وليس فوقه سبحانه وتعالى شيء، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء. السادسة عشرة: كم بين السماء والأرض، وأنها كم خمسمائة عام. السابعة عشرة: كثافة كل سماء خمسمائة سنة، على الحديث وإن كان فيه ضعف. الثامنة عشرة: أن البحر الذي فوق السماوات بين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة سنة، والله أعلم». قال الشيخ العثيمين: «استفاد من أحاديث الباب التحذير من مخالفة الله لأنه عظيم سبحانه وتعالى، فإذا نزلت عقوبة العظيم عليك فيا ويلك، يا ويلك أيها المخلوق الضعيف، كم أنت تسوى أمام خلق السماوات وأمام خلق الأرض؟ لماذا تتجبر، ولماذا تتكبر، ولماذا تخالف أمر الله عز وجل؟ فهذا فيه التحذير من مخالفة الله. الثاني: أن الله لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم، كما ورد في بعض الأحاديث: «لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ»، والله فوق العرش، ومع هذا قال: لا يخفى عليه شيء من أعمالكم». قال الشيخ ابن عثيمين: والله أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، صلى الله وسلم، وأسأل الله أن يختم لنا ولكم بالتوحيد، قولوا: آمين، آمين يا رب العالمين. وبهذا نكون قد انتهينا من الشرح والقراءة في هذا الكتاب «التقسيم والتقعيد للقول المفيد»، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يحينا على التوحيد، وأن يميتنا على التوحيد، وأن يجعلنا من دعاة أهل التوحيد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.