الدرس في تفسير سورة الصف من تفسير السعدي 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي آية ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ محذراً من التناقض بين القول والعمل مستدلاً بحديث أسامة بن زيد. ويوضح الفرق الجوهري بين نفاق من يعقد نيته على المخالفة وتقصير المجتهد مؤكداً وجوب الدعوة رغم الزلل البشري.
يستعرض المقطع تطور تشريع القتال من النهي إلى الإذن فالوجوب مبيناً حال من طلبوا القتال ثم جبنوا عند فرضه. ويحذر من بدع ما بعد النبوة مؤكداً مراتب الإنكار وأن ترك إنكار القلب دليل انعدام الإيمان.
يستعرض المقطع أصناف المذومين في الآية كالمحب للحمد الكاذب والمفر من البلاء والغادر بالعهد. ويناقش خلاف العلماء فيمن يخلف وعده لعذر مبيناً رأي الجمهور بعدمه نفاقاً مع استحباب الاعتذار.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أما بعد يقول العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا ﴿ يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴾ هذه يقول رحمه الله أي لم تقولون الخير وتحطون عليه وربما تمدحتم به وأنتم لا تفعلونه وتنهون عن الشر وربما نزهتم أنفسكم عنه وأنتم متلوثون متصفون به هذا خطاب من الله جل وعلا لمن آمن بالله جل وعلا وفيه الأثر المشهور عن عبد الله بن مسعود وإن كان فيه شيء من الضعف في إسناده لكن قد اشتهر عند العلماء أنه كان يقول إذا سمعت يا أيها الذين آمنوا فألق لها سمعا فإنما أمر تؤمر به أو نهي تنهى عنه وهذا الآن الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية نهي عن أمر مهم جدا وهذا الأمر يشمل عدة أشياء فظاهرها أولا قوله ﴿ لما تقولون ما لا تفعلون ﴾ يشمل أن الإنسان يقول شيئا من الخير كما ذكر الشيخ ويحط الناس عليه ثم لا يفعله يتكلم بالخير ويدعو الناس إلى الخير ويحط الناس عليه وهو لا يفعل ذلك وهذه صفة دائمة فيه بل قد تكون نيته خلاف الفعل إنه يقول ما لا يفعل وهو يعلم أنه لا يريد فعل ذلك وهذا جرم عظيم ولهذا جاء في الحديث حديث أسامة في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال يجاء يوم القيامة برجل من أهل النار فتندلق أقتاب بطنه فتنخرج أمعاؤه حتى تدور حوله كما يدور الحمار حول رحاه فيجتمع عليه أهل النار فيقولون يا فلان ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال فيقول بلى كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه انظر إلى هذا الحديث العظيم الذي فيه مخالفة الرجل فعله قوله قوله يحث الناس على الخير ثم نيته لا يفعل ذلك وأيضا يتكلم بكلام ويقول كلاما ويدعي كلاما ثم لا يفعل هذا الفعل لم تقولون ما لا تفعلون فهذا أول ما يؤخذ من هذه الآية أن الإنسان يقول كلاما ويحث غيره عليه ثم هو في نيته لا يريد فعله ولا يطبق هذا وأما من يدعو الناس للخير وهو أيضا يريد أنه أول الناس في ذلك لكن قد يستطيع أن يفعل وقد لا يستطيع أن يفعل فاتقوا الله ما استطعت فهذا على خير هذا على خير وأيضا من باب التنبيه حتى لا يطرف الإنسان الخير ودعوة الناس إلى الخير لأن بعضهم يوسوسوا في هذا فيقول كيف أدعو الناس إلى شيء لا أفعله وأدعو الناس إلى الخير وأنا بعيد عنه فيترك الدعوة ويترك الخير بسبب هذا الظن وهذا خطأ لو ظن كل إنسان هذا الظن أو فعل هذا الفعل لتركت الدعوة إلى الله ما من أحد إلا وهو مقصر إلا من عصمه الله ما من أحد إلا هو يقول شيئا ويفعل خلافه يقول شيئا ويدعو الناس إلى شيء من الخير وهو قد يخالف ذلك لكن هنا المقصود هو أن الإنسان لا يعقد في نيته هذا أو مخالفة الفعل أو أنه يقول ويحث الناس ويدعو الناس وهو في نفسه أصلا أنه لا ما سيفعل هذا ولا يحث نفسه على هذا الفعل فهذا شيء وذاك شيء آخر وأما من يجتهد في طاعة الله جل وعلا ويدعو الناس إلى الخير وهو أيضا يحث نفسه على هذا الخير بل يدعو الناس لأجل نفسه أولا يدعو الناس إلى الخير لأجل حث نفسه أولا ثم حث الآخرين فهذا على خير عظيم وهو داخل في قول الله جل وعلا ﴿ ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ﴾ فلا يختلط هذا الأمر بهذا الأمر أيضا في قوله جل وعلا ﴿ لما تقولون ما لا تفعلون ﴾ يدخل فيه من يتمنى ويطلب الخير من يتمنى ويطلب الخير ثم إذا وقع تجد أنه بعيد عن ذلك تجد أنه بعيد عن ذلك ولهذا ذكر بعض أهل العلم أن هذه الآية نزلت في طلب بعض أهل الإيمان أو بعض أهل الإسلام القتال طلبوا القتال الله عز وجل يقول ﴿ ويقولون لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ﴾ أيضا في الآية الأخرى في سورة النساء الله عز وجل يقول ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لما كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ فهذه الآية قال البخاري أنها نزلت في بعض الصحابة في مكة قالوا كنا في الجاهلية لا يستطيع أحد أن يذلنا ونحن الآن في الإسلام وهؤلاء يذلون ويؤذون وكنا في الجاهلية لا يستطيع أحد أن يؤذينا فلا كانت لهم جاه فعلى هذا الذي قاله قاله أناس من خيرة أهل القريش والذي لهم أيضا تجارة وأموال أن كان الناس أي كفار قريش يحترمونهم ويودونهم فلما أسلموا كانوا يؤذون فقالوا لما كنا في الجاهلية لا يؤذينا أحد ولما أسلمنا آذونا فلماذا لا نقاتل أنا يريدون إذن للقتال فلما كانوا في المدينة أنزل الله عز وجل القتال قتال هؤلاء الكفار فقال بعض هؤلاء الذين طلبوا العذن بالقتال في مكة لولا أخرتنا إلى أجل قريب أنا يقول الله يقول الله عز وجل ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ﴾ أي في مكة معنا لا تقاتلون كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة صلوا وأدوا زكاةكم ولا تبالون بهؤلاء الكفار وأذيتهم الوقت ليس وقت قتال لأنه ليس هناك القوة والتهيؤ لهذا القتال لأن هذا كان بداية الدعوة فلما تعزز أهل الإسلام وصارت دولة للمسلمين وقوة أذن أولا الله عز وجل لهم القتال ثم أمرهم بقتال المشركين فلهذا كانوا يتمنون أن تنزل سورة يذكر فيها القتال فلما نزلت هذه السورة المحكمة التي ذكر فيها القتال بعض هؤلاء المنافقين لم يعجبهم ذلك وبعضهم من قد يكون من أهل الإيمان قالوا الآن ليس وقت القتال لو تأخر أخر الله عز وجل عنا هذا القتال في هذه الفترة فهذا أيضا يدخل في هذه الآية أنهم تمنوا شيئا من الخير فلما أمروا به لم يفعلوا وهذا ينقل فيه أيضا ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود عند مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال يكون الناس يقتدون بهدي أو يستنون بسنة ويهتدون بهدي ثم يخلف بعدهم خلوف ثم يخلف بعدهم خلوف يعني يخلف الناس بعده يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون لا يتكلمون بكلام ولا يفعلون وأيضا يفعلون أشياء لم يؤمروا بها وهي من البدع وهي من البدع والمخالفات لدين الله جل وعلا لم يؤمروا أن يفعلوا هذه البدع وهم تجد أنهم يجتهدون في فعلها ليس فقط فعل عادي بل الاجتهاد في فعل هذه البدع حتى يكون أكثر همهم فعل هذه البدع فقال يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان على من استطاع أن ينكر عليهم بيده ويغير فهذا طيب ومن استطاع بلسانه أيضا ومن لم يستطع لا بيده ولا بلسانه فأقل شيء أن يكون بقلبه وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان أي ليس بعد ذلك إيمان لمن لا ينكر المنكر فأي إيمان عنده وهو لا ينكر المنكر الذي يكون أو الذي يفعل أمامه أيضا يدخل في هذه الآية قوله جل وعلا ﴿ يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون ﴾ من يتشبع بما لم يعطى يتشبع بأشياء ويقول أنا أفعل وأفعل وأنا أقول كذا وأفعل كذا وهو لم يفعل ذلك وليس أيضا فيه ذلك بل يتشبع بهذا وقد جاء في الصحيحين المتشبع بما لم يعطى كلابس ثوبي زور وأيضا يدخل في قول الله عز وجل أيضا من يريد أن يحمد وهو لم يفعل ﴿ ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ﴾ فيحبون أن يتشبعوا بما لم ينالوا بما لم يفعلوا فهو داخل أيضا في هذه الآية وأيضا من يدخل في هذه الآية أيضا من يتمنى البلاء يتمنى البلاء ثم إذا وقع تجد أنه يبتعد عن هذا الأمر يبتعد عن هذا الأمر كما قال الله عز وجل ﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ﴾ أيضا قول الله عز وجل ﴿ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار ﴾ عاهدوا الله أنه إذا حصل القتال ما يتولون ولا يهربون فلما جاء الأحزاب الله عز وجل ذكر عن بعض الطوائف منهم فقال الطائفة ﴿ يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ﴾ ويستأذن فريق منهم النبي يقولون ﴿ إن بيوتنا عورة وما هي بعورة يريدون إلا فرارا ﴾ أن يريدون أن يهرب مع أنهم كانوا يقولون بل عاهدوا الله أنهم لا يولون الأدبار لكن خالفوا ما كانوا يقولون وأخيرا أيضا يدخل في هذا من يعد ويخلف من يعد ويخلف وعده وأيضا من يعاهد الناس ويعقد معهم العقود ويغدر فكل هذا أيضا مما يدخل في هذه الآية وقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي عليه الصلاة والسلام قال أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعه إذا عهد غدر وإذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان أو قال إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عهد غدر وإذا خاصم فجر فإذا وعد أخلف وعده وإذا عهد وعقد العقد مع الناس يغدر بهذا العقد ولا يفيه فهذا يضر داخل في هذه الآية ﴿ لما تقولون ما لا تفعلون ﴾ ومسألة استدل بهذه الآية كما ذكر الحافظ ابن كثير من قال من العلماء أن من وعد وهو ليس في نفسه وفي نيته أنه لا يفي لكن حصلت له ظروف أو فكر بعد ذلك أنه لا يفي بذلك الوعد هل هذا يدخل في الذنب ويدخل أنه من آية المنافق إذا وعد أخلف فقال الحافظ ابن كثير أن كثيرا من العلماء يستدل بهذه الآية على أنه داخل إنسان مثلا قال لآخر غدا إن شاء الله تعالى نلتقي في مكان كذا وكذا ثم بدا له بعد ذلك كان في نيته أنه سيلتقي معه ثم بدا له أن المصلحة تقتضي أن لا يلتقي معه فترى فترى بدون أن يخبره أنه ما سيأتي فهل هذا وعد فأخلف وهو آية من آية النفاق أم أن الذي يذم هو الذي يعزم وهو من نيته أنه لا يفي ببعضه ويعقد عقودا وهو من نيته أنه لا يفي بعقده فهذا خلاف بينه العلم وأكثر أهل العلم وجمهرة العلم أن الذي يذم هو الذي يعزم وفي نيته أنه يخلف يعزم وفي نيته أنه يخلف يعرف أنه ما سيأتي إلى موعده وإلى لقائه لكن فقط يريد أن يتخلص من هذا الذي كان مقابل فيقول سأأتي غدا ونلتقي غدا أو سأأتي لك بحاجتك غدا عنده دين كما جاء في الحديث من أراد أن يعد فيخلف ويؤتمن فيخون فليتدين أو فليستدين فلهذا يقول له غدا سأتي لك بالدين غدا سأتي لك وهو يعلم أنه ما عنده ويعلم أنه ما سيأتي فهذا لا شك أنه داخل فيمن وعد فأخلف لكن عند كثير كما قلنا عند جمهور العلم أن الذي ينوي الوفاء لكن يحصل له شيء من الظروف أو يفكر أن هذا ليس بمصلحته فلا يفي فالرجل هنا لا يدخل في هذا الوعيد الذي جاء في من يخلف الوعيد لكن الأفضل والأولى أنه يستأذنه وأنه يعطيه خبرا بما وعد وأنه سيخلف هذا الموعد فهذا أولى وأفضل من أن يترك الشخص على ميعاد ثم يخلف ذلك الميعاد وأحيانا يكون فيه ضرر على الآخر والنبي عليه الصلاة والسلام يقول لا ضرر ولا ضرار فهذه بعض الأشياء التي ذكرها العلماء أنها تدخل في هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون ﴾ فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا والله تعالى أعلم