الدرس في كتاب الاعتصام من صحيح البخاري 2، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يواصل الدرس شرح كتاب الاعتصام من صحيح البخاري مؤكداً على ضرورة التمسك بالكتاب والسنة للنجاة من الفتن. ويستعرض تصحيح البخاري لرواية أبي برزة وحديث مالك عن السنة كسفينة نوح.
يبرز حرص العلماء على البيعة على كتاب الله وسنة رسوله كما فعل ابن عمر. ويفسر معنى «بُعثتُ بجوامع الكلم» مع ذكر سلسلة رواة الحديث وصولاً إلى أبي هريرة.
يشرح أن النبي بُعث بجوامع الكلم ونُصر بالرعب، وأن معجزته الخالدة هي القرآن المناسب لقوم الفصاحة. ويشير إلى إخباره بأنه أكثر الأنبياء تابعين يوم القيامة كدليل على صدقه.
يختتم المتحدث بدعاء يطلب العون بالقرآن والسنة والثبات على الدين. ويسأل الله السلامة من المصائب والفتن الظاهرة والباطنة مع الصلاة على النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا. أما بعد: مواصلة أيها الأحبة في الله مع كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وسبق معنا الإشارة إلى أهمية دراسة وقراءة مثل هذه المباحث وهذه الكتب وهذه الأحاديث النبوية، لا سيما وموضوعها الاعتصام، والاعتصام أي: الالتجاء والامتناع بالكتاب والسنة، من ماذا؟ من الضلال، من الانحراف، من الهلاك. وكم نحن أحوج ما نكون إلى هذا الأمر، لا سيما ونحن نعيش في هذه الفتن المتلاطمة: فتن الشبهات، وهكذا فتن الشهوات، وهكذا فتن الشهوات. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن السعيدة لمن جنب الفتن، إن السعيدة لمن جنب الفتن، إن السعيدة لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر، فواها، أي: فيعجبا ممن يبتلى فيصبر، ممن يبتلى فيصبر». والشباب، وفقنا الله وإياهم، شباب الأمة، شباب المسلمين، يعتبرون من أحوج الناس إلى هذا، لأن أعداء الإسلام من كل حدب وصوب قد وجهوا سهامهم إلى نحور شباب الأمة، يريد إضاعة الشباب، يريد إفساد الشباب، يريد أن ينحرف الشباب. وإذا انحرف الشباب وضاع الشباب، هنا تضعف الأمة، وماذا لا يهابها أعداؤها؟ فالشباب هم حماة العرين، هم حراس العقيدة، الشباب هم الذين يدافعون عن الدين، وعن العرض، وعن الدم، وعن المال، وغيرها. لهذا ما أحوجنا جميعا إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم. آخر ما تكلمنا عنه في الدرس الماضي: قول البخاري رحمه الله تعالى: قال: حدثنا عبد الله بن صباح، ويقال: ابن الصباح، قال: حدثنا معتمر، قال: سمعت عوفا، أن أبا المنهال حدثه، أنه سمع أبا برزة، وأبو برزة هو الأسلمي، واسمه نضلة بن عبيد بن عبيد، قال: أنه سمع أبا برزة قال: «إن الله يغنيكم أو نعشكم بالإسلام وبمحمد صلى الله عليه وسلم». قال أبو عبد الله - يعني البخاري -: وقع ها هنا «يغنيكم»، وإنما هو «نعشكم». قال: ينظر في أصل كتاب الاعتصام. وقد علق الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى على هذه الجملة الأخيرة، فقال: فيه إشارة إلى أنه صنف كتاب الاعتصام مفردا، وكتب منه هنا ما يليق بشرطه في هذا الكتاب، كما صنع في كتاب الأدب المفرد، كما صنع في كتاب الأدب المفرد. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا إسماعيل، وهو ابن عبد الله بن ويس الأصبحي، أبو عبد الله المدني، ابن أختي مالك، الإمام مالك، خاله وشيخه. قال: حدثني مالك، ومالك إمام دار الهجرة، أي: المدينة، مالك بن أنس، أبو عبد الله الأصبحي. والإمام مالك يعتبر علما من أعلام السنة، كان يقول: «سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهلك». سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كسفينة نوح، فالإمام مالك إمام عظيم القدر. قال: عن عبد الله بن دينار، وهو القرشي العدوي، مولاهم، أبو عبد الرحمن المدني، مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب. قال: أن عبد الله بن عمر كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه، وعبد الملك بن مروان هو الأموي، خليفة من خلفاء بني أمية، كتب إليه يبايعه، وكان ذلك بعد وفاة ابن الزبير، عبد الله بن الزبير، وهذا فيه حرص العلماء على إخماد الفتن، وعدم إثارة الفتن. قال: يبايعه، وأقر لك بذلك بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله، فيما استطعت، فيما استطعت. وهذا الشاهد منه: أنه بايعه وأقر له بالخلافة على سنة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا فيه استعمال الكتاب والسنة في جميع الأمور: بماذا ستحكم؟ وكيف ستعامل الناس؟ إلا بالكتاب والسنة. قال رحمه الله تعالى: قال: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بُعثتُ بجوامع الكلم». بُعثتُ بجوامع الكلم. قال الهروي رحمه الله تعالى: قال: يعني به القرآن. قال: يعني به القرآن، جمع الله تعالى في الألفاظ اليسيرة منه المعاني الكثيرة. قال: وكلامه صلى الله عليه وسلم كان بالجوامع، قليل اللفظ، كثير المعنى. فجوامع الكلم المراد به: يؤتى بالكلام القليل، لكن يحمل المعاني الكثيرة. فمن القرآن من جوامع الكلم ذكروا قوله عز وجل: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾. ومن السنة: «الدين النصيحة»، «الحج عرفة»، وما كان في معناها. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، وهو أبو القاسم الأويسي المدني، فقيه. قال فيه الإمام أبو يعلى الخليل رحمه الله تعالى: قال: ثقة متفق عليه، وقد ضعفه أبو داود. قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، وهو الزهري القرشي، قال: عن ابن شهاب، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله، الشهير بابن شهاب الزهري، أبو بكر، إمام متفق على جلالته، عيب عليه الدخول على أمر بني أمية، لكن اعتذر له العلماء أنه كان يدخل للمناصحة، وليس لأجل المال. قال: عن سعيد بن المسيب، ويقال: ابن المسيب، وهو المخزومي القرشي، سيد التابعين، ومن أعلمهم، ومن أعلمهم، وقد استفاد كثيرا من علم أبي هريرة وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه. نعم، ما اسمه؟ ما اسمه؟ أبي هريرة، نعم، عندك اسمه؟ كنيته، طيب، أحسنت. نعم، يا... ابن عبد الله، اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال كثيرة، ذكر الحاكم في المعرفة نحو من ثلاثين قولا، أقربها أنه عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه، وهو دوسي يماني، من قبيلة دوس، من بلاد اليمن، ويلقب بحافظ الصحابة، كما ذكر الذهبي رحمه الله تعالى. قال: الحفاظ درجات، ذروتهم أبو هريرة، وهو يعتبر نموذجا لطالبي العلم المجتهد، الصابر على العلم وتحصيله، على العلم وتحصيله. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بُعثتُ بجوامع الكلم، ونُصِرتُ بالرعب، وفي بعضها: مسيرة شهر بينه وبين العدو، مسيرة شهر، وإذا به - أي: بالعدو - يرتعب ويرتجف». قال: «وبين» وهي بمعنى بينما. قال: «وبينما أنا نائم رأيتني، ورؤيا الأنبياء وحي وحق، رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، خزائن الأرض، فوضعت في يدي». قال أبو هريرة: «فقد ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم» - أي: مات - «وأنتم تلغثونها، أو ترغثونها، أو كلمة تشبهها». والشاهد من هذا: أنه بُعث بجوامع الكلم من الكتاب والسنة، والواجب على الأمة أن ترجع إلى ذلك. قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثنا الليث، ومر معنا أنه ابن سعد، أبو الحارث الفهمي. قال: عن سعيد، وهو ابن أبي سعيد كيسان المقبري، أبو سعد المدني. قال: عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله، آمن عليه البشر، أو أؤمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون، فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة». ومعجزة النبي صلى الله عليه وسلم التي أوتيها هي القرآن العظيم. وقوله: «ما من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر»، فكل نبي يعطى من المعجزات ما يتناسب مع المجتمع الذي بُعث فيه. موسى: من معجزاته العصا، ماذا تنقلب؟ ثعبان مبين، ويدخل يده في جيبه في جيبه - والجيب: فتحة العنق - في جيبه، تخرج بيضاء من غير سوء، آية أخرى، وكان السحر منتشرا في بلاد مصر. عيسى: من معجزاته يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، إلى غيرها. النبي صلى الله عليه وسلم بُعث في مجتمع عُرف بالبلاغة والفصاحة والشعر والنثر، وغيرها من العربية، فكان معجزته العظمى الخالدة إلى قيام الساعة هي القرآن الكريم. وقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما كان الذي أوتيتُ وحيا أوحاه الله إلي»، هذا يشمل القرآن والسنة، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى. قال: «فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة». وهذا يا إخوان فيه علم من أعلام النبوة، وأعلام النبوة معناها: أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن الأمر في المستقبل، فيقع هذا الأمر كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، وأتباعه وأتباعه قلة، وأتباعه قلة يومئذ، ففتح الله على المسلمين البلاد، وبارك فيهم، حتى اتسع الأمر، وهكذا أيضا كثر المسلمون، كثر المسلمون. قال: «فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة». وهذا فيه أيضا إشارة إلى ما سبق من الإنسان، وهكذا التمسك بما أوحاه الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ويأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل أبوابا أخرى من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يعصمنا بالكتاب والسنة، وأن يثبتنا على هذا الدين حتى نلقاه، وأن يجنبنا المصائب والفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، تعالى أعلم.