الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع سلسلة السند لحديث في صحيح البخاري عبر أبي اليمان وشعيب بن أبي حمزة والزهري، مع مناقشة نقد العلماء لطريقة أبي اليمان في الرواية بلفظ «أخبرنا» لكل أنواع التحمل. كما يقارن بين منهج أهل المدينة في العرض والمقابلة ومنهج أهل العراق في الإملاء وتأثير ذلك على انتشار الحديث.
بعد استشهاد كثير من حفظة القرآن في معركة اليمامة، أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر بجمع القرآن في مصحف واحد خشية ضياع آياته، فتردد أبو بكر أولاً ثم اقتنع برأي عمر. اعتبر العلماء هذا الإجراء من المصالح المرسلة لا من البدع، لأنه دعت إليه ضرورة حفظ كتاب الله ولم يكن عن تقصير من الصحابة.
يروي زيد بن ثابت تكليف أبي بكر له بجمع القرآن في مصحف واحد بعد استشهاد حفاظه، ويصف مشقة المهمة ودقة التحري فيها، موضحاً أنه وجد آيتي سورة التوبة الأخيرتين عند خزيمة بن ثابت الأنصاري فقط. كما يذكر انتقال الصحف إلى عمر ثم حفصة، واستخدام عثمان لها في توحيد المصاحف، مع بيان وصف الآيتين لشفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته.
يختم المتحدث بالقول إن ما ذُكر هو حظ من الأدلة، مشيراً إلى كثرة الآيات والأحاديث في الموضوع. ويكتفي بهذا القدر مع تفويض العلم لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾». قال: من الرأفة. قال رحمه الله: حدثنا أبو اليمان، وأبو اليمان هو الحكم بن نافع القرشي الأموي مولاهم الحمصي، وأنا من حمص من الشام، وهو من الثقات الحفاظ. قال: أخبرنا شعيب، وشعيب هو ابن أبي حمزة، يقال إن اسمه بحمزة دينار، شعيب بن دينار، شعيب بن أبي حمزة الحمصي كذلك، وشعيب أيضًا من أصحاب الزهري الثقات الحفاظ، إلا أنه كان عسرًا في الرواية، وقد أكثر عنه أبو اليمان، أبو اليمان هذا الحكم بن نافع أكثر عن شعيب، ويقال إن أبا اليمان لم يسمع من شعيب شيئًا، وقال بعض أهل العلم: سمع منه شيئًا يسيرًا، قال ابن معين: حديثًا واحدًا، وقال أبو داود: كلمة واحدة. ومن ثم إن شعيبًا احتضر، فقال له أهل حمص: أجز لنا ما كنت ترويه، وكان أبو اليمان حاضرًا، فقال: أجزت لكم مروياتي، وهي عند ابني شعيب، وهي عند ابني بشر، فأخذها أبو اليمان، أخذ هذه الكتب من بشر بن شعيب، وكان يرويها فيقول: أخبرنا، وقد استنكر هذا الأمر الإمام أحمد. وفي رواية أنه أجاز له أبو اليمان، بمعنى أخذ أحاديث يُقال إنه سمعها من شعيب، وأحاديث أخذها إجازة، وبعضها مناولة كما يقول بعض أهل العلم: أنا ناوله بعض الكتب، فكلها يقول فيها: أخبرنا، كلها يقول فيها: أخبرنا. وقد تكلمنا في هذه المسألة في عدة دروس، أي مسألة: أخبرنا وحدثنا. طيب، وهنا ترخص أبو اليمان في هذا الأمر، فقال: أخبرنا فيها كلها، أي في الأحاديث التي أخذها سواء كان سماعًا أو مناولة أو إجازة. وقال: أخبرنا شعيب، وشعيب كما قلنا من حفاظ أصحاب الزهري، وقد حضر الإملاء عند السلطان، بل هو الذي أملأ، لما أملأ الزهري لهشام بن عبد الملك أحاديث، أملاها شعيب، فكان حضر هذا الإملاء. والزهري رحمه الله كان على طريقة أهل المدينة، على طريقة أهل المدينة معنا في الإقراء: أنا يأتي طالب العلم بجزء فيه أحاديث الزهري، فأوزع أو يأخذها من بعض الطلبة الذين قد أخذوا هذا الجزء منه أو قارنوه بما هو عليه الزهري أو ببعض تلاميذه، أنه جزء قد قرن بجزء على الأثر، فيأخذ الطالب الجزء ويقرأ على الإمام، قد يكون بعض الناس مثلًا ما عندهم جزء فيكتبون، أو يكتب بعد ذلك من الطالب الذي كان يقرأ، فكانت هذه طريقة أهل المدينة، وهي طريقة الإقراء وطريقة العرض، طريقة العرض. وأما أهل العراق فغالبًا يحبون الإملاء، من قرأ في كتب الحديث يجد أن الإملاء كان في العراق مشهورًا، أن يأتي المحدث ويملي على الطلبة الذين يحضرون، ولهذا كان حضور أهل العراق كثير، لأنه إملاء، ما يتكلف الطالب أن يأتي بجزء ويقرأ فيه أو يستمع في هذا الجزء، وإنما يملي عليهم الشيخ فيكتبون، فكانت أخف من طريقة أهل المدينة، طريقة أهل الحجاز، ولهذا أقبل الناس في العراق على علم الحديث. ولهذا إذا جاء شيخ إلى العراق معنا من المشايخ الذين اشتهروا بالحديث تجد أن المجلس يمتلئ جدًا حتى ما تسعهم المساجد، ما تسعهم المساجد، يجلسون في أماكن ساحات، أنا يحضر معنا أكثر من مئة ألف يحضرون، في لما جاء، لما جاء عاصم أو عاصم الواسطي حضر كما ذكر، حضر مجلسه مئتا ألف، وجلس الناس على الدكك والشرف، فكان العراق انتشر فيهم الحديث، فكانوا في الإملاء أكثرون، تجد حتى أن المستملي الذي يبلغ الصوت قد لا يخصون لكثرتهم. طيب. قال: حدثنا شعيب عن الزهري، الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، أبو بكر، إمام من أئمة العلم والحفظ، لا يقارن في حفظه رحمه الله، كان حافظ الإسلام رحمه الله، وهذا استعان به عمر بن حزم في كتابة الحديث لما أمره عمر بن عبد العزيز، فالزهري من حفاظ الحديث الكبار، وكان يحفظ حفظًا عظيمًا معنا كبير، أو حفظًا قويًا جدًا، لا يكاد أن يخطئ، لا يكاد أن يخطئ في حديث. قال: أخبرني ابن السباق، وهو عبيد بن السباق الثقفي المدني الحجازي، قال: إن زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وهو أبو خارجة، زيد بن ثابت إمام من أئمة المسلمين ومن الصحابة الكرام رضي الله عنه، ومن عرف بالعلم خاصة، اشتهر في المواريث والفرائض، وهو من بني النجار من بني مالك بن النجار أخوال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكان عالمًا ومن مفتي الصحابة، من الصحابة المفتين الذين ذكرهم العلماء، ومن ذكرهم الإمام ابن القيم رحمه الله في كتاب إعلام الموقعين. قال: إن زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وكان ممن يكتب الوحي، وكان ذكيًا، أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعلم الأعجمية فتعلمها في ستة عشر يومًا. قال: أرسل إلي أبو بكر، يقول زيد بن ثابت رضي الله عنه: قال أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، وعنده عمر، لما صارت معركة اليمامة، وهو لما تقابل أهل الإسلام مع مسيلمة الكذاب، وكان النصر لأهل الإسلام، لكن قد قتل في تلك المعركة كثير من القراء، من حفظ القرآن. قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، قراء حفظوا القرآن، يقال لهم قراء، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لا أرى أن تجمع القرآن. أنا عمر أشار إلى أبي بكر بهذا الأمر، فقال أبو بكر لزيد ما قاله عمر، ثم قال: وإني لا أرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري. ومعلوم أن هذا كما يقول العلماء من المصالح المرسلة، من المصالح المرسلة، لم يفعل ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما هذا الأمر إلا لأنه لا بد منه، ولأنه ليس التقصير منهما، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله هذا الضابط، وذكره أيضًا الشاطبي في الاعتصام، على أنه إذا كان الأمر ليس من تقصير من المسلمين فأحدثوا شيئًا لأجل مصلحة الإسلام وغيره ليس تقصيرًا منهم، هذا الشيء حصل وقع رغمًا عنهم، ليس تقصيرًا منهم، فمثل هذا لا يكون بدعة، وإنما هو من المصالح المرسلة. فأشار عمر رضي الله عنه، وكذلك بعد ذلك أبو بكر رضي الله عنهما جميعًا، خافوا أن يقتل القرآن ويتفرق القرآن بينهم، هناك آيات تضيع عليهم، فلم يستطيعوا أن يجمعوا بعد ذلك القرآن، فلهذا أشار عمر رضي الله عنه إلى أبي بكر أن يجمع القرآن، حتى إذا حصل قتل في هؤلاء القراء فالقرآن قد جمع، قد جمع منهم هذا القرآن، فلا بعد ذلك لا يحتاجون إلى أن يأتوا بهؤلاء القراء أو يجمعوهم أو كذا، فإن قد وجدوهم قد قتلوا فقد تضيع عليهم بعض الآيات، فلهذا كان هذا الرأي من أعظم، أو رأي عظيم في الإسلام. وكذلك أن هذا الأمر يدخل في سنة الخلفاء، يدخل في سنة الخلفاء، لأن بعض أهل البدع يشغبون في مثل هذه الأشياء، فهي أيضًا ليست من البدع، وإنما هي من المصالح المرسلة التي فرض الواقع عليهم هذا الأمر، ولم يكن تقصيرًا منهم، لم يكن التقصير منهم معنا، لو ترك الناس القرآن وليس هناك حفظة القرآن فهذا يدل على التقصير منهم، لكن القرآن كثير، لكن تجد أن القتلى قد استحر بهم، أن كثير منهم قد قتل أو سيقتل لكثرة القتلى في تلك الحروب، حروب الردة، فخاف عمر أن يضيع شيئًا من القرآن، فقال رضي الله عنه: قال فقلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، ولا نتهمك، وكنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله، يقول زيد رضي الله عنه: فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. أنا ليس أمر هين، وهذا كتاب الله جل، لا بد من التحري، لأن بعض الآيات قد نُسخت، وبعض من كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد تتلبس على بعض الصحابة أنها من القرآن، أو كذا، أو كذلك أيضًا قد تكون هناك آيات في بعض السور لم تكتب، وهكذا، فلهذا كان هذا الأمر ليس بالسهل. فقال زيد رضي الله عنه: قلت: كيف تكلفني شيئًا لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، وما شرح الله عز وجل صدر هؤلاء الصحابة إلا لأنه خير، فكان خيرًا عظيمًا للأمة. وبعد ذلك انتفع به عثمان رضي الله عنه، فأخذ هذه الصحيفة وكتب عليها. قال: فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، لأنهم كانوا يكتبون في كل شيء يجدونه حتى في العظام. قال: حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره، غيره، لم أجد مع أحد غيره هذه الآيات، وهي آخر آيات سورة التوبة، لم يجدها إلا مع خزيمة الأنصاري رضي الله عنه. قال: قوله جل وعلا: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ إلى آخرها، آخر السورة. قال: وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر، ثم أخذها عثمان من حفصة. قال: تابعه عثمان بن عمر والليث عن يونس عن ابن شهاب، وأنا تابع أن يونس تابع شعيبًا في هذا الحديث عن ابن شهاب. وقال الليث: حدثني عبد الرحمن بن خالد وهو ابن مسافر عن ابن شهاب، وقال: مع أبي خزيمة الأنصاري معنًى. قال: مع أبي خزيمة، عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، مع أبي خزيمة الأنصاري، لكن أكثر أصحاب الزهري يقولون: مع خزيمة. وقال موسى عن إبراهيم، أي الزهري، أيضًا إبراهيم بن سعد الزهري: قال حدثنا ابن شهاب مع أبي خزيمة معنًى، وافقا فيه عبد الرحمن بن خالد. قال: وتابعه يعقوب بن إبراهيم عن أبيه، أي الزهري. وقال أبو ثابت: حدثنا إبراهيم، وقال: مع خزيمة أو أبي خزيمة، ولعل إبراهيم كان يلفظ، والظاهر أن أكثر أصحاب الزهري قالوا: خزيمة الأنصاري. ولعل خزيمة الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين. فهذا الحديث في هذه الآيات التي ذكرها ليس فيها تفسير للآيات، وإنما لذكرها في هذا الحديث وأنها وجدت مع خزيمة الأنصاري رضي الله عنهم. وهذه الآية فيها وصف لهذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وأنه شفيق على هذه الأمة عليه الصلاة والسلام، وأنه يعز عليه عليه الصلاة والسلام ويشق عليه ما يشق على هذه الأمة، وأيضًا هو حريص على هذه الأمة أن لا تذهب إلى النار وأن لا تذهب إلى غضب الله عز وجل، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام ما من خير إلا وقد دل أمته عليه، وما من شر إلا وقد حذر منه. وجاء في البخاري في حديث أبي هريرة، في البخاري وفي الصحيحين، أن جابر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فجعل الجراد والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنه، يذبه هذه الفراش والجراد عن النار». قال: «وأنتم تقتحمون فيها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار»، أنتم تريدون أن تقعون في النار، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وأنا آخذ بحجزكم»، والحجز مكان الإزار، ومعنى شد الإزار يكون في الحجز، فيمسك النبي صلى الله عليه وسلم بحجزنا حتى لا نقع في النار، عليه الصلاة والسلام. وهذا حظ، وهذا كثير في الآيات والأحاديث. وإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.