الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  15

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 15

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 15، ألقاها

مقدمة في مسألة الوضوء من الطعام

يتناول المقطع الأول مسألة الوضوء من الطعام بعد الأكل، مستدلاً برواية عن أنس بن مالك رضي الله عنه. بينما يتناول المقطع الثاني آراء الصحابة والتابعين في حكم الوضوء بعد تناول الطعام.

حكم الوضوء من الطعام المطبوخ والناسخ والمنسوخ

يستعرض المقطع الثاني آراء الصحابة والتابعين ويستند إلى أحاديث نبوية تشير إلى نسخ الوضوء من الطعام المطبوخ. بينما يتناول المقطع الثالث آراء العلماء حول الوضوء من الطعام الذي مسته النار.

الوضوء من لحم الإبل وآراء الفقهاء

يتناول المقطع الرابع اختلاف الفقهاء في حكم الوضوء بعد أكل لحم الإبل، حيث اختلفت آراء الحنابلة والشافعية وغيرهم في هذا الحكم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد رحمه الله، والإمام أحمد معروف إمام أهل السنة، أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني. قال: حدثنا عتاب بن زياد، وهو الميروزي، قال: حدثنا عبد الله عن ابن المبارك. وعبد الله بن المبارك كان ثبتًا في كل شيء كما قال ابن مهدي رحمه الله، فهو إمام في كل شيء. قد ذكرنا قبل كلمة سفيان بن عينة، وهو يعتبر شيخه، يقول: إن عبد الله بن المبارك لم يفضله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشيء إلا بشرف الصحبة، إلا بشرف الصحبة. وكان رحمه الله يحج عامًا ويجاهد عامًا، أن عامًا يكون في الثغور وعامًا يذهب إلى حج بيت الله الحرام، مع بحثه أيضًا، وأيضًا تطلبه للعلم. وقال: لما محمد رحمه الله: ما سمعت مثل ابن المبارك رحمه الله تعالى في كثرة الطلب، يقول: ما سمعت مثل ابن المبارك في كثرة الطلب، كان كثير طلب العلم، ذهب إلى أكثر الأماكن، ذهب إلى كل المشرق، ذهب مصر وذهب كذلك في الحجاز، وهذا كثيرًا ما يذهب، وكذلك العراقين البصرة والكوفة، فهو يكثر أيضًا الذهاب إليهما، وكذلك ذهب إلى معمر في اليمن، وما من بلاد إلا ودخلها رحمه الله تعالى في الطلب. قال: حدثنا موسى بن عقبة، وموسى بن عقبة هو أموي، وهو صاحب السيرة، السيرة المشهورة بمغازي موسى بن عقبة. وقال الإمام مالك رحمه الله: من أراد المغازي فعليه بمغازي العبد الصالح موسى بن عقبة، هذه شهادة من مالك الإمام ذي الهجرة، ومالك رحمه الله لا يوثق إلا من هو ثقة. وكذلك كان متحريًا رحمه الله، حتى قال سفيان بن عينة: كنا نتعلم التحري من مالك، تحري في الرجال من مالك. فقال مالك رحمه الله: موسى بن عقبة، أو قال: من أراد المغازي فعليه بمغازي موسى بن عقبة، أو العبد الصالح موسى بن عقبة. قال: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو مدني أيضًا، وموسى بن عقبة مدني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أنا وأبي بن كعب، قال: كنت أنا وأبي بن كعب وأبو طلحة جلوسًا، فأكلنا لحمًا وخبزًا، ثم دعوت بوضوء، فقال: لم تتوضأ؟ فقلت: لهذا الطعام الذي أكلنا، فقال: أتتوضأ من الطيبات؟ قال: أتتوضأ من الطيبات؟ لم يتوضأ من هو خير منك. قال الشيخ رحمه الله: هذا حديث حسن. وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ترجمته في تعجيل المنفعة، قال أبو حاتم: ما بحديثه بأس. فهذا الحديث في مسألة الوضوء من الطعام إذا أكل الشخص طعامًا، هل يتوضأ؟ فقال أنس رضي الله عنه: كنت وأبي بن كعب، وأبي بن كعب يعتبر من بني عم أنس، معنا من قبيلة واحدة، وأبو طلحة كذلك، وأبو طلحة يعتبر ابن عم أبي، حتى أن أبو طلحة لما نزل قول الله جل وعلا: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، قال أبو طلحة رضي الله عنه: زيد بن سهل، وهو زوج أم سليم، قال أبو طلحة: أحب مالي بيرحاء، بيرحاء هذه أرض قرب مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان فيها ماء عذبًا، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب هذا الماء، يشرب منه. فقال أبو طلحة: أحب مالي بيرحاء، فهي صدقة لله ولرسوله، قال: يا رسول الله، صدقة لله ورسوله، اجعلها حيث ما تريد يا رسول الله، أو حيث ما شئت يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: اجعلها في أقربائك، في بني عمك، أنا لا أتصرف فيها، أنت ووقف على أبناء عمك، أو كذا قال. فأوقفها أبو طلحة على أبناء عمه، أبي بن كعب، أبو قتادة وغيرهم. فأبو طلحة من بني النجار، وأبي كذلك من بني النجار، وبني النجار هم خير دور الأنصار، بني النجار، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقال أنس رضي الله عنه: كنت أنا وأبي بن كعب وأبو طلحة جلوسًا، فأكلنا لحمًا وخبزًا، ثم دعوت بوضوء، فقال: لماذا تتوضأ؟ فقلت: لهذا الطعام الذي أكلنا، فقال: تتوضأ من الطيبات؟ لم يتوضأ من هو خير منك. فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتوضأ من أكل اللحم والخبز. وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على هذا الذي ذكر هنا، ومن أشهرها ما جاء في صحيح البخاري، فحديث عمر بن أمية الضمري رضي الله عنه، أنه قال: أكل النبي صلى الله عليه وسلم، أو جاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأخذ السكين يهزها ويهش من اللحم حتى أقيمت الصلاة، فترك السكين وترك اللحم، ثم قام إلى الصلاة، ثم لما رجع قال: هل بقي معنا شيء من طعامنا؟ فقال: نعم، فجاء له به وأكل صلى الله عليه وآله وسلم، فدل على أنه لم يتوضأ، بل جاء في لفظ في البخاري: ولم يتوضأ. وجاء كذلك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكل لحمًا وخبزًا ولم يتوضأ. وجاء أيضًا عن غيره. وهناك حديث عن أبي هريرة في السنن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «توضئوا مما مست النار»، توضئوا مما مست النار. فهذا الحديث في خلاف ناحية صحته، وأكثر العلم على صحته، لكنه منسوخ، لكنه نسخ. ومما يدل على نسخ هذا الحديث، وأيضًا ما جاء أيضًا في حديث البراء بن عازب، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل أن نتوضأ من لحوم الإبل، قال: نعم توضئوا، وسئل أن نتوضأ من لحوم الغنم، قال: لا. وأيضًا كذلك جاء في حديث جابر، صحيح مسلم أيضًا، النبي صلى الله عليه وسلم لم يتوضأ من أكل اللحم. وجاء نفس الحديث هذا عند أهل السنن من حديث جابر، وقال فيه: «كان آخر الأمرين»، كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك الوضوء مما مست النار، كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك الوضوء مما مست النار. لكن هذا الحديث الصحيح الذي ذكره كثير من أهل الحديث أنه خطأ، أنه خطأ من بعض الرواة، وقيل أنه أخطأ في شريك بن عبد الله النخعي، لأنه رواه بالمعنى، رواه بالمعنى، وإلا في الحديث الصحيح وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكل لحمًا وخبزًا ولم يتوضأ. فلهذا فقال أكثر العلماء: أنه لا يتوضأ مما مست النار. وحمل بعض العلماء الحديث على الاستحباب، كما هو قول عند الشافعي رحمه الله، حمل الحديث على الاستحباب الوضوء، وليس بالوجوب. ومنهم من قال: أنه منسوخ، ونسخته هذه الأدلة التي جاءت عن كثير من الصحابة. وجاء أيضًا كذلك في حديث أسامة، لما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو قال أسامة: لما كان في الحج فنزل وهو ذاهب إلى مزدلفة، لما جاء من عرفة إلى مزدلفة في الطريق، خرج النبي صلى الله عليه وسلم وتوضأ وضوءًا مسحًا، أو توضأ وضوءًا، غسل وجهه مرة، وكذلك أعضاءه مرة، ثم ركب. فقال له أسامة: الصلاة يا رسول الله، أو قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس...». هذا ليس الحديث الذي في السنن، قال النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: «وهل أردت الصلاة حتى أتوضأ؟ وهل أردت الصلاة حتى أتوضأ؟» فدلت هذه الأحاديث كلها على أن الوضوء لا يكون من لحم أو مما مست النار، إلا إذا كان لحم جزور، إذا كان لحم جزور، فقد جاء في حديث البراء في السنن، وكذلك حديث جابر بن سمرة عند مسلم، بوجوب الوضوء من أكل لحوم الجزور، أو الإبل، من أكل لحوم الإبل. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، وأيضًا كذلك حصلت مناظرة بين أبي هريرة وابن عباس، لأن ابن عباس عنده حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل لحمًا وخبزًا ولم يتوضأ، فلما سمع أبا هريرة يقول: «أنا لا أتوضأ مما مست النار»، فقال ابن عباس: «أنا أتوضأ من الحميم»، قال ابن عباس: «أنا أتوضأ من الحميم»، أي نتوضأ من الماء الحار. قال ابن عباس: إذا كان الإنسان عنده ماء حار ومس هذا الماء الحار، هل نتوضأ منه أيضًا؟ أي حمل الحليل على ظاهره. فقال له أبو هريرة: «يا ابن أخي، إذا جاءك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له الأمثال»، فلا تضرب له الأمثال. وظاهر وعذر ابن عباس أنه قال هذا الكلام، لأن عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكل من اللحم ولم يتوضأ. خلاصة الأمر أن الصحيح الذي استقر عليه أكثر العلماء: أنه يجوز، أو أن من أكل لحمًا أو خبزًا غير لحم جزور، فإنه لا وضوء عليه، ولا يجب عليه الوضوء. وعند الحنابلة: أنه إذا أكل لحم جزور أو لحم إبل، فإنه يجب عليه الوضوء. وأما الشافعية وغيرهم فقد حملوا هذه الأحاديث على عمومها على أنه كل لحم، وخص الحنابلة لحم الإبل، لأنه قد جاءت أدلة بعينه. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم وأحكم. الحمد لله رب العالمين.

شاركنا على