الدرس في أحاديث قيام الليل 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع حديث أنس بن مالك عن سحور النبي صلى الله عليه وسلم مع زيد بن ثابت، مبيناً أن بينهما وبين الصلاة قدر قراءة خمسين آية، مما يدل على سنة تأخير السحور إلى آخر الليل. كما يؤكد فضيلة السحور وبركته، وأن الأصل في صلاة الفجر التعجيل بأدائها في أول وقتها اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
يفصل المقطع أوقات كل صلاة من الصلوات الخمس موضحاً وقت الفضيلة، وقت الاختيار، وقت الكراهة، ووقت التحريم، مع ذكر خلاف العلماء في صلاة المغرب. ويشير إلى أن تعجيل الفجر والعصر أفضل، بينما يستحب تأخير العشاء إلى نصف الليل الأول مراعاة لحضور المصلين.
يستعرض المقطع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في ركعتي الفجر ثم الاضطجاع على شقه الأيمن، ويذكر أحاديث ابن مسعود وحذيفة عن طول قيامه بالليل. كما يبين معنى التهجد وأصل تسمية صلاة التراويح.
يوضح المقطع اختلاف السلف في عدد ركعات قيام الليل في العشر الأواخر، فمنهم من صلى عشرين ركعة وأوتر بثلاث، ومنهم من صلى ستاً وثلاثين ركعة، والأمر واسع. ويؤكد أن الأفضل إطالة القيام لقول النبي ﷺ: «على طول القنوت».
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب من تسحر فلم ينم حتى صلى الصبح». وذكر هذا الباب لأنه قد ذكر في الباب الذي قبله النوم في السحر، فكأنه يريد أن يبين أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن دائماً ينام بالسحر، بل أحياناً يكون يقظاً فيتسحر ثم يبقى حتى يصل الصبح. وغالباً أيضاً أنه يتسحر في آخر الوقت. قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم -هو الدورقي- قال: حدثنا روح وابن عبادة القيسي، قال: حدثنا سعيد -وهو ابن أبي عروبة- عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: تسحر نبي الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة فصلّى. قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية. هذا الحديث فيه عدة فوائد: أولاً: فيه سنة تأخير السحور، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يؤخر سحوره، حتى أنه كان بين سحوره وصلاته -ليس الأذان وإنما الصلاة-، قال: «فقام نبي الله إلى الصلاة فصلّى»، معناه أنه قال: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ ليس في الأذان وإنما دخولهما في الصلاة. قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية. يقرأ الرجل خمسين آية، معناه من المتوسط، فنقدرها وبعض العلم بثلث ساعة أو نحوها. فمعنى ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتأخر في السحور حتى يدركه الفجر، وهكذا كانت الصحابة رضي الله عنهم. جاء عن الصديق أيضاً أنه كان يتأخر كثيراً في السحور، وجاءت بعض الأحاديث في الحث على التأخير في السحور، ومن ذلك ما جاء في سنن أبي داود: «لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر وأخروا السحور». فتأخير السحور سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. السحور سنة، سنة مباركة عظيمة: «تسحروا فإن في السحور بركة»، و«فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلت السحر»، وأيضاً حديث: «أكلت السحر أكلت بركة، فلا تدعوها، ولو أن يتجرع أحدكم ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين». وأيضاً سنة أخرى وهي التأخير، أنه يجعله في السحر، والأفضل أن يكون في آخر السحر. وأما الذي مثلاً يأكل في نصف الليل ويقول هذا سحور، فليس سحوراً، فالسحور يكون في السحر، معنى آخر السدس من الليل، لكنه الأفضل أن يكون آخر السحر، يكون آخر السحر. أيضاً في هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعجل في صلاة الفجر، كان يعجل في صلاة الفجر. وهذا الأصل، الأصل هو التعجيل في صلاة الفجر، وأنا أقصد السنة والأفضل هو التعجيل في كل الصلوات، وأن تصلى في أول وقتها، وهذا يستحب لما جاء في الصحيحين، حديث أبي هريرة أو حديث عبد الله بن مسعود -أقصد- لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. وجاء تفسير ذلك في رواية الحاكم بإسناد صحيح: «الصلاة في أول وقتها». ولهذا اعتبر أكثر أهل العلم أن أول الوقت هو فضيلة، أول الوقت فضيلة، إلا في صلاة العشاء فإن التأخير فيه أفضل، وكذلك في الظهر في شدة الحر يكون فيها الإبراد. وإلا في جميع الصلوات، سواء كان صلاة العصر أو المغرب أو الفجر، يكون الأفضل أن تصلى في أول وقتها، أن تصلى في أول وقتها. وهناك في كل صلاة وقت اختيار، غالب الصلوات فيها وقت، أو الأوقات فيها وقت اختيار. الفجر فيها وقت اختيار هو أول الفجر، معنى لا يكون الظلام. لا زال أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الفجر بغلس، لكن وقت الفجر كله وقت إلى طلوع الشمس، ليس فيه وقت كراهة، ليس فيه وقت كراهة. كذلك أيضاً وقت الظهر: وقت الظهر كله وقت اختيار، معنى وقت فضيلة وهو أول الظهر، ووقت اختيار وهو كل الوقت، معنى إلى أن ينتهي. وأما العصر: العصر فيها وقت فضيلة وهو أوله، وفيه وقت اختيار وهو إلى أن يصير ظل الشيء مثليه، وفيه وقت كراهة وهو بعد أن يصير ظل الشيء مثليه إلى اصفرار الشمس، وفيه وقت تحريم من اصفرار الشمس إلى غروبها. فهذا في صلاة العصر. وأما المغرب: فاتفقوا على وقت الفضيلة واختلفوا في وقت الاختيار. فعند جمهور العلماء أن فيها وقت اختيار وهو إلى غياب الشفق، وعند الشافعي رحمه الله أنها ليس فيها وقت اختيار وإنما فيها وقت الفضيلة وهو أيضاً وقت الاختيار، فعند الشافعي في المغرب وقت الفضيلة نفسه وقت الاختيار، فيكفيه صلاة المغرب وركعتين بعدها. ولكن قد جاءت الأحاديث في حديث عبد الله بن عمر وغيره أنه إلى غياب الشفق، فالظاهر أن وقت اختيار المغرب كله وقت اختيار. وأما العشاء: فوقت الفضيلة آخر نصف الليل الأول، آخر نصف الليل الأول، معنى بعد ثلث الأول من الليل، فهذا أفضل، هذا وقت الفضيلة، إلا إذا شق على الناس فإنه يقدم، يقدم في أول الوقت كما جاء في حديث جابر: «كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا حضر الناس عجل وإذا أبطأ أخّر»، يراعي الناس في الصلاة، صلاة العشاء، معنى يؤخرها إذا تأخر الناس. وأيضاً كذلك معنى ليس له وقت معين، وإن كان جاء في بعض الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي في الليلة الثالثة صلاة العشاء بعد أن يغيب القمر، بعد غياب القمر. القمر في الليالي الأولى يغيب في أول الوقت، فبعد غيابه قال بعض العلم: إنه بعد غيابه، معنى الظاهر أنه بعد غروب الشمس بساعة وسبع دقائق، ساعة وسبع دقائق، معنى يصلي في أول وقت العشاء، ليس في أول الوقت، ليس في أول الوقت، لباس يتأخر قليلاً. وهذا في ليلة ذكر البراء، الظاهر أنه يصلي أو عقبة بن عامر يصلي في الليلة الثالثة إذا غاب القمر. فهذا شيء ما يذكر في مسألة الأوقات. فلهذا فالفجر تعتبر التعجيل فيها أفضل، أن النبي عليه الصلاة والسلام صلاها بعد السحور بثلث ساعة تقريباً أو نحوه. هذا بعد السحور، معنى أنه أذن وصلى ركعتين وجلس يسيراً ثم صلى الفجر. ولهذا جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا أذن الأول من الفجر -الأول من الفجر، معنى يريد الأذان الثاني، على أن الثاني هو الإقامة- قالت: إذا أذن الأول من الفجر ركع ركعتين ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه بلال يوقظه للصلاة أو يستأذنه للصلاة. ففيه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يركع ركعتين ثم يضطجع على شقه الأيمن، وغالباً أنه كما قال الحافظ: معنى الحديث تدل على أنه وقت يسير، على أنه وقت يسير يضطجع ثم بعد ذلك يأتيه بلال ويوقظه للصلاة. طيب، قال: «باب طول القيام في صلاة الليل». أنا عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل القيام، وهذا قد ذكرناه بالأمس لكن نذكر هذا الحديث، باب الذكرى. قال: حدثنا... قال: حدثنا سليمان بن حرب -وهو العزدي الواشح- قال: حدثنا شعبة، عن الحجاج، عن الأعمش سليمان بن مهران، عن أبي وائل -وهو شقيق بن سلمة- عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: صليت مع النبي عليه الصلاة والسلام ليلة فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء. قلنا: ما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النبي عليه الصلاة والسلام، من طول قيامه، صلوات الله وسلامه عليه. قال: حدثنا حفص بن عمر -وهو الحوضي- قال: حدثنا خالد بن عبد الله -وهو الواسطي- عن حسين -وهو ابن عبد الرحمن اليحصبي- عن أبي وائل -وهو شقيق بن سلمة- عن حذيفة رضي الله تعالى عنه، حذيفة بن اليمان بن حسين، أبو عبد الله العبسي من بني عبس. هو أبوه صحابيان لكن قتل أبوه في أحد، وخرج مع المشركين حتى يرجع إلى أهل الإسلام أو يرجع إلى المسلمين، فلما رجع لم يعرفوه فقتله بعضهم، قتل في أحد، وكان حذيفة يقول: أبي، أبي، رحمكم الله، حتى أنه لم يدركه فقتل، رضي الله تعالى عنه. فقال حذيفة: يغفر الله لك. قال: عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك. وهنا هذا الحديث ليس فيه لطول، لكن على أنه ظاهره إذا قام للتهجد. والتهجد كما ذكرنا قبل أنه تكون الصلاة التي بعد النوم، بعد النوم تسمى تهجد، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾، فالتهجد هو يكون بعد قيام من النوم، تسمى تهجد، وهو صلاة الليل كلها. صلاة الليل حتى هذه الآن التي تسمى تراويح هي أيضاً صلاة الليل، لكن تسمى تراويح في رمضان، معنى صلح عليه في عهد الصحابة أنها تسمى تراويح، وإلا لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يبين أنها تسمى صلاة التراويح، وإنما كما ذكر الإمام البخاري عن بعض التابعين أنها سُميت التراويح لأن الناس كانوا يتراوحون بعد أربع ركعات، أي يروحون على أنفسهم، على أن يجلسون ويرتاحون بعد أربع ركعات. فكان الناس يصلون حتى يسمونها ترويحة، فكانوا يصلون ترويحات، منهم من يصلي ترويحتان، ومنهم من يصلي ثلاث، ومنهم من يصلي أربع، ومنهم من يصلي خمس، ومنهم من يصلي أكثر. وكان بعض السلف يصلي غالباً أربع ترويحات، وإذا كان في العشر زاد ترويحة، يعني يصلي ست عشرة ركعة ويوتر بثلاث. فإذا كانت العشر الأواخر صلى عشرين ركعة وأوتر بثلاث. وأيضاً كذلك كان السلف يصلون ستاً وثلاثين ركعة في عهد عمر بن عبد العزيز. فالأمر واسع في مسألة الركعات، لكن الأفضل أن تكون الصلاة أقول، كلما كانت الصلاة أطول كانت أفضل، لقول النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن أفضل الصلاة: «على طول القنوت»، أي طول القيام. فهذا خلاصة ما يذكر، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.