تفسير آيات الصيام 6

تفسير آيات الصيام 6

الدرس في تفسير آيات الصيام 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية فرض صيام رمضان وأحكام رؤية الهلال

يستعرض المقطع فضائل شهر رمضان كنزول القرآن وفرض الصيام وليلة القدر، ويوضح شروط وجوب الصيام على المقيم الصحيح مع رخصة المريض والمسافر. ثم يبين أحكام دخول الشهر برؤية الهلال أو إكمال شعبان والخلاف الفقهي في توحيد المطالع أو تعددها.

أحكام الصيام: رؤية الهلال وقضاء رمضان

يناقش المقطع اختلاف مطالع الهلال وحكم اتباع الإمام في الصيام، ثم يوضح أحكام قضاء رمضان للمريض والمسافر ومن في حكمهما. ويقرر أن المشقة المهلكة تبيح الفطر وتقضي يوماً مكان يوم استناداً لآية التيسير، مع استحباب المبادرة بالقضاء دون اشتراط التتابع.

قضاء رمضان وصفة التكبير في العيدين

يبين المقطع جواز قضاء رمضان متتابعاً أو متفرقاً واستحباب المبادرة به كما حث عمر بن الخطاب على قضائه في عشر ذي الحجة. ثم يفصل في التكبير يوم عيد الفطر بأنه مطلق غير مقيد بالصلوات، بينما يكون تكبير عيد الأضحى مقيداً بعد الصلوات ومطلقاً، وقد أجمع الصحابة على مشروعيته.

ختام شهر الصيام وشكر الله

يؤكد المتحدث أن صيام الشهر وقيامه على وفق مراد الله يعد من شكر العبد لربه، ويختتم بالفرح بالفطر والتكبير. ثم ينهي الجلسة بالشكر للمشاهدين والدعاء بالخير.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى تفسير قول الله جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. هذه الآية أخذنا معناها كما ذكره المؤلف رحمه الله، وفيها عدة مسائل متضمنة لهذه الآية. فمن ذلك: أولاً، أن الله عز وجل فرض الصيام في شهر رمضان، وقبل ذلك أن الله عز وجل أخبر أنه أنزل القرآن في رمضان. ففي شهر رمضان اجتمعت خصائص لم تجتمع في شيء من الأشهر. فمن ذلك: أنه نزل فيه القرآن، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وهذه ميزة عظيمة لهذا الشهر. والميزة الثانية: أن الله عز وجل فرض صيامه ولم يفرض غيره. والميزة الثالثة: أن فيه ليلة القدر، الليلة العظيمة التي هي خير من ألف شهر. فهذه ثلاث مميزات وخصائص لهذا الشهر العظيم. وأيضًا له خصائص أخرى: من تفتح أبواب الرحمة، وإغلاق أبواب النار، وأيضًا تصفيد الشياطين. فهذا أيضًا من خصائص هذا الشهر. لكن قد يكون شيء من هذه الأمور موجودًا في بعض الأشهر من ناحية أن الله عز وجل يقبل على عباده ويفتح لهم رحمته، مثل أعمال في العشر الأول من ذي الحجة وغير ذلك. كما قلنا في مسائل هذا... هذا أيضًا أن الصوم فرض بهذه الآية: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وهذا تعيين الصيام على القادر الصحيح الحاضر. ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، أي شهده وهو يستطيع صيامه، وليس أيضًا مسافرًا. لهذا فسرها بعد ذلك فقال: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. أيضًا في هذا الشهر، أو من مسائل هذه الآية: أن الشهر معنى يعرف دخوله بأمرين اثنين: إما برؤية هلال رمضان، وإما بإكمال عدة شعبان، كما جاءت في الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». وأيضًا يستحب، بل قد يجب أيضًا، ترائي الهلال قبل الشهر. وإذا كان مثلًا ولي الأمر قد وضع أناسًا لتحقيق هذا الأمر، فهذا يكفي، فهو من باب فروض الكفايات. فيتحرون الشهر، والهلال، يرون الهلال. فما جاء في حديث عبد الله بن عمر: «رأى الناس الهلال، فرأيته، فأخبرت النبي عليه الصلاة والسلام أني رأيته، فصام وأمر الناس بالصيام». فترائي الهلال لابد منه، أن يتراءوا الهلال حتى يعرفوا أن الشهر قد دخل، لأن النبي عليه الصلاة والسلام علق الصيام برؤية الهلال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». وهذا الهلال إذا رآه مثلًا مجموعة، هل يلزم الناس كلهم في مشرق الأرض ومغربها أن يصوموا؟ فهذا قول، وهو قول أكثر العلماء، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد. ومنهم من قال: أنه لا يلزم إلا من رآه، في البلد التي رؤي فيها، تلزمه. وهناك قول عند الشافعية، وهو الصحيح عندهم، وهي رواية عن أحمد كذلك، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ومن المالكية ابن عبد البر: أن لكل قوم مطلعهم. أن لكل قوم مطلعهم، بمعنى: إذا رأى أهل المطلع هذا، وهم مطلع واحد، رأوا الهلال، فيصومون عليه. وقد ذكر شيخ الإسلام أن مطالع الجزيرة أربعة مطالع، أن جزيرة العرب فقط فيها أربع مطالع قد تختلف. ولهذا تجد غالبًا إذا رأت المملكة الهلال في الجنوب، فأيضًا اليمن يرونه، وأما في الشمال فأحيانًا اليمن هنا لا يرى. وهذا أحيانًا. فالمهم: أن لكل قوم مطلعهم، يصومون في مطلعهم. فإن شكوا، فحكم الإمام يكون لهم فصلًا، على حكم إمامهم وولايتهم ورئيسهم، أو الهيئة التي وكلها الرئيس. أيضًا كذلك قال: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. قلنا أنه كان كما قال الشيخ: هذا فيه تعيين الصيام على القادر الصحيح الحاضر. وذكرنا مسائل المرض، وذكرنا أيضًا بعض مسائل السفر. ثم قال الله عز وجل: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. هذه العبارة قد تقدمت في الآية قبلها، والمراد بها القضاء، قضاء الصيام. فإن من فاته شيء من رمضان فإنه يقضيه. وهذه العدة التي ذكرها الله عز وجل في قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾، أي عدة الشهر، عدة شهر رمضان، أي أنكم تكملون عدد أيام. وهذا يكون بالقضاء، يكون بالقضاء لمن فاته شيء من صيام رمضان بعذر. أنا لابد أن يكون مترخصًا، معنى له رخص في الفطر: إما أن يكون مريضًا، أو مسافرًا، أو كذلك امرأة عندها مانع الحيض أو النفاس. وأُثِيرَت في مسألة الجوع الشديد، قد ذكرنا هذه المسألة، وقلنا: إذا كان هذا الجوع مهلكًا، أو هذا العطش مهلكًا، فيجوز الفطر، يكون مما يترخص فيه، بقول الله عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. فالمشقة كما يقول العلماء تجلب التيسير. إذا وجدت المشقة وجد التيسير. فإذا كان الإنسان بلغ جهدًا قد يموت فيه، أو قد يتضرر ضررًا عظيمًا بسبب تركه للطعام أو للشراب، فإنه يفطر ويقضي ذلك اليوم، على أنه يعتبر مريضًا، يعتبر من ضمن المرضى. أيضًا كذلك في هذه الآية يقول الله عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. هذه الإرادة هنا إرادة شرعية، إرادة شرعية بمعنى المحبة، أي الله عز وجل يحب لكم أن يسر لكم شرائعه ودينه، حتى لا يلزمكم بما لا تطيقون. حتى لا يلزمكم بما لا تطيقون. لهذا قال العلماء: أن المشقة تجلب التيسير، وهذه من القواعد الفقهية الكبرى، أو الخمس، أن المشقة تجلب التيسير. إذا وجدت المشقة جاء التيسير. والمشقة هذه تقدر بقدرها، ليست كل مشقة، وليس أيضًا مشقة الإنسان نفسه. قد يكون بعض الناس يشق عليه الصيام، فهل نقول له: أفطر؟ لا، فليس كل مشقة يكون بعدها تيسير. لكن المشقة المهلكة، أو التي يتضرر بها الإنسان، فهذه كما قلنا إرادة شرعية. وهناك إرادة كونية لله جل وعلا، وهي ما يحصل في الكون، وهي بمعنى المشيئة: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فقال الله عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. ثم قال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾. إكمال العدة كما قلنا بإتمام الشهر، وبالقضاء، وبقضاء ما فاته من رمضان، بقضاء ما فاته من رمضان. وهل القضاء يجب أن يكون بعد رمضان؟ لا، لا يجب. صحيح أنه ليس بواجب، لكنه مستحب، لأنه مسارع في الخيرات. فهذا مسارع في الخيرات، ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، فهذا من المسارعة. فيستحب له أن يقضي، كذلك المرأة يستحب لها أن تقضي بعد رمضان. وأيضًا لا يلزم أن يكون هذا القضاء متتابعًا، ممكن أنه يفرق هذا القضاء، يصوم مثلًا في اليوم... أو في الأسبوع، أقصد يومين أو أكثر، أو يصوم ثلاثة أيام. المهم له أن يفرق هذا الصيام. له أيضًا أن يجعله متتابعًا، مثلًا عليه ستة أيام، أو امرأة عليها ستة أيام، تصومها بعد رمضان، تصومها بعد رمضان مباشرة ومتتابعة، فهذا جائز، وبل هو من أفضل... من أفضل القضاء، أنه لا يؤخره. ويجوز أن يؤخره، أخره جائز، خاصة إذا كان لمصلحة. وقد كان عمر رضي الله عنه يحث الناس على قضاء رمضان في عشر ذي الحجة، لما لها من الفضيلة. قال أيضًا بعد ذلك: ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾. هذه الآية فيها وجوب التكبير في عيد الفطر، هكذا قال به بعض الظاهرية كداود بن علي وغيره، قال بوجوب التكبير في عيد الفطر: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾. والجمهور يرون أنها ليست من باب الأمر، ليس من باب الوجوب، وإنما هو من باب الشكر، الشكر لله عز وجل على تأدية الفريضة، على تأدية ما فرضه الله عز وجل. ولهذا للصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، يفرح بصومه. فهذه الفرحة هي فرحة العيد. جعل الله عز وجل وشرع النبي... ربنا جل وعلا بعد الصوم عيد الفطر، وشرع فيها التكبير من باب الشكر. ولهذا أكثر العلماء يرون أنه ليس واجبًا، وإنما هو مستحب، لأنه جاء هنا من باب الشكر لله عز وجل. فالتكبير يكون يوم عيد الفطر، وهذا بإجماع العلماء، إلا من شذ منهم، أي بأنه مشروع. لكن ينتبه أن أكثر العلماء، كالشافعي وأحمد وغيره، ما يقولون بأن تكبير الفطر إنما تكبير مطلق، وليس فيه شيء من التكبير المقيد. تكبير مطلق، ومعنى تكبير مطلق: أي لا يؤتى به بعد الصلوات. التكبير المقيد الذي يأتي به بعد الصلوات، وهذا يكون في عيد الأضحى، في عيد النحر. أما الفطر فليس فيه تقييد بالصلوات. أنا بعض الإخوة تجده يكبر بعد المغرب، بعد صلاة المغرب، يكبر بعد صلاة العشاء، وبعد صلاة الفجر. وهذا لم يثبت عن أحد من الصحابة، بل لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما ثبت التكبير المطلق. لهذا كره الشافعي وغيره التكبير بعد الصلوات في عيد الفطر. في عيد الفطر يكون تكبير مطلق، في أي وقت تكبر، أي وقت تكبر فيه: في المسجد، في بيتك، في الشارع، تكبر، ما في شيء. في ليلة العيد ويومها، أن تذهب إلى المصلى تكبر، أن تجالس أصحابك في المصلى قبل أن يأتي الإمام تكبر، فهذا كله من التكبير المطلق. وأما التكبير المقيد فيكون في عيد الأضحى. وأما عيد الفطر فليس فيها تكبير مقيد. فأنتبه لهذا. فهذه الآية كما قلنا فيها شرعية التكبير في عيد الفطر. وأما عيد الأضحى فقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وجاء أيضًا كذلك عن الصحابة: كان عمر يكبر بمنى، ويرفع صوته بالتكبير حتى يسمعه أهل منى فيكبرون بتكبيره، أن يتابعونه في التكبير حتى تهتز منى بالصوت. فالتكبير كان موجودًا عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. حتى قال الإمام أحمد رحمه الله: وهذا إجماع منه، أي إجماع الصحابة، أن التكبير يكون في عيد أيضًا في عيد النحر، بالتقييد ببعض الصلوات، وكذلك المطلق. المطلق كما جاء عن عبد الله بن عمر: كان عبد الله بن عمر يكبر في بيته، وإذا قام من نومه، وإذا كان في فراشه، وإذا كان أيضًا بالسوق. وجاء أيضًا أن أبا هريرة، كما ذكر البخاري، أن أبا هريرة وابن عمر يخرجان إلى السوق في العشر الأول من الحجة ويكبران. ﴿فَسَارِعُوا إِلَى الْخَيْرَاتِ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. أي هذا من شكر الله عز وجل، هذا من شكر العبد لربه جل وعلا، أنه يصوم هذا الشهر وعلى ما أراده الله عز وجل، وكذلك يفرح بفطره ويكبر لختام هذا الشهر. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا. الحمد لله تعالى. شكرًا للمشاهدة، شكرًا للمشاهدة.