الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 9، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يوضح الشيخ أن بعض الناس يغرهم عموم آية المغفرة فيصرون على المعاصي، مبيناً أن الآية مختصة بالتائبين بدليل السياق وآية النساء، ويرد على من يحتج بآية (ما غرك بربك الكريم) بأنها عتاب وتوبيخ لا حجة للمعصية.
يشرح المقطع أن الاغترار بحلم الله وكرمه من وساوس الشيطان والنفس الأمارة، وأن طاعة الشيطان هي فعل الحرام وترك الواجبات، ويبين أن النار أعدت للكافرين خلوداً بينما يدخلها المسلم العاصي عقاباً ثم يخرج منها بالشفاعة أو بعد تطهيره.
يبين المقطع أن صيام يوم عرفة وعاشوراء لا يكفر الكبائر بل الصغائر بشرط اجتناب الكبائر، وأن الفرائض أعظم أجراً وأكثر تكفيراً، كما يوضح أن حسن الظن بالله لا يصح مع الإصرار على المعاصي بل هو من تلبيس الشيطان.
يؤكد المقطع أن حسن الظن الحقيقي بالله يستلزم حسن العمل والطاعة، فمن أساء العمل وأصر على الكبائر فقد أساء الظن بربه، مستدلاً بأثر الحسن البصري وكلام ابن القيم، ويبين أن إنكار صفات الكمال أو الظن بعدم علم الله بخفايا الأعمال إساءة ظن تورد الهلاك.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع "الداء والدواء" لشيخ الإسلام الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ومر معنا في الدرس الماضي أمثلة ذكرها رحمه الله تعالى لبعض أوجه الإغترار، أي اغترار النفوس ببعض الأمور التي تجعلها تستمر في فعل المعاصي وارتكاب الذنوب، وتبتعد عن التوبة والإنابة والاستغفار لله عز وجل. وقد ذكر رحمه الله تعالى هذه الأمثلة لكي يبين أنها مفاهيم فاسدة، وهكذا ظنون وأوهام كاسدة تعلق بها بعض الناس، فجعلته يبقى مصراً على ذنوبه، وهكذا باقياً على أخطائه. وأراد الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بذكره لهذه الأمثلة على هذا الوجه، ألا وهو وجه التفصيل، أن يبين أن هذه الأشياء الموجودة هي لا تزال توجد في أناس يعتمدون عليها ويتكلون عليها، فيبقون مصرين على الذنوب وعلى الخطايا. وبعد هذا وذاك فإن المآل والنتيجة واحدة، وهي أنه قد يتعرض الشخص من هؤلاء لسخط الله عز وجل وغضبه وعقوبته. فإن هذه الأمور التي يغتر بها هي كما سبق معنا مما يلقيه الشيطان على بني الإنسان، فهي تعتبر من مصائد الشيطان. ولشيخ الإسلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كتاباً مستقلاً مفصلاً في بيان ذلك سماه "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان". ثم أخذ رحمه الله تعالى يسرد لنا بعض هذه المغالطات التي وقع فيها من وقع من الناس، فكانت سبباً لاغتراره: يغتر بسعة رحمة الله فيفعل الذنوب والسيئات، أو يغتر بأن الله غني عن تعذيبه: "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم"، أو يغتر بآباء بما مضى معنا مما عليه الآباء والأسلاف، وغيرها مما سبق ذكره من الأشياء التي تمسك بها من تمسك من أولئك المغرورين. ثم قال رحمه الله تعالى: "وكتكالي بعضهم على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾". في أي سورة هذه الآية؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. يا أبا فواز، في أي سورة هذه؟ يا أبا خالد، في أي سورة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾؟ الزمر، الزمر. نعم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. وقوله رحمه الله تعالى هنا: "وكتكالي بعضهم"، أي أن من المغالطات التي وقع فيها بعض الناس واغترارهم الذي جعلهم يستمرون في فعل الذنوب والمعاصي، وجعلهم يبتعدون عن طريق التوبة والإنابة، اعتمادهم بعضهم على مثل هذه الآية، على مثل هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. ويذكر رحمه الله تعالى الإجابة عن هذا الاستدلال. قال رحمه الله تعالى: "وهذا أيضاً من أقبح الجهل، فإن الشرك داخل في هذه الآية، فإنه رأس الذنوب وأساسها، ولا خلاف أن هذه الآية إنما في حق التائبين، فإنه يغفر ذنوب كل تائب أي ذنب كان. ولو كانت الآية في حق غير التائبين لبطلت نصوص الوعيد كلها". ومعنى قوله: "لبطلت نصوص الوعيد كلها"، أي لما أصبح لها قيمة. يعني أي واحد يقع في ذنب، الله يغفره مباشرة. لا، ليس هذا المقصود، وإنما يغفر ربنا عز وجل ذنب من تاب. من تاب يا إخوان، تاب الله عليه، وغفر الله له ذنبه أي كان هذا الذنب، حتى ولو كان أعظم الذنوب وهو الشرك بالله تبارك وتعالى. ومما يبين ذلك أن الآية جاءت في سياق الحث على التوبة، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، أي لمن تاب منها. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾، هذا الشرك، ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. فمن تاب يا إخوان، تاب الله عليه. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾، يجد الله غفوراً رحيماً. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾. إذن من تاب، تاب الله عليه. قال رحمه الله تعالى: "ولو كانت الآية في حق غير التائبين لبطلت نصوص الوعيد كلها، وأحاديث إخراج قوم من الموحدين من النار بالشفاعة. وهذا إنما أتي صاحبه، إنما أتي صاحبه من قلة علمه وفهمه، فإنه سبحانه هاهنا عمم وأطلق، فعلم أنه أراد التائبين، أنه أراد التائبين. قال: وفي سورة النساء خصصاً وقيداً، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال: فأخبر سبحانه أنه لا يغفر الشرك، وأخبر أنه يغفر ما دون ما دونه لمن يشاء. قال: ولو كان هذا في حق التائب لم يفر بين الشرك وغيره". وهذا يا إخوان من الأمور الواضحة. آية النساء، ربنا عز وجل خصصها وقيدها، فجعل الشرك من الذنوب التي لا تغفر، من الذنوب التي لا تغفر لمن مات ولم يتب. وأما من مات ولم يتب لكن عنده ذنوب أخرى غير الشرك والكفر بالله عز وجل، فهذا أمره تحت مشيئة الله عز وجل. وقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، قوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يدل على أن الآية في حق غير التائب. أما التائب لو تاب، غفر له جميع الذنوب حتى الشرك بالله عز وجل. وإذا لم يتب إلى الله عز وجل، فإن الله تبارك وتعالى لا يغفر الشرك ولا الكفر، ولكن يغفر ما دونه من الذنوب. فمن مات على الزنا، أو مات على السرقة، أو مات على الغيبة، أو مات على قتل النفس التي حرم الله قتلها، فهذا إذا مات ولم يتب فأمره تحت مشيئة الله عز وجل: إن شاء غفر له وأدخله الجنة مع الداخلين، وإن شاء عذبه في النار على قدر ذنبه وجرمه، ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة. ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث الشفاعة: "آه، ماذا قال؟ شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، أي من مات ولم يتب منها، فهذا قد تدركه الشفاعة ويخرج من النار إلى الجنة، إلى الجنة. قال رحمه الله تعالى: "وكاغترار بعض الجهال بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾". قال: فيقول أي الجاهل: "غرني كرمه، غرني كرمه". قال: وقد يقول بعضهم: "إنه لقن المغتر حجته". يعني الله عز وجل بين لهذا العاصي حجته، إذا سأله الله عز وجل: ما الذي جعلك تتمادى في الذنوب وفي المحرمات والمعاصي؟ يقول: كرمك يا رب. وهذا يا إخوان من الاغترار، هذا خطأ. فربنا عز وجل يعاتب الإنسان على تماديه في فعل الذنوب والمعاصي، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "وهذا، أي الذي سبق ذكره، جهل قبيح، جهل قبيح. وإنما غره بربه الغرور، وهو الشيطان: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، وهو الشيطان". قال: "ونفسه الأمارة بالسوء، وجهله، وهواه، أذه كلها أعداء لهذا الإنسان، وهو يحتاج أن يصارعها فيتغلب عليها. أول هؤلاء الأعداء هو الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾، يعني أصحابه الذين يطيعونه، ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾". وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. وعبادة الشيطان هاهنا هي طاعته في فعل الحرام وترك الطاعات، وهكذا ترك الفرائض والواجبات. وهكذا مما يغر هذا الإنسان نفسه، والنفس كما وصفها ربنا عز وجل: ﴿وَإِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾. فهناك نفس طيبة، ونفس لوامة تلوم صاحبها على فعل الخطايا وترك الفرائض والواجبات. لكن النفس الأمارة بالسوء هذه يجب على المسلم أن ينتبه لها. ولاحظ كيف أن النفس تزين لصاحبها الحرام، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾. يشرب شارب الخمر الخمر، ويتلذذ بشربها مع أنها خبيثة ومحرمة، لكن حين أن يشربها نفسه تجعله يشعر بنشوة ولذة وراحة. لاحظ المدخن إذا دخن كم يتضايق من يقترب منه، بينما هو نفسه تجعله يشعر بلذة. صاحب التنباك، صاحب القات، صاحب القات يا إخوان أمره عجيب وغريب، يمضغ هذه الأوراق، أحسنهم إذا أراد أن يصلي ماذا يفعل؟ يخرجها ويضعها في كيس، ويضعها في كيس ثم يلفها ويضعها في نعله، أو يضعها في جحر، أو يضعها في أي مكان. صلى، رجع إليها ووضعها في فيه. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "العائد في هبته"، ما مثله يا إخوان؟ الذي يعود في الهبة، ما مثله يا أبا هارون؟ ما مثله؟ العائد في هبته، نعم، آه، عنده، نعم، مثله: "كمثل الكلب يقيء أن يخرج ما في بطنه من طعام، ثم ماذا؟ ثم يعود إليه". انظر إلى قبح هذا المنظر وإلى قبح هذا الفعل، لكن ما الذي جعله يشعر أنه طيب وشيء يتلذذ به؟ هي النفس الأمارة بالسوء. وهكذا أيضاً الهوى يا إخوان، الهوى الذي يكون سبباً لإضلال من شاء الله أن يضله، أن يضله. قال رحمه الله تعالى: "وأتى سبحانه بلفظ "الكريم"، وهو السيد العظيم المطاع الذي لا ينبغي الإغترار به ولا إهمال حقه". قال: "فوضع هذا المغتر الغرور في غير موضعه، واغتر بمن لا ينبغي الإغترار به". وربنا عز وجل حذرنا من الإغترار بالشيطان، وذكر في سورة الحشر: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، أو ماذا قال؟ ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. ولهذا الشيطان في الآخرة وفي النار يقوم خطيباً بين الناس، يقوم خطيباً بين الناس فيعلن براءته منهم: ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ الآيات. فالإنسان حين أن يتمادى في الذنوب والمعاصي، لا يغره حلم الله عز وجل وكرمه، وإنما الذي يغره هو الشيطان الذي يزين له الحرام، ولربما يبعده عن الحلال وعن الطاعات، وعن الطاعات. قال رحمه الله تعالى: "وكاقترار بعضهم بقوله تعالى في النار: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾". في أي سورة هذا يا شامل؟ في أي سورة: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾؟ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي﴾، الذي يؤتي ما له يتزكى، ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. الآن واضحة جداً، في أي سورة هذا؟ أين أبو تميم؟ سافر، طيب، يلا اعتمد على نفسك الآن، في أي سورة؟ أعطيك اختيارات لكي أقرب الجواب: الشمس، الليل، الضحى. اختر واحدة من هذه الإجابات الثلاث. آه، الليل، أحسنت، سورة الليل. قال: "وكاغترار بعضهم بقوله تعالى: ﴿فِي النَّارِ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. قال: وقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، أي النار أعدت للكافرين. قال: ولم يدر هذا المغتر أن قوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ هو لنار مخصوصة من جملة دركات جهنم، من جملة دركات جهنم. وفي بعضها، أي في بعض نسخ "الداء والدواء"، آه ماذا؟ "من جملة دركات النار". قال: ولو كانت جميع جهنم، فهو سبحانه لم يقل: لا يدخلها، بل قال: لا يصلاها إلا الأشقى، ولا يلزم من عدم صليها عدم دخولها، فإن الصلي أخص من الدخول، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، لا يستلزم نفي الأعم". ومعنى ذلك يا إخوان: أن الكفار هم الذين إذا دخلوا النار فإنهم يصلونها ويبقون فيها أبد الآباد، لا يخرجون منها أبداً. بخلاف المسلم الموحد الذي عنده ذنوب، عنده كبائر، فهذا إذا لم يغفر الله عز وجل له هذه الذنوب في أول الأمر، فإنه يدخل النار ويعذب على قدر ذنبه، وقد تدركه الشفاعة وهو يعذب في النار فيخرج من النار إلى الجنة، وقد لا تدركه الشفاعة فيبقى في النار على قدر الذنوب التي ارتكبها، ثم بعد ذلك مآله إلى أن يخرج من النار إلى الجنة، إلى الجنة. ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أخبر عن أولئك الأقوام: "الجهنميون، يدخلون النار ثم يخرجوا منها بعد أن تتفحم أجسامهم، فيأمرهم ربنا عز وجل أن ينغمسوا في نهر يقال له نهر الحياة أو الحياة، فتتغير أبدانهم، ثم يدخلون إلى الجنة". وجاء في صحيح مسلم في حديث الشفاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أما أهل النار الذين هم أهلها، يعني الكفار، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولا يحيون، يعني يبقون في النار أبد الآباد". قال: "ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم، أو قال: بخطاياهم، هؤلاء موحدون مسلمون لكنهم مذنبون مخطئون". قال: "فأمتهم إماتة حتى إذا كانوا فحماً، أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر، ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم". قال: "فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل". هؤلاء ماذا؟ من أهل التوحيد وأهل الإيمان، لكن عندهم ذنوب كبائر لم تغفر، يعذبون ويعذبون، ثم بعد ذلك مآلهم إلى الجنة. فهذا المغتر الذي يقول: النار، ربنا عز وجل يقول: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، أما المسلمين فلا، قد يدخل المسلم النار بذنوبه ومعاصيه، لكن يخرج بعد ذلك إلى الجنة. وهكذا قوله عز وجل: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾، يعني النار: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، فقد يدخل المسلم النار لكن لا يخلد فيها، لا يخلد فيها. قال رحمه الله تعالى: "قال: ثم إن هذا المغتر لو تأمل الآية التي بعدها لعلم أنه غير داخل فيها، فلا يكون مضموناً له أن يجنبها، أن يجنبها. ويعني بذلك قوله عز وجل: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَا لَهُ يَتَزَكَّى﴾". قال رحمه الله تعالى: "قال: وأما قوله: ﴿فِي النَّارِ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، فقد قال في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال: ولا ينافي إعداد النار للكافرين أن يدخلها ألف الساق والظلمة، ولا ينافي إعداد الجنة للمتقين أن يدخلها من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، ومن لم يعمل خير قط". وهذا يا إخوان، آم، ما يدل على رحمة الله عز وجل، أن الجنة التي أعدت للمتقين يدخلها من كان إيمانه كاملاً، ويدخلها من كان إيمانه ناقصاً، ويدخلها من كان عنده أصل الإيمان. ولهذا يدخل ربنا عز وجل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ذرة من إيمان. وآم، هذا يدل على سعة رحمة الله عز وجل. لكن هؤلاء قد لا يدخلوها إلا بعد أن يعذب أحدهم في النار على حسب ذنبه وجرمه، وقد يدخل أحدهم الجنة مباشرة من غير تعذيب إذا شاء الله له ذلك ورحمه وأدخله الجنة مع الداخلين. قال رحمه الله تعالى: "قال: وكتكا لبعضهم على صوم يوم عاشوراء أو يوم عرفة، حتى يقول بعضهم: يوم عاشوراء يكفر ذنوب العام كلها، ويبقى صوم يوم عرفة زيادة في الأجر. ولم يدر هذا المغتر أن صوم رمضان والصلوات الخمس أعظم وأجل من صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء، وهي إنما تكفر ما بينهما إذا اجتنبت الكبائر". يشير إلى حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن". ما هو الشرط يا إخوان؟ ما هو الشرط يا أبا طاهر؟ "مكفرات لما بينهن إذا"، أحسنت: "إذا اجتنبت الكبائر". وأما إذا لم تجتنب الكبائر فإنها لا تكفر. أيها أعظم أجراً: الصلوات الخمس وصلاة الجمعة وصيام رمضان، أو صيام عاشوراء وصيام يوم عرفة؟ فيظهر بذلك خطأ من اغتر بذلك. قال: "فرمضان إلى رمضان، فرمضان إلى رمضان، والجمعة إلى الجمعة، لا يقوى على تكفير الصغائر إلا مع انضمام ترك الكبائر إليها، فيقوى مجموع الأمرين على تكفير الصغائر. فكيف يكفر صوم يوم تطوع كل كبيرة عملها العبد وهو مصر عليها غير تائب منها؟ قال: هذا محال، هذا محال". قال: "على أنه لا يمتنع أن يكون صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء مكفراً لجميع ذنوب العام على عمومه، ويكون من نصوص الوعدي التي لها شروط وموانع، ويكون إصراره على الكبائر مانعاً من التكفير". يقول: لا يمنع أن يكون هذا الصوم التطوع سبباً لتكفير الذنوب، لكن ما الذي يمنع الذنوب أن تكفر؟ هو ماذا؟ إصراره على الكبائر. قال: "فإذا لم يصر على الكبائر، تساعد الصوم وعدم الإصرار، وتعاون على عموم التكفير، أي من الصغائر الكبائر". قال: "كما كان رمضان والصلوات الخمس مع اجتناب الكبائر متساعدين متعاونين على تكفير الصغائر، إذا اجتنبت الكبائر، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾". لاحظ الشرط: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. فإذا حصل فعل الشرط أتى الجواب. ثم ختم ذلك بقوله: "قال: فعلم أن جعل الشيء سبباً للتكفير لا يمنع أن يتساعد هو وسبب آخر على التكفير، فيقع التكفير مع اجتماع السببين، ويكون أقوى وأتم منه مع انفراد أحدهما. وكلما قويت أسباب التكفير كلما كان أو ماذا كان أقوى وأتم وأكمل وأشمل". ولازال رحمه الله تعالى يذكر لنا بعض الأمور التي قد يغتر بها من يستمر في الذنوب والخطايا وعلى المعاصي، ويبتعد عن التوبة والإنابة إلى الله عز وجل، فيتكل على بعض الوعد، وهكذا الآيات والأحاديث التي فيها من الرجاء ما فيها، فيعتمد عليها ويجعلها سبباً في استمراره على المحرمات. وذكر رحمه الله تعالى اغترار بعضهم بحسن الظن بالله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: "قال: وكاتكا لبعضهم على قوله صلى الله عليه وسلم حاكياً عن ربه، أي فيما يرويه عن ربه. وما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه، ماذا يسمى؟ نعم، ماذا يسمى ما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه؟ الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: قال الله تعالى، هذا يسمى ماذا؟ أحسنت، يسمى حديثاً قدسياً. يا أبا أسامة، ما هو الفرق بين الحديث النبوي والحديث القدسي؟ ما هو الفرق بين الحديث النبوي والحديث القدسي؟ القدسي، نعم، ماذا؟ لفظه من، من، من النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه، ومعناه من الله. طيب، والحديث النبوي لفظه ومعناه من النبي صلى الله عليه وسلم. هكذا ذكر بعض العلماء، وبعض العلماء يجعل الحديث القدسي لفظه ومعناه من الله. طيب، إذا قيل: ما هو إذن الفارق بين الحديث القدسي والقرآن؟ قالوا: القرآن متعبد بتلاوته، وهكذا معجز في ألفاظه إلى غير ذلك". قال رحمه الله تعالى: "قال: وكاتكال بعضهم على قوله صلى الله عليه وسلم حاكياً عن ربه: ﴿أَنَا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ﴾، قال: يعني ما كان في ظنه، فإني فاعله به، فإني فاعله به. والحديث الذي ذكره رحمه الله تعالى أخرجه أحمد وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. قال: قال: ﴿أَنَا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ﴾، قال: يعني ما كان في ظنه، فإني فاعله به، فإني فاعله به. قال: ولا ريب أن حسن الظن إنما يوجد ويكون مع الإحسان، فإن المحسن حسن الظن بربه أن يجازيه على إحسانه، ولا يخلف وعده، ويقبل توبته. وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات، فمن أين له حسن الظن؟ فمن أين له حسن الظن؟ فإن وحشة المعاصي والظلم والإجرام تمنعه من حسن الظن بربه". قال: "وهذا موجود في الشاهد، فإن العبد الآبق المسيء الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به. العبد المملوك الذي يهرب من سيده، يشرد، يذهب إلى الجبال، إلى الأودية، إلى بعض المناطق البعيدة، هذا عاصٍ لسيده ومالكه، كيف ظنه بمالكه؟ ظن سيئاً، يقول: هذا لو أمسكني يا ويلي، لو علم بمكاني لأخذني، ولهذا يهرب ويهرب. وهكذا العاصي يا إخوان، العاصي، ظلمة المعصية تجعله يسيء الظن بربه، وأن الله سيعذبه، وأن الله سيدخله النار، إلى غير ذلك، فكيف يكون عنده الظن الحسن؟ قال تعالى: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لو كان عندهم ظن حسن لفعلوا أعمالاً صالحة لكي يجازيهم ربنا عز وجل عليها بالإحسان. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. فهذا من تلبيس إبليس على أمثال هؤلاء". قال رحمه الله تعالى: "قال: ولا تجامع، أي لا تجتمع، وحشة الإساءة، إحسان الظن، أبداً. ما يجتمعان: إساءة وارتكاب للكبائر وإصرار على المعاصي، لا تجتمع مع إحسان العبد الظن بربه عز وجل، ما يجتمعان. قال: فإن المسيئة مستوحش بقدر إساءته. قال: وأحسن الناس ظنا، أحسنهم عملاً، وأطوعهم لربه. قال: قال: وكلما قويت الإساءة قويت الوحشة، وساء الظن، وساء الظن. كما قال الحسن البصري: ﴿إِنَّ الْمُؤْمِنَ﴾، إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، قال: إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل". وهذا يا إخوان أثر الحسن البصري رحمه الله تعالى، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، ومصنف ابن أبي شيبة، ومثله مصنف عبد الرزاق الصنعاني، ونحوها هي مظنة وجود الآثار عن التابعين، وهكذا من بعدهم. قال رحمه الله تعالى: "قال: ويقول أحدهم: إني لحسن الظن بالله، وكذب، من أحسن الظن بالله أحسن العمل لله. يقول بعضهم، أي بعض المغرورين: أنا أحسن الظن بالله، لكن إذا نظرنا إلى أفعاله، أفعال سيئة، يقول هذا: كذب. لماذا كذب؟ قال: لأن من أحسن الظن بالله أحسن العمل لله، أحسن العمل لله. وقد، وقد ذكر الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره نحو ذلك عن الإمام الحسن البصري رحمه الله، قال: الحسن البصري: إن أقواماً ألهتهم الأماني، أشغلتهم الأماني، يتمنى أن الله سيعطيه ويدخله إلى غير ذلك، ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي، وكذب، ولو أحسن الظن لأحسن العمل، لا أحسن العمل. قول ابن القيم: يقول أحدهم، كأنه يعني به الحسن البصري أيضاً في الأثر السابق الذي ماذا ذكر؟". قال رحمه الله تعالى: "قال: وكيف يكون محسن، محسن الظن بربه، من هو شارد عنه، حال مرتحل في معاصيه ومساخطه، ويغضبه، وما يغضبه، متعرض للعنته، قد هان حقه وأمره عليه فأضاعه، أي هان عليه أمر الله فأضاع أمر الله، وهكذا هان عليه حق الله فضيع حق الله وتركه. قال: وهان نهيه عليه فارتكبه وأصر عليه. ولهذا يا إخوان، حقيقة ذكرها ربنا عز وجل في كتابه العزيز، في كتابه العزيز، ألا وهي أن من أحب شيئاً أكثر من ذكره، وتعلق قلبه به، الشخص إذا أحب شيئاً، لاحظوا الذين يحبون السيارات والموديلات من السيارات، إذا جلس يتحدث حول السيارات وأنواعها ومزايا بعضها على البعض الآخر. من أحب الزراعة حديثه في الزراعة، من أحب البحر والصيد حديثه في ذلك، ومن أحب الله عز وجل فإنه يكثر من ذكره، هذا المحبوب، هذا المحبوب. طيب، هذا الذي هو شارد عن طاعة الله عز وجل، بعيد عن الأعمال الصالحة، كيف يكون ظنه حسن بربه عز وجل؟ الله تبارك وتعالى يقول: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ الآيات. فالأصل أن من خاف من شيء ابتعد عنه، إلا من خاف من الله فإنه يقرب منه، فإنه يقرب منه. فإذا ماذا؟ هذا مفهوم خاطئ، وظن كذلك أيضاً خاطئ لدى البعض من الناس". قال: "وكيف يحصن، الظن به، من بارزه بالمحاربة، وعاد أولياءه، ووالي أعداءه، ووالي أعداءه، وجحد صفات كماله، وأساء الظن بما وصف به نفسه، ووصفته به رسله، وظن بجهله أن ظاهر ذلك ضلال وكفر؟ وقد رد الله عز وجل على اليهود ذلك، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، قال ربنا عز وجل: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾. إذن ماذا؟ هذه أماني، فالذنوب موجودة والمخالفات موجودة، وتزعمون أنكم أبناء الله وأحباؤه، وهل لله أبناء؟ انظر إلى الإجرام في حق الله عز وجل. وهكذا حين أن قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى﴾، ناس يدخل الجنة إلا من كان يهودياً أو نصرانياً، هكذا يزعمون. قال تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الآيات". قال رحمه الله تعالى: "قال: وكيف يحسن الظن به من يظن أنه لا يتكلم، أي يظن في الله عز وجل أنه لا يتكلم، يعني ينفي عن الله صفة من صفاته وهي صفة الكلام. قال: ولا يأمر ولا ينهى، ولا يرضى ولا يغضب، هذه صفات لله عز وجل، يأتي بعض الناس يدعي أنه يحسن الظن بالله فينفي هذه الصفات ويعطلها عن الله عز وجل. قال: وقد قال تعالى في حق من شك في تعلق سمعه ببعض الجزئيات وهو السر من القول، قال ربنا عز وجل: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فظنوا أن الله عز وجل لا يعلم هذه الأشياء التي يخفونها، فعاتبهم ربهم على ذلك، يقول: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. قال: فهؤلاء لما ظنوا أن الله سبحانه لا يعلم كثيراً مما يعملون، كان هذا إساءة ظن منهم بربهم، فأرداهم ذلك الظن، فأرداهم ذلك الظن. وربنا عز وجل يقول في الآية التي قبلها: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾، متى هذا يا إخوان، في الدنيا أو في الآخرة يا صقر؟ ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ﴾، أي أهل النار يقولون لجلودهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾، هذا في الدنيا أو في الآخرة؟ أحسنت، في الآخرة. ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ * مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾". قال رحمه الله تعالى: "قال: وهذا شأن كل من جحد صفة من صفات كماله ونعوت جلاله، ووصفه بما لا يليق به، فيعتبر ماذا يا إخوان؟ أساء الظن بالله تبارك وتعالى. قال: فإذا ظن هذا أنه يدخله الجنة، كان هذا غروراً وخداعاً من نفسه، وتس