المحاضرة بعنوان فضل العلم، والتي كانت في افتتاح الدورة العلمية الثالثة والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 4 ذو القعدة 1446هـ الموافق 2 مايو 2025م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يؤكد المقطع على مكانة العلم النافع في الدين الإسلامي مستنداً إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية، ويبين أن طلب العلم فريضة على كل مسلم. كما يبرز وصية النبي بأهل العلم وطلابهم كونهم علامات هدى ومنارات للناس.
يوضح المقطع فضل طلب العلم ومكانته العظيمة في الإسلام، فهو من أفضل العبادات وطريق إلى الجنة وعلامة على إرادة الله الخير للعبد. كما يستشهد بأحاديث نبوية وآيات قرآنية وقصة عمر بن الخطاب مع ابن أبزى لتأكيد رفعة العالم.
يبيّن المقطع كيف يرفع العلم قدر صاحبه بغض النظر عن نسبه أو صورته مستشهداً بأحوال عطاء بن أبي رباح والأعمش. كما يحث على استغلال مجالس العلم للانتفاع ثم الرجوع للناس بالتعليم والأمر بالمعروف كما أمر النبي مالك بن الحويرث.
يختتم المتحدث بدعاء الله أن يرزقه وجمهوره علماً نافعاً يقربهم إليه، ويصلي على النبي محمد ويحمد الله. ثم يختم الجلسة بالشكر للحضور.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، البشير النذير، والسراج المنير، الذي هدى الله به من الضلالة، وبصر به من العمى، تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتبعها إلا كل منيب سالك. أما بعد، أيها الأحبة في الله، الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم. من أعظم النعم التي ينعم الله بها على عباده هي التوفيق لطلب العلم النافع، فالعلم النافع الذي يتبعه العمل الصالح يعتبران أصلين عظيمين أرسل بهما النبي صلى الله عليه وسلم، قال ربنا عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾. العلم له مكانة عظيمة في ديننا الإسلامي، ورحم الله الإمام شيخ الإسلام ابن القيم إذ يقول كما في كتابه «مفتاح دار السعادة»: «العلم من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، العلم من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، ولا تقوم شجرة الإيمان إلا على ساق العلم والمعرفة». فالعلم إذن أجل المطالب وأسنى المواهب، هكذا يقول رحمه الله تعالى. ولهذا ربنا جل في علاه أمر بالتفقه في الدين، وهكذا تحصيل العلم، فقال سبحانه: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾، ﴿ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾. فالله عز وجل يختار لهذا العلم أناساً يجعلهم علامات ومنارات يحتدي بها الناس، يجعلهم مصابيح في الدجا يدلون الناس على الخير. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس عند الإمام ابن ماجه وغيره: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، «طلب العلم فريضة على كل مسلم». فأكرم بها وأنعم مجالس مباركة وحلق طيبة جعل الله عز وجل فيها من الخير الشيء الكثير. وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث جابر عند ابن ماجه وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «سلوا الله علماً نافعاً، وتعوذوا به من علم لا ينفع». وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء في صحيح مسلم من حديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذه الدعوات فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها». هكذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو بهذه الدعوات المباركة. أهل العلم وطلاب العلم أوصى بهم نبينا صلى الله عليه وسلم خيراً، كما جاء في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، ذكر أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه فقال: «مرحباً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ثم ذكر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصينا بكم خيراً»، أي بطلاب العلم وأهل الحديث، فهم وصية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أيها الأحبة في الله، طلب العلم يعتبر من أجل العبادات وأعظم الطاعات التي يحبها ربنا عز وجل ويحب أهلها، ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يرغب أصحابه وأمته في الحرص على مجالس العلم، ويبين عليه الصلاة والسلام ما فيها من الخير. فمن ذلكم أنه عليه الصلاة والسلام بين الخيرية الموجودة في مجالس العلم وفي طلب العلم، ففي حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، وخيركم أي عند الله تبارك وتعالى، وهذه الخيرية منزلة عظيمة يوفق الله لها من شاء من خلقه وعبيده. والعلم يعتبر طريقاً يوصل صاحبه إلى الجنة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، طريقاً إلى الجنة». هكذا يخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فطريق العلم يوصل صاحبه إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. العلم رزق يهبه الله عز وجل لمن شاء من خلقه وعبيده، ويوفق له من أراد الله له التوفيق، كما جاء في حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». ولاحظ كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام جعل علامة التوفيق في الهداية والدلالة على هذا العلم، قال: «من يرد الله به خيراً يفقه في الدين»، قال: «إنما أنا قاسم والله معطي، وإنما أنا قاسم والله معطي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وهم على ذلك». وقد ذكر بعض العلماء نقطة ولطيفة تربط أول هذا الحديث بآخره، ألا وهي أن من أهم وأعظم سمات هذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة عنايتهم بالعلم واهتمامهم بالفقه في دين الله عز وجل، وهذا هو الملاحظ وهذا هو الواقع، فأهل السنة والجماعة هم أحرص الناس على العلم وأسعد الناس به. العلم أيها الأحبة في الله يسر العيوب ويكمل النقائص، العلم يعتبر سبباً للرفعة عند الله عز وجل، وصدق ربنا إذ يقول: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾. وفي صحيح مسلم من حديث عمر رضي الله تعالى عنه، والحديث له قصة في قصة خروجه عمر إلى مكة، فلقي عاملها نافع بن الحارث بعسفان، فسأله عمن استخلف على أهل الوادي، أي على أهل مكة، فذكر أنه استخلف عليهم ابن أبزى، فقال عمر: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من الموالي، فقال عمر: استخلفت على أهل الوادي مولى من الموالي؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه قارئ لكتاب الله وعالم بالفرائض، عندها قال أمير المؤمنين أبو حفص عمر، أو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين، ويضع به آخرين». العلم يعتبر سبيلاً للرفعة، وربنا عز وجل يقول: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَن نَّشَاءُ ﴾، قال ابن عباس وغيره: أي بالعلم، أي بالعلم، وفوق كل ذي علم عليم. العلم كما قيل يا إخوان: يبني بيتاً لا أساس له والجهل يهدم بيت العز والشرف كم من إنسان لربما ليس له نسب شريف، ولا مال كثير، ولا منصب رفيع، لكن يرفعه الله عز وجل بالعلم، يرفعه الله بالعلم. في أيام بني أمية كان ينادى في المشاعر، وهكذا عند أداء المناسك بمكة: «ألا يفتي إلا عطاء بن أبي رباح»، وعطاء كان ذميم الخلقة، وكان مولى من الموالي، لكن رفعه الله عز وجل بالعلم. وكما قيل: رأيت العلم صاحبه شريف وإن ولدته آباء لآم وليس يزال يرفعه إلى أن يعظم شأنه القوم الكرام فيتبعونه في كل أفق كراعي الضأن تتبعه السوام ويحمل قوله في كل قول كراعي الضأن تتبعه السوام ومن يك عالماً فهو الإمام فبالعلم النجاة من المخازي، وبالجهل المذلة والرغام. كان الأعمش، سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي، الملقب بالمصحف، كان ذميم الخلقة، كان يقول: «لو كنت بقالاً لقدّرني الناس»، أي لن يأتي أحد لكي يشتري من عنده، لكن انظروا رفعه الله بالعلم، فتزاحم عليه المحدثون، وأقبل عليه من كل حدب وصوب لكي يأخذوا عنه الحديث ويأخذوا عنه العلم. فالعلم يرفع صاحبه أيما رفعة، أيما رفعة. قال أحدهم: تعلم يا فتى والعود رطب وطينك طيب والطبع قابل يكفيك يا فتى شرفاً وفخراً سكون الحاضرين وأنت قائل في الصلاة يقدم صاحب العلم، وفي الخطابة يقدم صاحب العلم، وهكذا في غيرها من المجالات، حتى في القبر إذا دفن أكثر من ميت فيقدم صاحب القرآن، صاحب العلم قبل غيره. وفي يوم القيامة يرفع الله أهل العلم وأهل القرآن، فيقال لقارئ القرآن: «اقرأ وارتقِ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها». هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا يقول سفيان رحمه الله تعالى: «لم يعطَ أحد أفضل من النبوة، لم يعطَ أحد أفضل من النبوة، وليس بعد النبوة أفضل من العلم والفقه»، أفضل من العلم والفقه، أكد، أكد، يقول رحمه الله تعالى. العلم أيها الأحبة في الله يورث صاحبه الخشية والخوف من الله عز وجل، وليس، ولهذا يقول تعالى في كتابه العزيز: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾، ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾. ولهذا قال بعض السلف: «إنما فضل العالم على غيره لأنه يخشى الله»، يعمل بعلمه، يسارع إلى الطاعات، ويبتعد عن الفواحش والخطايا والمحرمات، يعمل بهذا العلم، فكان مقدماً على غيره، وفضله الله تعالى على غيره. وربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾. أيها الأحبة في الله، تأتي مثل هذه الدورات العلمية، وهكذا المجالس القرآنية، وهكذا الحلقات التي فيها من الأحاديث النبوية والآثار السلفية وغيرها، لكي ينهل طلاب العلم من معين صاف ومن علم نافع، فينتفع به الواحد ثم يرجع إلى أهله ويرجع إلى بلده وينشر هذا العلم ويبث هذا الخير. فهذا مالك بن الحويرث، وحديثه في صحيح البخاري وغيره، قال مالك بن الحويرث: «أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شباب متقاربون، قال: فجلسنا عنده عشرين ليلة، فرأى أن قد اشتقنا إلى أهلينا، فقال عليه الصلاة والسلام: ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم». هكذا يقول عليه الصلاة والسلام: «فعلموهم ومروهم»، أي من العلم الذي تعلمتموه خلال هذه الفترة وهذه المدة، «قال: فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم انتفاعاً بالعلم». هكذا استغلال لفترة طلب العلم، يأتي طالب العلم فيحضر دورة علمية، فيرجع إلى بلده بحال أحسن من الحال التي أتى بها، يرجع لربما مؤذناً أو إماماً، يرجع معلماً وناصحاً وواعظاً، فهذا من فضل الله عز وجل على من شاء من خلقه وعبيده. فأسأل المولى عز وجل أن يرزقنا علماً نافعاً، ونعوذ به من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يرزقنا علماً نافعاً يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً.