الدرس في 09 فضائل الأعمال في شهر الصيام - ذكر الله، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُشدد على أهمية ذكر الله في حياة المسلمين، ويُوضح الفوائد العديدة لذلك مثل مغفرة الذنوب ونيل الجزاء من جنس العمل. كما يُشير إلى أن الله يعين الذاكرين له ويكون معهم.
ذكر الله له فضائل كثيرة، منها راحة القلوب وانشراح الصدور وحياة القلوب. كما أنه يميز بين الحي والميت من حيث التأثر بمواعظ الله، ويشكل جزءًا من طاعة الله ومرضاته.
الأذكار المقيدة يجب أن تؤتى كما جاءت في الشريعة من حيث الصيغة والعدد، ولا يجوز الزيادة عليها. الدليل على ذلك هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الأذكار بعد الصلاة وحديث البراء بن عازب في دعاء النوم.
الذكر إما أن يكون مطلقًا أو مقيدًا، الذكر المطلق يكون تسبيحًا أو تحميدًا أو تهليلًا أو تكبيرًا أو استغفارًا. بينما الذكر المقيد يتعلق بحالات معينة من زمان ومكان ويكون مقيدًا بالصيغة والعدد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فإن من فضائل الأعمال التي ينبغي أن نحرص عليها على الدوام، وخصوصًا ونحن في شهر رمضان، الحرص على الإكثار من ذكر الله جل في علاه. فإن هذه الخصلة لهي من القربات العظيمة، ومن العبادات الجليلة التي أمر الله بها وندب إليها وحث عليها بأن لا تزال لسانك رطبة من ذكر الله، لا تفتأ من ذكر الله، فلا كلل ولا ملل من الإكثار من تمجيده وحمده وشكره والثناء عليه جل في علاه. وإن الفضائل في هذا الباب كثيرة جدًا، حتى أن ابن القيم رحمه الله تعالى عندما سرد لنا فضائل وفوائد ذكر الله أوصلها إلى سبعين فائدة، من فوائد ذكر الله. فإنك يا عبد الله بذكر الله تتحصل على مغفرة الذنوب، فقط بعمل لسانك، تكثر بلسانك من ذكر الله، فإذا بذنوبك يمحوها الله عنك، كما قال سبحانه: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، أعد الله لهم ماذا؟ مغفرة، هنا مغفرة نكرة، دلالة على عظم المغفرة، مغفرة عظيمة جعلها الله في حق الذاكرين له سبحانه وتعالى. وكيف لا؟ فإن الإنسان إذا أكثر من ذكر شيء بعينه، دل على حبه وتعظيمه، فكيف بذكرك لله وأنت تكثر من ذلكم ليلًا ونهارًا؟ فلأجل تعظيمك لربك وإكثارك من ذكره، فالله جل وعلا يغفر الذنوب. كذلك من فضائل ذكر الله سبحانه وتعالى أن الله يعاملك بالمثل، فإن جزاء ذكر الله يدخل تحت عنوان الجزاء من جنس العمل، فالله يعامل خلقه كما يعامله العباد، فمن ذكر الله فالله يذكره، قال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، فأنت كلما ذكرت ربك فالله جل وعلى يذكرك. وقد جاء في الحديث القدسي قال الله: «فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْ مَلَإِهِ»، متى هذا؟ هذا يكون إذا أنت قمت بذكر الله، فالله يذكرك، فضل عظيم غفل عنه الكثير من الناس. كذلك من فضائل ذكر الله جل وعلا أن الله سبحانه وتعالى يعينك، تجد أن الله يعينك لأن الله سيكون معك، فالله مع المحسنين، الله مع الصابرين، الله مع المتقين، الله مع الذاكرين. فإن الإنسان متى ما أقبل على ذكر الله، فالله معه يؤيده بتأييده، ينصره على عدوه. لهذا جاء في الحديث الصحيح عند ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَأَنَا مَعَ عَبْدِي مَتَى مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِهِ شَفَتَاهُ»، وأنا مع عبدي متى؟ يكون الله معك إذا ذكرته. وكلما وصلت يا عبد الله إلى مقام الضعف والعجز، وكلنا عجزة، وأردت أن الله جل وعلا يعينك في مهامك، أقبل على ذكر الله، فالله يؤيدك في أي حال. ولهذا المسلم هو في ساحات الجهاد، وفي ساحات القتال، وأمام الأعداء، والأمر يتطلب إلى قوة وإلى جهاد وإلى عدة وعتاد، وأنت لربما لا تظفر في تلكم الساعة بهذه الأدوات، لكن إلجأ إلى ذكر الله، فأنعم بها من عدة. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، مع الجهاد أعظم إعانة الذي يحتاج إليه العبد أمام الأعداء، أمام الموت والقتل، استمد قوتك يا عبد الله من ذكرك لله، فالله جل وعلا يعينك. كذلك يا عبد الله من فوائد وفضائل ذكر الله جل وعلا ما يكون من راحة القلب وسكون النفس وطمأنينة البال ونزول ملائكة الرحمن، فإنما هذه الأمور تجتمع في حق الذاكرين لله، تجتمع في حق الذاكرين لله. ولهذا جاء من حديث أبي سعيد الخدري ومن حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «وَلَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي مَنْ عِنْدَهُ»، ذكرهم الله، مر معنا من فضائل ذكر الله أن الله يذكرك كلما ذكرته. أضف إلى ذلكم تحفك الملائكة، وأن السكينة تتنزل عليك، السكينة راحة البال، انشراح الصدور، هدوء القلوب، تجده يا عبد الله عند ذكرك لله، ولو كنت في أشد المخاوف. رب إنسان يبقى خائفًا فزعًا قلقًا مضطربًا، فإذا أقبل على ذكر الله يجد أن القلب يهدأ. ومصداق ذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، ألا بذكر الله تطمئن القلوب. ولهذا تجد أن أهل الإسلام من أقل الأمم في الإصابة بالأمراض النفسية والعصبية مما تبتل بها سائر الأمم. لو نظرت إلى الأمم الأخرى كالحضارات الغربية مع وجود الترف المادي والبذخ والتطور التكنولوجي والقوة المادية التي معهم، لكن انظر إلى الحالات النفسية تجد أنهم ضربوا الأرقام القياسية، ما يكاد أحد منهم إلا وهو يتعاطى الحبوب التي تهدأ من قلبه ومن نفسه، حتى أن بعض ما ينام إلا على الحبوب المهدئة، لا بد هذا أكثر المجتمع يعيش على الحبوب. لكن قارن تلكم المجتمعات بالأمة الإسلامية، لا شيء، لأن تلكم المجتمعات خاوية عن ذكر الله جل وعلا، فلا هدوء ولا طمأنينة للقلوب، بخلاف المسلم فإنه كلما أقبل على ذكر الله جل في علاه يجعل الله في قلبه من الأنس ومن الراحة والانشراح ما يغنيه عن هذا وعن ذاك. فالحاصل إخواني في الله أن من فضائل ذكر الله جل وعلا ما يكون على النفس البشرية من راحة القلوب وانشراح الصدور. زد على ذلك من فضائل ذكر الله جل وعلا أن فيها حياة القلوب، روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى قال عليه الصلاة والسلام: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ اللَّهَ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ اللَّهَ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ»، هذا الفرق بينهما، الذي يذكر الله هو حي، حياته بحياة قلبه، يتمعن يتفكر يتأمل يتأثر بمواعظ الله. لكن الذي لا يذكر الله فإن قلبه ميت، لا يتعظ لا يتأثر، لو ربما تمر عليه الآيات الكونية والآيات الشرعية فلا تحرك فيه ساكنًا ولا يرفع لها رأسًا ولا يعر لها اهتمامًا ولا بالًا لأن قلبه ميت، بخلاف الذي يكثر من ذكر الله جل وعلا تجد أن قلبه حي يتأثر عظيم التأثر. كذلك يا عبد الله إن أردت أن تسابق الخلق بعمل من الأعمال، فسابقهم يا عبد الله بذكر الله، سابقهم بذكر الله. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ»، سبق أي سبقوا إلى طاعة الله، سبقوا إلى مرضات الله، سبقوا إلى الجنات، سبقوا إلى الرحمات، «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ»، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ». قال ابن قتيبة رحمه الله تعالى في أصل كلمة المفردين: هؤلاء الذين هلك أقرانهم، هلك أقرانهم فما بقي إلا هم، أما من معهم قد هلكوا، فهذا قد تفرد. وهكذا الذاكر لله جل وعلا كثيرًا قد تفرد بالمسابقة، فما هناك أحد يزاحمه ولا أحد ينافسه في هذا المضمار. فالشاهد إخواني في الله فضائل ذكر الله فضائل كثيرة جدًا بالعشرات، العشرات التي ليس هذا المقام مقام ذكرها أو سردها، وإنما ذلكم إشارة إلى ضرورة العناية بها، حتى أن ابن القيم رحمه الله تعالى أراد أن يبين فضيلة ذكر الله فقال: إن الله جل وعلا ما ذكر على صعب إلا هان، ولا على عسير إلا تيسر، ولا على مشقة إلا وانكشفت، ولا على كربة إلا وانفرجت، هذا تأثير ذكر الله سبحانه وتعالى، ذكره عظيم. الشاهد إخواني في الله ونحن في شهر الصيام، كما أننا نقبل على الطاعات والعبادات وعلى سائر الأعمال والأقوال، فعلينا أن نجعل لذكر الله حظًا، نجعل لذكر الله حظًا، فإن فضله عظيم. وينبغي أن نعلم أن ذكر الله ينقسم إلى قسمين: إلى ذكر مطلق وإلى ذكر مقيد، قد جاء ذلك مجموعًا في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، هذه الآية كما يقول العلماء جمعت بين نوعي الذكر، ذكر المطلق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾، وجاء الذكر المقيد: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي في أول النهار وفي آخر النهار. والذكر المطلق والمقيد الفرق بينهما إخواني في الله أن الذكر المطلق من اسمه على الإطلاق لا يتقيد بزمان ولا بمكان ولا بأي حال من الأحوال، فهذا تكثر يا عبد الله، فإن الأمر قد ترك له العنان بأن تفعل ما تريد، أكثر من ذكر الله. وهذا الذي كان يفعله عليه الصلاة والسلام كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من ذكر الله في كل أحيانه، في كل أوقاته، قائمًا قاعدًا جالسًا مضجعًا، في كل شيء، في مجلسه في سفره في ترحاله في حله، في كل أوقاته، يدخل في ذلك التسبيح التحميد التكبير التهليل الاستغفار، هذه أذكار مطلقة لا تعد ولا تحصى يا عبد الله. انطلق اجعل لسانك تنطلق في ذكر الله بما شئت، في أي مكان، في أي زمان، في أي حال، هذا هو الذكر المطلق. والذكر الثاني هو الذكر المقيد، وهو الذي من اسمه تعلم أن فيه تقييدًا، فهو مقيد بزمان، مقيد بمكان، مقيد ببعض الأحوال، هي أذكار لكن تأتي بها بمناسبات. مثل الأذكار بعد الصلاة مقيدة، أذكار الصباح، أذكار المساء، هذه مقيدة، أذكار عند النوم، أذكار عند الاستيقاظ، أذكار عند الخروج، أذكار عند الدخول، الأذكار عند الركوب، الأذكار التي عند السفر، قس على هذه الأشياء، هي أذكار فيها ذكر لله لكنها مقيدة بأقوال، بأحوال، بأزمان، بأماكن، تسمى هذه مقيدة. هذه يا عبد الله ليست كالأولى، الأولى ترك لك العنان، أما الثانية لا، فعليك أن تمسك اللجام، فهنا لا تأتي بهذه الأذكار المقيدة إلا كما جاء، به الشريعة من حيث الصيغة، ومن حيث العدد، فإن كانت بعدد معين، تأتي بهذا العدد، لا تزيد ولا تنقص. وإن جاءت بصيغة، احرص أنك تحفظ هذه الصيغة، وتأتي بها كما هي، لا تزيد عليها. فإن الأدلة قد دلت على ذلك، مثل العدد، الأذكار بعد الصلاة، فإن مما يؤتى بعد الصلاة 33 تسبيحًا، 33 تحميدًا، 33 تكبيرًا، تقيد بهذا العدد، لو قال: سأكملها 40، ما فرقت، 33 باقي السبع، سأكملها 40 فضل، لا، لا تقول فضل. بل بين الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى أنك لن تتحصر على الأجر المذكور في هذا الذكر. والدليل على أنه لا يزاد على ذلك ما جاء في الصحيح عندما اشتكى فقراء المهاجرين، اشتكوا إلى رسول الله ما شكواهم، اشتكوا من الأغنياء. وانظر إلى عظيم التنافس على أبواب الخير، شكواهم مؤداها أن الفقراء قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور، أهل الغنى، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، نحن وإياهم سواء، لكنهم ويتصدقون بفضول أموالهم، عندهم أموال ما عندنا أموال. انظروا الشكوى يشتكون على إخوانهم الأغنياء كيف أنهم نافسوهم في مسألة هم يعتبرونها نقطة ضعف فيهم ما عندهم أموال. فقال لهم نبينا موضحًا لهم أن أبواب الصدقة كثيرة، ثم ذكر لهم نبينا أن من أبواب الصدقة الأذكار التي بعد الصلاة بأن تقولوا دبر كل صلاة: «سُبْحَانَ اللَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ»، فرح المهاجرون الفقراء بهذا الفضل أنهم تميزوا عن الأغنياء بعمل. لكن ما الذي صار؟ الأغنياء سمعوا بهذا الفضل فعملوا، فعملوا بنفس عمل الفقراء، إذا ما تركوا لهم شيء. رجعوا أهل المهاجرون رجعوا إلى رسول الله قال: يا رسول الله، إن إخواننا سمعوا بهذا الفضل فعملوا. هنا الشاهد: هل طلب نبينا منهم أن يزيدوا في الذكر؟ لا، وإنما قال: «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ»، هذا فضل أن الله عز وجل أنعم على أهل الغنى بالأموال، فأصبحوا يصومون كصومكم، ويصلون كصلواتكم، ويذكرون الله كذكركم لله، وزد على ذلك أن الله أعطاهم من الأموال ينفقونها. قال: «فَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ»، الشاهد من هذا الحديث كما استفاد العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم ما دل الفقراء على أن يزيدوا في الحد، وإنما أوقفهم وسكت، فدل ذلك على أن الأذكار إذا جاءت وهي المقيدة بزمان، بمكان، من قال كذا خمس مرات، أو سبع مرات، أو ثلاث مرات، تتقيد، فلا تزيد بحجة أن ذلك الفضل. بدليل أن النبي لو أراد أن يزيد لا زاد. فهذه الأذكار المقيدة بالعدد تقف يا عبد الله عند عددها، بخلاف الذكر المطلق فأنت وشأنك. الصيغة الأذكار المقيدة، دعاء الدخول، دعاء الخروج، دعاء الدخول إلى المسجد، الخروج من المسجد، دعاء الدخول إلى الخلا، دعاء النوم، الأدعية، هذه المقيدة احفظها، لا تزيد عليها، لا تزيد عليها. وإنما تأتي بها على وجهها، يدلك على ذلك ما جاء من حديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يَا بَرَاءُ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ تَقُولُهُ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَإِنَّكَ تَمُوتُ عَلَى الْفِطْرَةِ»، قال: بلى، قال: «فَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، هذا ذكر على القاعدة ذكر مقيد يؤتى به عند النوم. قام البراء رضي الله تعالى عنه وأعاد هذا الذكر عند رسول الله مثل الطالب يحب أن يراجع المعلومة عند شيخه، فقام البراء وأعاد هذا الذكر عند رسول الله: بأني أقول: اللهم إني... اللهم... لكن انتبه قال: «وَآَمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، هل هناك فرق بين الذكر الذي أتى به نبينا وبين الترديد براء؟ نعم في كلمة واحدة، النبي قال: «وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، براء أخطأ كلمة قال: «وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، هل مضت؟ قال نبينا: فضرب بيده على صدره كاللوحة، كالذي ما ينبهه، قال: «لَا، قُلْ وَبِنَبِيِّكَ»، أعاد العبارة تصحيحًا. قال بعدما ضرب بصدره بيده: «قُلْ وَبِنَبِيِّكَ»، فأعاد البراء بنفس اللفظ، فدل ذلك على أن الأذكار المقيدة التي علمنا إياها رسول الله نأتي بها كما هي، ما يحتاج إلى زيادة. وإن من تمعنا في هذه المسألة ثم قارن ذلك بما عليه أهل البدع ليندهش من التصرفات الشنيعة والتغييرات العظيمة التي أدخلت على ذكر الله، في باب الأذان غير في باب الإقامة، أضيفت، في باب الأذكار زيدت، كل ذلك من التغيير لشرع الله. فالشاهد إخواني في الله أن المسلم عليه أن يعلم في هذا الشهر المفضل أنه أمام شعيرة عظيمة من أعظم شعائر الإسلام، ألا وهي الإكثار من ذكر الله، أكثر من ذكر الله. وهذا الذكر يا عبد الله فضائله عظيمة، وهذا الذكر إما أن يكون ذكرًا مطلقًا، تسبيحًا، تحميدًا، تهليلا، تكبيرًا، واستغفارًا، ولك العنان بأنك تذكر الله كما تشاء. وهناك ذكر مقيد، وهذا يتعلق بحالات، من زمان، ومكان، فهنا تتقيد بالصيغة والعدد. وهناك مسائل إن شاء الله نرجئ الحديث عنها في درس غد. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.