الدرس في سمات دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المحاضر مولد الإمام عام 1115هـ في العيينة، نشأته العلمية، حفظه المبكر للقرآن، ورحلاته لطلب العلم في مكة والمدينة والأحساء والبصرة، ثم انطلاقه من حريملا داعياً إلى إخلاص التوحيد ومحاربة الشرك والبدع.
تعرض الشيخ للأذى ومحاولات القتل في حريملا، فلجأ إلى العيينة حيث نصره أميرها ابن معمر حتى هدم قبة زيد بن الخطاب، ثم أجبر على الخروج مشياً بلا زاد، فتوجه إلى الدرعية ولجأ إلى تلميذه ابن سويلم الذي توسط لنصرته.
تعرفت زوجة الأمير محمد بن سعود على دعوة الشيخ فحثت زوجها على نصرته، فبايع الأمير الشيخ على أن يتولى الجهاد بالحجة والبيان بينما يتولى الأمير الجهاد بالسيف، فانطلقت الدعوة من الدرعية وطهرت المنطقة من الشرك والخرافات.
يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله العون والتوفيق، وأن يرزقهم العلم النافع والعمل به، مختتماً بالحمد لله رب العالمين، مع الإشارة إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: ففي مثل هذا الوقت، وفي هذه الدورة، مدة هذه الدورة سنتدارس وإياكم هذه الرسالة الطيبة النافعة: «سمات دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى» للشيخ الدكتور صالح بن عبد العزيز السندي رحمه الله تعالى. وسبب اختيار هذه الرسالة لعدة أمور: الأمر الأول: كما هو معلوم أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى نجحت نجاحاً عظيماً، فمعرفة هذه السمات فيها القدوة، وفيها كذلك الاتباع لمثل هذا الإمام في دعوته لمن أراد نجاح الدعوة إلى التوحيد وإلى السنة. هذا أمر. الأمر الآخر: أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى شوهت من قبل أعداء التوحيد، وصورت للناس بغير حقيقتها وبغير صورتها الصحيحة، فذكر مثل هذه السمات يوضح ويجلي لنا صفاء ونقاء وصحة هذه الدعوة، وأنها متصلة بدعوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومما كذلك يعين على فهم هذه الدعوة وهذه السمات: أن نعرف نبذة مختصرة عن سيرة هذا الإمام، وكيف بدأ دعوته ومسيرته في هذه الدعوة الطيبة المباركة. الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي ولد في قرية يقال لها العيينة، كانت عائلته تسكنها، وهي وسط نجد، قريبة الآن من الرياض. وكانت ولادته في عام 1115 للهجرة، أي في بداية القرن الثاني عشر، الذي يوافق 1703 للميلاد. وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى ينتسب إلى أسرة من العلماء والفقهاء، فجده سليمان كان من أبرز العلماء في الجزيرة العربية، وهو أبو أبيه، هو اسمه محمد بن عبد الوهاب بن سليمان. فهذا سليمان جده كان من أبرز العلماء في الجزيرة العربية في ذلك الوقت. وكذلك كان والده عبد الوهاب قاضياً من قضاة العيينة، ثم انتقل إلى بلد أخرى يقال لها حريملا. فإذا هذه الأسرة كانت أسرة علم وفقه وعناية بالعلوم الشرعية، فهذا مما أعانه على أن يسلك مسلك آبائه وأجداده في الاعتناء بالعلم. فتعلم القرآن رحمه الله تعالى وحفظه عن ظهر قلب، وهو أقل من عشر سنوات، أقل من عشر سنوات قد حفظ القرآن رحمه الله تعالى رحمة واسعة. ثم قرأ على والده بعض العلوم، وكان مشهوراً الشيخ محمد عبد الوهاب في ذلك الوقت بجدّه، وبكذلك حدة ذهنه وسرعة حفظه. فكان رحمه الله تعالى يحب القراءة في كتب التفسير والحديث. وكما هو معلوم أن أخذ العلم عن أهل بلده لربما لا يفي بالمطلوب، فهو يعني يحب أن يتزود من العلوم الشرعية، فدعاه ذلك إلى الهجرة والرحلة لطلب العلم. فهاجر إلى مكة، ثم إلى المدينة، ثم إلى الإحساء، ثم إلى البصرة، يلتقي بعلمائها وينهل من علومهم رحمه الله تعالى. فهذا فيه دليل على أن الشيخ رحمه الله كان على مستوى عالٍ من العلم، وهذا تجده واضحاً جلياً في مؤلفاته رحمه الله تعالى. ثم بعد مرور بعض السنوات وهو في رحلته، عاد الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى إلى بلدة حريملا حيث انتقل والده إليها وتولى فيها القضاء، أي والده تولى فيها القضاء. فرجع إلى هذه البلدة حريملا، انتقل مع والده، وقام في هذه البلدة بالتدريس برفقة والده. وكانت أساس دعوته هي استعادة التوحيد الحقيقي، وترك آثار الشرك. وكما تعلمون أن الشيخ محمد عبد الوهاب في عصره وفي وقته كانت الجزيرة العربية تعج بالشركيات وبالبدع وبالفتن، وبالقتل والقتال، وبانتشار السحر والسحرة، وبوجود علماء السوء، وبتشييد القباب والبناء على القبور والاستغاثة بالأموات. فاندثرت معالم التوحيد في عهده وعصره، فتألم لذلك رحمه الله تعالى، وعزم على أن يدعو الناس إلى التوحيد الخالص، فكانت هذه دعوته رحمه الله تعالى. فكان يدرس ويلتقي بالناس ويعظهم، ويبين لهم التوحيد الصحيح وبطلان ما هم عليه من دعوة غير الله سبحانه وتعالى. فانتشر أمره في تلك البلدة، وقصده أناس كثيرون من مناطق أخرى غير هذه المنطقة، مما أدى إلى ازدياد عدد المحبين والمتابعين له رحمه الله تعالى، وانضم إلى دعوته جمع غفير. وهذا أثار حفيظة بعض أعدائه من علماء السوء ومن بعض المفسدين، فآذوه وحاربوه، بل وحاولوا قتله، حاولوا أن يقتلوه. فلما ضيق عليه، وشعر بالخطر من قبل هؤلاء، اضطر إلى الخروج من هذه البلدة حريملا، وانتقل إلى العيينة البلدة التي هي مسقط رأسه، التي هي مسقط رأسه، ذهب وحده إلى هذه البلدة لعله يجد من يؤويه ومن ينصره ومن يقوم معه في دعوته رحمه الله تعالى. فوصل العيينة، وكان أميرها أنذاك رجل يقال له ابن معمر، وكان تبعاً لوالي الإحساء. فرحب بالشيخ، بل وزوجوه، وأقام دعوة التوحيد، بل وهدم بعض القباب. كما ذكروا أن في منطقة العيينة كان يوجد قبر زيد بن الخطاب، لما جاء في حروب أهل الردة قتل هنالك وقبر هنالك، فلما تقادم الزمان بنوا على قبره قبة، ويقصدها الناس ويدعونها من دون الله. فدعا إلى دعوة التوحيد، ووفقه الله ومن معه لهدم هذه القبة، وللقيام بدعوة التوحيد. نعم، ولكن ابن معمر لقي التهديد من حاكم الإحساء: إما أن تقتل ابن عبد الوهاب، أو تخرجه من بلدك. خيره حاكم الإحساء بإحدى هذين الخيارين: إما أن تقتله، وإما أن تخرجه. لأن هؤلاء الملوك كانوا على مكان، عليه الناس، والناس على دين ملوكهم، فكانوا لربما يشجعون على هذه الشركيات وهذه الخرافات. فهدده بذلك، وإلا قطع عليه المعونة، قطع عليه المعونة لأنه كان تبعاً لا، وكان يمده بشيء من المال للقيام بمدينته أو بإمارته وبلده. فضعف ابن معمر، وأمر ابن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بأن يخرج من العيينة، بأن يخرج من العيينة. وذم العلماء فعل ابن معمر، ذكروا أنه آثر الدنيا على الآخرة، مع أن الشيخ محمد عبد الوهاب نصحه بالصبر وعدم الاستجابة لهذا الأمير. لكن ضعف هذا الأمير ابن معمر، وأمر محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله أن يخرج من العيينة. نحن نذكر هذا حتى تعلموا البلاء والشدة التي مر بها هذا الإمام رحمه الله تعالى، كيف أنه صبر وصابر وجاهد وتحمل في سبيل دعوة التوحيد، حتى أظهره الله، وحتى أيده الله عز وجل بمن يقوم معه من الملوك والأمراء. فخرج الشيخ محمد ابن عبد الوهاب من العيينة وحيداً أعزل من أي شيء، ما عنده شيء، لا سلاح ولا مال ولا شيء. حتى ذكروا عنه أنه خرج من العيينة وما معه إلا مروحة من خوص النخيل، من خوص النخيل. وترك أهله، وترك زوجته، وترك مسكنه، وترك بلده، راحلاً ليس معه أحد، لا صديق ولا رفيق، ولا أهل ولا أنيس، ولا شيء. بل خرج ماشياً على قدميه من غير راحلة رحمه الله تعالى. لكن كان على ثقة بربه سبحانه وتعالى، ففارق الوطن والمال في سبيل الله سبحانه وتعالى. ثم انتقل إلى الدرعية، منطقة أخرى من مناطق نجد أيضاً يقال لها الدرعية. وزار فيها تلميذاً من تلامذته، وهو الشيخ ابن سويلم العريني. وعندما دخل عليه، خاف ابن سويلم، خاف وشعر بضيق في مكان إقامته، وخشي من أمير الدرعية، وكان أمير الدرعية أنذاك محمد ابن سعود رحمه الله تعالى. فوعظه الشيخ محمد عبد الوهاب، أي وعظ ابن سويلم، وثبته وطمأنه، وقال له: «سيجعل الله لنا ولك فرجاً ومخرجاً». ثم انتقل الشيخ محمد عبد الوهاب إلى دار تلميذ الشيخ ابن سويلم، وهو الشيخ أحمد ابن سويلم. وهناك بدأت تزاور بين خواص أهل العلم، فجاء أهل العلم وطلبة العلم من العقلاء ومن الفهماء إلى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب في بيت الشيخ، في بيت ابن سويلم، رحمهم الله تعالى جميعاً. وأراد هؤلاء الطلاب والعلماء أن يشيروا إلى ابن سعود بنصرته، بنصرته محمد بن عبد الوهاب، ولكن هابوه، قالوا: من يكلمه؟ لعله يبطش بنا وبه. فهابوا أن يكلموا أمير الدرعية أنذاك محمد ابن سعود رحمه الله تعالى. فوجدوا طريقة مناسبة لوصول هذا الأمر إلى الملك، فأتوا إلى زوجته، إلى زوجة محمد ابن سعود، واسمها مضي بنت وهطان من آل كثير، وأتوا كذلك إلى أخيه، أخي محمد ابن سعود، واسمه ثنيان. وكانت امرأة محمد ابن سعود ذات عقل ودين، وما اختار هؤلاء العلماء هذه المرأة إلا لوفرة عقلها، ولي كذلك دينها. فأخبروها بمكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وصفة ما يأمر به وينهى عنه، وأن دعوته قائمة على توحيد الله سبحانه وتعالى، وبين لها مقاصد هذه الدعوة التي يقوم بها الشيخ محمد عبد الوهاب النجدي. فوقر في قلبها، وفي قلب أخي محمد بن سعود ثنيان، معرفة التوحيد، فعرفوا التوحيد وأحبوا الشيخ محمد بن عبد الوهاب. فدخل محمد بن سعود على زوجته، فأخبرته بمكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقالت له: «هذا الرجل ساقه الله إليك، وهو غنيمة، وهو غنيمة، فاغتنم ما خصك الله به، فاغتنم ما خصك الله به». حثته ورغبته في نصرة الشيخ محمد عبد الوهاب النجدي رحمه الله. ومما أعان على يعني نصرة محمد بن سعود للشيخ محمد عبد الوهاب: أن الدرعية كانت مستقلة، لا تتبع شيئاً من البلاد الأخرى، لا تتبع شيئاً من البلاد الأخرى. فقبل قولها محمد بن سعود رحمه الله، قبل قول مرأته مضي رحمه الله، ودخل على أخيه ثنيان، وأخوه آخر كذلك اسمه مشاري، وأشار إليه مساعدته، أي مساعدة الشيخ محمد عبد الوهاب ونصرته. فأراد محمد بن سعود أن يرسل إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يأتي إليه، فأشار إليه أن يذهب هو إليه، نعم، أن يذهب هو إليه برجله في مكانه، حتى يظهر تعظيمه وكذلك الاحتفاء به، لعل الناس أن يكرموه ويعظموه. انظر هذا من السياسة الحكيمة: أن ملك البلاد هو الذي يأتي إلى الشيخ، لا الشيخ يأتي إليه، بل هو يذهب إلى الشيخ. فهذا فيه إكرام وفيه احتفاء بالشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى. فالشيخ رحب به، وأبدى غاية الإكرام والتبجيل. نعم، الشيخ محمد بن سعود أبدى غاية الإكرام والتبجيل للشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى، وأخبره أن يمنعه مما يمنع منه نساءه وأولاده، أي أنه ينصره في الشدة والسراء، وفي العسر واليسر. فقال له الشيخ محمد عبد الوهاب: «أبشر، بما أبشر ببلاد، أو ببلاد خير من بلادك، إذا أنت كذلك فأبشر ببلاد خير من بلادك، وأبشر بالعزة والمنعة». فقال الشيخ: «وأنا أبشرك بالعزة والتمكين، وهذه الكلمة لا إله إلا الله، من تمسك بها فإنه وعمل بها فإنه يملك الدنيا، يملك الدنيا والبلاد والعباد». وذكر له أنك يعني الشيخ محمد عبد الوهاب يقول: «يا محمد بن سعود، أنت ترى ما عليه البلاد والأقطار من الشرك ومن الجهل ومن الفرقة ومن قتال بعضهم بعضاً، فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون، وذريتك من بعدك». فالأمر كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى. وهكذا تم اللقاء التاريخي، وحصلت هذه البيعة العظيمة بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى، وبين الملك محمد بن سعود رحمه الله تعالى، على أن يقوم الشيخ محمد عبد الوهاب بالجهاد بالحجة والبيان، ويقوم الملك محمد بن سعود بالجهاد بالسيف والسنان. فاجتمع الأمران، وانطلق على بركة الله. فدعى الشيخ محمد عبد الوهاب أهل الدرعية لتوحيد الله، وتقبل الناس هذه الدعوة، وتم تطهير تلك البلاد من براثن الشرك والخرافة. ثم انطلقت دعوة الشيخ إلى خارج الدرعية، وإلى القرى المجاورة، وإلى ربما القرى كذلك البعيدة، يدعو الناس إلى ترك القبور والتعلق بها والاستغاثة بها وهدمها، والتعلق بالله سبحانه وتعالى وحده. فهو بالحجة والبيان، فمن عارض أوجها بالسيف والسنان. وهذا ليس كما يزعم أعداء الإسلام أنه إرهاب، أو أنه تكفير، بل هي دعوة النبي عليه الصلاة والسلام. فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم في عهده من يهدم اللات والعزى وغيرها من مظاهر الشرك، ومن الوثنيات التي يعبد أصحابها هذه الوثنيات من دون الله سبحانه وتعالى. فانتشرت دعوته، ولا يزال أثرها إلى يومنا هذا. فما هي السمات، وما هي الصفات التي أدت إلى نصرة، وإلى كذلك ظهور هذه الدعوة المباركة، دعوة الشيخ محمد عبد الوهاب، والتي ما نحن إلا آثر من آثارها في هذا الزمان؟ هذا ما سنعرفه إن شاء الله تعالى خلال دراستنا لهذه الرسالة الموجزة في هذه الدورة المباركة. أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يعيننا وإياكم على ذلك، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر