الدرس في أخطاء المصلين 33، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن من أخطاء المصلين التأخر عن صلاة الجمعة، مبيناً أن الملائكة تكتب الحضور في خمس ساعات بعد الفجر. ويذكر تدرج الأجر من بدنة إلى بيضة للمبكرين، بينما يحرم المتأخر بعد صعود الخطيب من هذه الأجور كلها.
يؤكد المقطع وجوب حضور خطبة الجمعة على كل مسلم مستوفي الشروط، مستدلاً بقوله تعالى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. ويستشهد بحديث أوس بن أوس الذي يعد بكل خطوة إلى المسجد أجر سنة صيامها وقيامها محذراً من حرمان هذا الأجر.
يستعرض المقطع حرص السلف الصالح على التبكير لصلاة الجمعة منذ الفجر، وينقل آثاراً عن ابن مسعود وابن عمر في التنافس على الحضور المبكر. ويشير إلى استحباب صلاة النافلة وقراءة سورة الكهف والذكر قبل الخطبة لنيل الأجر العظيم.
يعد يوم العيد فرصة للمسلم للتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، داعياً إلى الحرص على العبادة وترك النوم والكسل واللهو. ويختتم بالدعاء بالتوفيق لما يحب الله ويرضى.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا في ذكر بعض أخطاء المصلين في صلاة الجمعة. فمن أخطاء المصلين في صلاة الجمعة عدم التبكير لصلاة الجمعة، فبعضهم يأتي إليها قبيل صعود الخطيب على المنبر، وبعضهم يأتي بعد طلوع الخطيب على المنبر، بل وبعضهم يأتي وقد انتهى الخطيب من الخطبة الأولى، أو انتهى الخطيب من الخطبة الثانية، بل بعضهم ربما يأتي مع الصلاة فتفوته الركعة والركعتان. وإذا نظرت إلى عدد المصلين عند طلوع الإمام على المنبر لرأيت عددهم لربما أقل من المتأخرين بكثير. ومن تأخر حتى يصعد الخطيب على المنبر فقد حرم نفسه أجوراً عظيمة وفضائل كثيرة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول». وفي لفظ: «من اغتسل يوم الجمعة كغسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى...» وهذا جاء في الحديث: «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجر - يعني الذي يبكر - كمثل من يهدي بدنة، يعني يتصدق ببدنته وهي الإبل. ثم الذي يأتي ويروح في الساعة الثانية كمن يهدي بقرة، ولا شك أن ثمن البقرة ولحم البقرة أقل من لحم الإبل. ثم من أتى في الساعة الثالثة كأنما قرب كبشاً، ثم دجاجة، ثم بيضة». فذكر خمس ساعات، والمراد بالساعات هنا الساعات الفلكية، فيقسم الوقت بعد الفجر إلى قبيل طلوع الخطيب خمسة أقسام، فكل قسم المراد به هذه الساعة، ليس المراد بالساعة المعروفة لدينا والتي هي ستون دقيقة، وإنما المراد فترة زمنية. فلو قسمت الوقت من بعد طلوع الفجر إلى قبيل طلوع أو عند طلوع الخطيب خمسة أقسام لكان كل قسم ساعة، كل قسم ساعة. ثم جاء في الحديث: «فإذا خرج الإمام - يعني خرج وصعد على المنبر - طووا صحفهم يستمعون الذكر». فمن أتى بعد طلوع الخطيب لا يكتب له شيء من هذه الأجور، لا أجر بدنة، ولا بقرة، ولا كبش، ولا دجاجة، ولا بيضة. انظروا إلى بعض الناس كيف يحرم نفسه هذه الأجور العظيمة. والحديث في الصحيحين. وأما من أتى وقد انتهى الخطيب من الخطبة سواء كانت الأولى أو الثانية فقد عرض نفسه للإثم، لأن سماع الخطبة لمن وجبت عليه واجب، لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. فالمراد بقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فسر بخطبة الجمعة وبالصلاة، بخطبة الجمعة وبالصلاة، لأنه جاء في آخر هذا الحديث: «فإذا خرج الإمام طووا صحفهم يستمعون الذكر». وهنا قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، فكثير من المفسرين فسر الذكر بخطبة الجمعة وبصلاة الجمعة من باب أولى، فأوجبوا سماع الخطبة وكذلك حضور صلاة الجمعة لمن وجبت عليه: كل مسلم، بالغ، عاقل، صحيح، مقيم، حر. فهنا يجب عليه شهود الخطبة والصلاة. فمن تأخر عن الخطبة فقد أوقع نفسه والعياذ بالله في الإثم. وأما من تأخر إلى قبيل طلوع الخطيب على المنبر فقد حرم نفسه الأجور الكثيرة كما وردت في هذا الحديث وفي غيره من الأحاديث، ومنها حديث أوس بن أوس رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من غسل يوم الجمعة واغتسل» - ويصح أن يقال: من غسل يوم الجمعة واغتسل، روايتان - «وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنى من الإمام واستمع ولم يلغُ، كان له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها». رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما، وهو حديث صحيح، صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. والشاهد من هذا الحديث في بابنا قوله عليه الصلاة والسلام: «وبكر وابتكر». فسر قوله «بكر» من البكور، أي من الإتيان إلى المسجد مبكراً يوم الجمعة، هذا معنى «بكر». وأما «وابتكر» فسر بحضور الخطبة، أي أنه أتى مبكراً وحضر خطبة الجمعة. جمع بين الأمرين، أن ربما البعض يبكر ثم يخرج من المسجد، فهذا لا ينال هذا الأجر. فلذلك فسر بعض أهل العلم: «وبكر وابتكر»، «بكر» بالبكور والإتيان إلى المسجد مبكراً، «وابتكر» أي حضر من أول الخطبة. ومنهم من جعل الفعلين من باب التأكيد، وقالوا: إن معناهما واحد، إن معناهما واحد. فهذا هو الشاهد من هذا الحديث، وفيه مع اجتماع هذا الأمر مع بقية الأمور الواردة في الحديث هذا الفضل العظيم والأجر الكبير: «كان له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها». كل خطوة يقطعها وهو يمشي إلى المسجد له بهذه الخطوة أجر سنة، كأنه يصوم نهارها ويقوم ليلها. أجر عظيم وفضل كبير، حتى بعض أهل العلم قال: لا يوجد من فضائل الأعمال فيه مثل هذا الأجر، لا يوجد من فضائل الأعمال فيه مثل هذا الأجر. فحرى بالمسلم ألا يحرم نفسه هذه الأجور العظيمة. والبكور للجمعة كذلك من عادة السلف رضوان الله عليهم، حتى قال أبو شامة في كتابه «الباعث على إنكار البدع والحوادث»: «وكان - أي في عهد السلف - وكان يرى في القرن الأول بعد طلوع الفجر الطرقات مملوءة من الناس يمشون في السرج ويزدحمون فيها إلى الجامع كأيام العيد، حتى اندرس ذلك، فقيل: أول بدعة أحدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجامع». بمعنى أن في القرن الأول كان السلف يبكرون إلى الجامع في يوم الجمعة من بعد صلاة الفجر مباشرة، فيرابطون في المسجد حتى انقضاء صلاة الجمعة. وهكذا يقول ابن القيم في «زاد المعاد» فيما نقله عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: «لو بكر إليها بعد الفجر وقبل طلوع الشمس كان حسناً». أي لو بكر إلى صلاة الجمعة، وربما هذا يشق على كثير من الناس، لكن لا أقل من أن تبكر ولو في أول الضحى أو قبل الخطبة بوقت لا بأس به حتى تنال شيئاً من هذه الأجور العظيمة التي سمعت فضلها وسمعت أجرها فيما تقدم من الحديثين. وهكذا كان السلف يعاتبون أنفسهم بتركهم التبكير وقصورهم فيه. فابن مسعود رضي الله تعالى عنه دخل إلى المسجد يوم الجمعة مبكراً، فرأى ثلاثة نفر قد سبقوه، يظن أنه أول من بكر إلى المسجد، وهذا من تنافس السلف رحمهم الله تعالى في الأعمال الصالحة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. فدخل ابن مسعود إلى المسجد وقد أتى مبكراً فظن أنه أول المبكرين، فإذا به يجد ثلاثة نفر قد سبقوه، فاغتم لذلك، فاغتم لذلك، وجعل يقول لنفسه معاتباً لها: «رابع أربعة»، يعني أتيت الرابعة، ما أتيت الأولى، كالمعاتب لنفسه، ثم قال مسلياً لنفسه: «وما رابع أربعة ببعيد». وهذا الأثر رواه ابن ماجه والبيهقي بإسناد حسن. فهذه الأحاديث وهذه الآثار تدعو جميعا معاشر المسلمين أن نحرص على هذه العبادة العظيمة، أن يأتي المسلم إلى المسجد مبكراً فيصلي ما كتب الله له. وهكذا كان فعل ابن عمر رضي الله عنه، فإن في ذلك اليوم تشرع الصلاة، صلاة النافلة المطلقة: إن شئت صليت ركعتين، وإن شئت صليت أربعاً، وإن شئت صليت ستاً أو ثمانياً، فالوقت في مثل ذلك الوقت يجوز فيه النفل المطلق، وهذا من فعل الصحابة رضي الله عنهم. ثم تأتي أيضاً مبكراً وتقرأ سورة الكهف، فقد جاء فيها أيضاً، جاء فيها فضل عظيم، وأن من قرأها - وأن من قرأها - جعل له نور بين الجمعتين، كما جاء في بعض الأحاديث، يحسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله. وتذكر الله سبحانه وتعالى وتتهيأ لسماع الخطبة. فهذا اليوم يوم عيد، يتزود فيه المسلم من الأعمال الصالحة ومن التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فينبغي علينا أن نحرص على هذه العبادة وأن نترك النوم والكسل واللهو والانشغال في مثل هذا الوقت المبارك. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وإلهنا والحمد لله رب العالمين.